الدافع وراء ظاهرة «الربيع العربي»

حجم الخط
5

سطعـت شـــمس الربيـع العـربي معـلنة نهاية تاريخ عربي طويل من الاسـتبداد والفساد، لتسرع كل قوة الاستبداد ومراكز دعمها لتطويق ربيع العرب وتحويله إلى شتاء دام. الغريب والمثير للانتباه، كثرة القوى التي اجتمعت على هدف تطويق حلم الشعوب العربية في الانعتقاق من الاستبداد وتوابعه. والأكثرغرابة، تعدد الاساليب التي اتبعتها هذه القوى لبلوغ مبتغاها.
في المقابل كانت الشعوب العربية وحيدة في مواجهة هذا العدوان العسكري والسياسي والثقافي والإجتماعي. وربما يكون ما تتعرض له الامة العربية والشعوب المنضوية تحت هويتها من أخطر ما تعرضت له في تاريخ وجودها. والخطر يكمن في أن هذا الهجوم يستهدف الوعي الجمعي والفردي للأمة، بهدف هدم كينونتها الثقافية والاجتماعية وبالتالي تمزيقها كوحدة هوية ووحدة انتماء.
كان الاقتصـاد الدافـع والمحـرك الأساسـي لكل ثـورات الربيـع العـربي علــى اختـلاف الأسبـاب والظـروف التـي أدت لاشـتعالها. وبالرغم من الكم الهائل من المادة الإعلامية والصحافية التي كرست لتغطية وتحليل هذه الثورات الا أن تجاهل الاقتصاد، بوصفه أهم الأسباب الأساسية التي تقف وراء ظاهرة الربيع العربي، كان واضحا. هذا التجاهل لم يكن وليد الصدفة وانما هو استمرار لتقليد عريق في المنطقة العربية يقوم على إبعاد مسائل الاقتصاد عن مجال التداول العام وشغل هذه المجالات بقضايا غالبا ما تندرج تحت اطار الايديولوجية بشقيها الـسياسـي والثقـافي.
قد تكون الحالة المصرية المثال الأوضح لإبراز الدور المعقد والمركب للاقتصاد في ثورات الربيع العربي. حيث لعب الاقتصاد دورا مزدوجا ومتناقضا، فمن جهة كان المحرك الأساسي لثورة كانون الثاني/يناير، ومن جهة اخرى ساعد في تسهيل مهمة الثورة المضادة في لجم الثورة والالتفاف عليها. هذه الجزئية تغيب بشكل لافت عن سياق التحليل العام للأحداث أو يتم أهمالها. وفي الوقت نفسه لم يدرك نظام الثورة، نظام مرسي، هذا الدور المعقد للاقتصاد، فأهمل أو تجاهل، وفي قراءة أخرى، لم يعط الفرصة، لمعالجة الملف الاقتصادي وبالتحديد القضايا المركزية : الفساد والفقر والتفاوت الطبقي.
لقد ارتكب نظام الثورة خطأ فادحا في الانشغال بقضايا عدة وإهمال أو تاخير معالجة القضايا المركزية في الاقتصاد. ما أتاح لقوى الثورة المضادة استغلال سخط عموم الشعب المصري، من الأوضاع الاقتصادية وشعور أغلبهم بان الثورة لم تتأثر ايجابا في مستوى حياتهم، للتجييش والحشد ضد حكم مرسي وصولا للانقـلاب.
أهمال معالجة القضايا المركزية والملحة في الاقتصاد أدى إلى حرمان الثورة من رصيدها الاهم، الانسان صاحب المصلحة في الثورة وحامل قيمها والمدافع الأول والأخير عنها. فالفلاح المصري الذي يعيش في صعيد مصر، ليس معنيا كثيرا بارتفاع سقف الحريات السياسية ولا يعنيه كثيرا إذا تمكنت النخب في القاهرة مثلا من تشكيل أحزاب سياسية. فضغوط الحياة اليومية لا يتيح لهذا الفلاح او لمن هم مثله التمتع بمكتسبات ثورة الحقوق السياسية، في المدى القصير.
تكشف هذه الأحداث حقيقة جوهرية مفادها أنه إذا لم تستطع الشعوب العربية متابعة ربيعها السياسي باطلاق ثورة اقتصادية تعزز وترسخ مكتسبات الموجة الأولى من الثورة من حريات ومكاسب سياسية وتمكنها من امتلاك مقدراتها وخيراتها، فانها ستجد نفسها محاصرة من قبل مراكز القوى العالمية ووكلائها المحليين. لن تسطيع أي ثورة مهما بلغ زخمها أن تغير البنى السياسية والاقتصادية القائمة مالم تعززها ثورة اقتصادية تعيد للشعب حقه في ثرواته وتمكنه من ادارة اقتصاده بما يحقق توزيع عادل للدخل والثروة. إنه الاقتصاد فالاقتصاد ثم الاقتصاد، أيها الشعب العظيم.

د.محمد قاسم السلمان – باحث اقتصادي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية