الدرس البريطاني وآخر الاستفتاءات

هل سيكون استفتاء الخميس في بريطانيا الذي أسفر عن خروج المملكة من الاتحاد الأوروبي أحد آخر الاستشارات السياسية الشعبية في القارة الأوروبية؟
إن لم يكن كذلك، فعلى الأقل سيكون درسا قاسيا يفرض التعلم منه. ولعل الرئيس فرانسوا أولاند هو أحد أول من تلقوا الرسالة واستوعبوها، وعبّر عن ذلك من خلال رفضه الصريح لطلب زعيمة الجبهة القومية مارين لوبان إجراء استفتاء في فرنسا مثل الذي شهدته بريطانيا. لم يعِد أولاند ولم يسوِّف، بل قالها لا واحدة واضحة، خوفا من ان تتكرر صدمة بريطانيا.
لو كان رئيس الوزراء البريطاني يدرك أن الاستفتاء الأوروبي سيجلب عليه وعلى حزبه وبلاده كل هذا الوبال، لمَا تجرأ على التفكير فيه. اليوم بريطانيا خسرت انتماءها الأوروبي، وهي مهددة بفقدان اسكتلندا وآيرلندا الشمالية وصخرة جبل طارق. ناهيك عن تراجع مصداقيتها والغموض والمخاوف المالية والاقتصادية التي سترافقها في السنين القليلة المقبلة، وكذلك تراجع تصنيفها الدولي في مختلف المجالات.
لجأ كاميرون إلى الاستفتاء حتى يضمن ولاء المشككين في الاتحاد الأوروبي داخل حزبه، الذين يُسمَّون «يوروسبتيك» بعد أن تخوفوا من أن حزب الاستقلال البريطاني بدأ يأخذ من وعائهم الانتخابي. وكان يعتقد أنه بالاستفتاء يكسب أصوات وتعاطف بعضٍ من اليمين المتطرف ويسحب منه ورقة ضغط وابتزاز.
لكن رياح الصناديق أتت بعكس ما تمناه وخطط له كاميرون الذي استسهل قوة معسكر الانسحاب فحلت هذه المصيبة على يده وأدخلته التاريخ من باب ضيق مظلم.
وقع قادة بريطانيا ومؤسسة الحكم فيها في هذا المأزق لأن الديمقراطية المباشرة لم تعد آمنة ومضمونة كما كانت في السابق، مع تنامي تيارات اليمين المحافظ ونعرات التمرد على أنماط الحكم التقليدية في أغلب البلدان الأوروبية.
ما لا شك فيه أن كثيرين من منتسبي وقادة الأطياف السياسية في العالم الغربي يتمنون، على الأقل، إعادة النظر في عدد ـ وسهولة ـ الاستفتاءات الشعبية التي تلجأ إليها الحكومات في الغرب، وهي تدرك أن المجتمعات ـ في الغالب ـ غير جاهزة كما يجب للحسم بما يخدم مصالح هيئات الحكم والنفوذ الإقليمية كالاتحاد الأوروبي.
بحسب مقال نشرته مجلة الإكونومست البريطانية الشهر الماضي، أوروبا لم تشهد في سبعينيات القرن الماضي إلا معدل استفتاءين اثنين في السنة. لكنها اليوم تشهد معدل ثمانية استفتاءات في كل عام. آنذاك كان معدل نسب الإقبال لا ينزل عن السبعين في المئة. اليوم، بحسب التقرير ذاته، لا يزيد هذا المعدل عن ثلاثة وأربعين في المئة.
تتصدر سويسرا قائمة الدول التي تنظم استفتاءات متكررة، موضوعاتُ بعضها مثيرة للاستغراب مثل رفض أو تأييد رفع رواتب كبار مسؤولي الشركات والهيئات الحكومية. إيطاليا ستشهد في تشرين الأول (أكتوبر) المقبل استفتاء حول تعديلات دستورية.
رئيس الحكومة الهنغارية فكتور أوربن دعا إلى استفتاء حول قرار الاتحاد الأوروبي توزيع حصص اللاجئين على الدول الأعضاء.
في شهر نيسان (إبريل) الماضي شهدت الحكومة الهولندية استفتاء شعبيا حول اتفاق التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا، على الرغم من أن هولندا هي واحدة من أقل الدول الأوروبية تأثرا بالاتفاق، وشعبها أبعد ما يكون عن استيعاب الموضوع واتخاذ موقف منه.
رئيس الوزراء اليوناني ألكسيس تسيبراس دعا العام الماضي إلى استفتاء حول خطة الإنقاذ الأوروبية لبلاده خلال ثمانية أيام هي كلها مهلة التحضير المادي والسياسي والنفسي لشعبه.
صحيح أن من محاسن هذه الاستفتاءات إشراك الناس في اتخاذ القرارات بطريقة مباشرة، ودفعهم إلى تحمل المسؤولية والاهتمام بالممارسة السياسية، وإثارة فضولهم حولها. وهي أيضا تسهم في تثقيف الناس ورفع وعيهم كما يحدث مع السويسريين الذين في كل استفتاء يتم تزويدهم بكتيبات تشرح وتبسط الموضوع المطلوب منهم إبداء رأيهم فيه.
لكن في المقابل، هذه الاستفتاءات، وسرعة وسهولة اللجوء إليها، باتت تعبر عن أحد أوجه أزمة الديمقراطية في الغرب (بالتوازي مع الأزمة الاقتصادية)، إذ أصبحت الحكومات إما عاجزة عن الحسم بمفردها وعن طريق البرلمانات، أو تتهرب من اتخاذ القرارات الحاسمة والسياسات المثيرة للجدل محليا بإلقائها في حضن التصويت الشعبي وهي تدرك أن النتائج ليست دائما محمودة العواقب، كما حدث في استفتاء الخميس ببريطانيا.
غير أن الأخطر أن هذه الاسفتاءات أصبحت أداة سياسية محلية مزعجة تلجأ إليها الحكومات الأوروبية لابتزاز الاتحاد الأوروبي أو الضغط عليه أو التنصل من التزاماتها نحوه.
لهذا يجوز القول أن الحكومات والهيئات الرسمية تطعن في الاتحاد الأوروبي ككيان، وتسيء له قبل غيرها، ولا يجوز لها أن تلوم الشعوب. لا تفسير للاستفتاء حول حصص اللاجئين في هنغاريا سوى أنه يهدف لتخريب خطط الاتحاد. ولا تفسير للاستفتاء في هولندا حول اتفاقية التجارة الأوروبية مع أوكرانيا سوى أنه تعبير عن عدم ثقة في الجهة التي في بروكسل توصلت إلى الاتفاق.
نتيجة تصويت البريطانيين الخميس الماضي هي، ببساطة، تجسيد عملي لسنوات من العنف اللفظي مارسه رئيس الوزراء البريطاني وحلفاؤه المحافظون واليمينيون تجاه الاتحاد الأوروبي.
لقد صدق رئيس المفوضية الأوروبية جون كلود يانكر عندما انتقد كاميرون قائلا: «لا يمكن أن تلعن الاتحاد الأوروبي من الاثنين إلى السبت ثم تدافع عنه يوم الأحد.. لا أحد سيصدقك». استفتاء الخميس مثّل عودة إلى الماضي، وأصاب الجميع في مقتل: بريطانيا والاتحاد الأوروبي والديمقراطية وكاميرون وأجيال كاملة من البريطانيين.

٭ كاتب صحافي جزائري

الدرس البريطاني وآخر الاستفتاءات

توفيق رباحي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية