الدروز والمسيحيون ومفارقة الولاء

حجم الخط
1

الأموال التي جمعها الدروز في إسرائيل من اجل مساعدة ابناء الطائفة في منطقة السويداء جنوب غرب سوريا، وصلت اليهم. الزعيم الدرزي وحيد بلعوس الذي سارع لتقديم الشكر للمتبرعين، وعد بأنه سيشتري السلاح بهذه الاموال من اجل الدفاع عن «الجبل»، جبل الدروز الذي يتركز فيه معظم أبناء الطائفة. لكن في كلمات الشكر هذه لم ينس بلعوس القول إن «إسرائيل هي عدوة العرب، ومن هو عدو العرب فهو عدونا ايضا». يعتبر بلعوس قائد المليشيا الدرزية المجندة ضد هجوم المتمردين على منطقة السويداء، وعلى رأس التنظيم السني جبهة النصرة، التابعة للقاعدة، لكنه ليس الزعيم الوحيد وليس بالضرورة أن يكون مقبولا على أبناء الطائفة الدرزية في السويداء.
هذه الطائفة منقسمة فيما بينها، وهناك من يؤيد نظام الأسد وهناك مجموعات أخرى مثل التي يتزعمها بلعوس تتهم الأسد بخيانة الدروز، ورفض تسليحهم بالسلاح الثقيل. لكن بشار الاسد الذي حاول خلال فترة حكمه تقريب الدروز والمسيحيين لكي يشكلوا حزام تأييد ودعم للأقلية العلوية التي تسيطر على الأغلبية السنية، تعامل مع الدروز مثل جالية مشبوهة، بسبب المواجهات والصدامات بينهم وبين القبائل البدوية في عام 2000 حين أرسل قوات الجيش للحفاظ على الهدوء.
تبنى الأسد طريقة أديب الشيشكلي، رئيس سوريا في السنوات 1953 و1954، الذي أعلن «أعدائي مثل الثعبان، رأسه في جبل الدروز وبطنه في حمص وذيله في حلب. واذا قطعت الرأس يموت الثعبان». الشيشكلي حاول تنفيذ تهديده عندما أرسل قوات عسكرية كبيرة إلى جبل الدروز وقصف القرى الدرزية بلا هوادة.
مع اندلاع التمرد في سوريا في 2011، خيب الدروز أمل الاسد عندما امتنعوا عن اعلان تأييدهم الغير مشروط، وهم من جانبهم احتجوا على الضعف الذي أبداه الجيش أمام المتمردين في درعا، حيث كانت عمليات اختطاف لدروز في السويداء. وفي الاسابيع الاخيرة حدث شرخ بين الدروز وبين الاسد، بعد أن رفض الدروز السماح لأبنائهم بالتجند للجيش السوري ومحاربة المتمردين. الدروز يعللون رفضهم بأن الاسد كذب عليهم قبل عدة اشهر حين وعد أن الجنود الدروز سيحاربون فقط في المنطقة الدرزية، وعدم الحاقهم بوحدات اخرى. وفيما بعد تبين لهم أن الجنود الدروز يرسلون إلى جبهات اخرى. ومع ذلك، فان الغضب الدرزي على الاسد لا يمنع أجزاء كبيرة من الطائفة في سوريا من الاعلان عن ولائها للنظام، لا سيما عندما يكون التهديد هو أن تسيطر مليشيات راديكالية مثل جبهة النصرة، القوى البدوية التي تحارب إلى جانبه، تنظيم «جيش النصر»، على سوريا، وتسعى إلى تصفية الحساب مع من أيد الاسد.
ولكن الخلاف بين تأييد الاسد وبين التخلي عنه ليس الوحيد الذي يقسم الجالية الدرزية في سوريا، والمكونة من 400 الف شخص من اصل حوالي مليون ونصف درزي بجميع انحاء العالم. والمواجهة العنيفة التي حدثت قبل عشرة ايام في منطقة قلب اللوزة في مدينة ادلب، بين قوات جبهة النصرة وبين الدروز سكان جبل السماق، والتي قتل فيها 23 درزي، وهذا يعطي اضاءة جديدة على الاشكالية التي يعيش فيها الدروز. ونشأت المواجهات على خلفية طلب أحد نشطاء جبهة النصرة من شخص درزي ترك ارضه واملاكه بحجة أنه يخدم في الجيش السوري، كان هذا اخلالا بالاتفاقية الموقعة بين الدروز في جبل السماق وبين جبهة النصرة التي احتلت مدينة ادلب في بداية العام.
حسب هذه الاتفاقية «وافق» الدروز على تبني الإسلام السني والتخلي عن الدرزية، وطبقوا الشريعة الإسلامية في القرى، ومن يعارض هذا الاتفاق يحاكم محاكمة شرعية. مقابل ذلك كان من المفترض ان يحصل الدروز على حماية وان يكونوا جزء لا يتجزأ من السكان الموالين لجبهة النصرة، وبعد المواجهة بوقت قصير قدمت قيادة جبهة النصرة اعتذارا
عن الحادثة، وقالت ان من بادروا لذلك فعلوا عكس موقف القيادة التي تعهدت بمنع هكذا اعمال والدفاع عن الدروز.
المفارقة هي انه في الوقت الذي يحظى فيه الدروز بحماية جبهة النصرة في ادلب، فان الدروز في الجبل يرون بميليشيا جبهة النصرة عدوا يجب محاربته، ولكن الحرب ضد النصرة في الجبل من شأنها ان تهدد حياة الدروز في ادلب. من هنا جاء حديث دروز في سوريا حول امكانية ان تتدخل إسرائيل لمصلحتهم في الحرب ـ عندما لا يكون معروفا مستقبل النظام، وجزء من ابناء الطائفة خاضع لرعاية جبهة النصرة، فان التدخل الإسرائيلي لن يهدد فقط الدروز في منطقة ادلب، بل سيدفعون الثمن بعد الحرب ويقوم في سوريا نظام سني راديكالي، هذا التخوف لم يأتِ من فراغ وعلى ضوء التقارير حول طرد مواطنين عرب من قبل القوات الكردية في منطقة الحسكة شمال الدولة، واذا تصرف الاكراد هكذا، فلماذا لا تتصرف المليشيات الإسلامية بنفس الطريقة ضد الدروز.
ليس فقط الدروز وحدهم يعيشون مفارقة الولاء. فالمسيحيون في سوريا ايضا حصلوا على الرعاية والحماية من السلطة خلال عشرات السنين. وقد أكد رؤساء الكنائس في سوريا خلال السنوات الاربع الماضية على ولائهم للسلطة، أو على الأقل لم يخرجوا ضدها. وفي السنوات الاولى للحرب اتهم المتمردون المسيحيين بالتعاون مع النظام واعتبروهم خونة وبدون عمود فقري، وتم تدمير ممتلكاتهم وكنائسهم بشكل منهجي. وبخلاف الدروز لا توجد للمسيحيين مليشيات خاصة، رغم أن الاسد سمح لهم اقامة لجان دفاع شعبية للحفاظ على ممتلكاتهم، إلا أنهم لا يستطيعون مواجهة مليشيات المتمردين.
على شكل أفراد انضم شباب مسيحيون لمليشيات علمانية، لكن هناك شباب مسيحيون انضموا للكتيبة المسيحية التي اقامها حزب الله. الخيار الافضل بالنسبة لهم هو الهرب إلى لبنان وتركيا أو الهجرة إلى الدول الاوروبية. أما الدروز فهم يعتبرون جبل الدروز نقطة من النقاط الجغرافية الهامة التي تخلق شعور «الدفاع عن الوطن». المسيحيون ليس لهم نقطة جغرافية خاصة في سوريا، وباستثناء لبنان لا توجد جالية مسيحية شرق اوسطية يمكنها أن تشكل ملجأ طبيعيا لهم.
في لبنان ايضا يجدون صعوبة في العيش بسبب غلاء المعيشة مقارنة مع سوريا، ونتيجة لذلك قرر اللاجئون المسيحيون ترك لبنان والذهاب إلى مدينة طرطوس السورية التي ما زالت منطقة محمية. مثل الدروز في جبل السماق والمسيحيين في مدينة الرقة، عاصمة تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا، اضطروا إلى التوقيع على «اتفاق حماية»، هذه المرة مع قيادة داعش. وفي شباط 2014 تم توقيع اتفاق يشمل 12 بندا حيث تضمن منع المسيحيين من بناء الكنائس، أو إسماع صلواتهم للمسلمين، وتم فرض ضريبة الجزية عليهم على اعتبار أنهم مواطنون تحت الحماية.
في المقابل سيحظون بالحماية طالما أنهم يعيشون حياة متواضعة ويستمعون لأوامر قيادة داعش. المسيحيون مثل اليهود هم «أهل الكتاب»، لذلك يستطيعون أن ينعموا بحماية النظام الإسلامي. في المقابل الدروز يعتبرون كفار ويجب القضاء عليهم. لكن هذا التقسيم لم يمنع داعش وجبهة النصرة من قتل المسيحيين في سوريا والعراق. ويبدو أن هذا لن يكون عائقا أمام التعاون بين الدروز المليشيات الإسلامية اذا تطلبت المصلحة ذلك.

تسفي برئيل
هآرتس 21/6/2015

صحف عبرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية