الدعوة إلى التفاوض الجاد بين الأطراف المعنية

حجم الخط
0

حرب اخرى تشتعل في المنطقة، بقرار من داخلها، ودمار يستعصي على الاحصاء، ليس في المنشآت والممتلكات فحسب بل في البشر والوشائج والكيانات الدينية والسياسية. هل كانت الحرب على اليمن ضرورة؟ ألم يمكن منع حدوثها؟ ألم يكن بالامكان التفاوض الجاد بين الاطراف المعنية قبل حدوثها. ربما لم يكن أي من ذلك ممكنا، ولكن ماذا لو لم تحدث الحرب؟
هل ستتغير خريطة الولاءات والتوازنات السياسية بشكل يؤثر على مصالح الامة حقا؟ من الذي يحرض على الحروب؟ وبالتحديد ما دور قوى الثورة المضادة في اذكائها؟ ما موقف الكيان الاسرائيلي منها؟ وما شعور شركات السلاح الغربية ازاءها. البعض يتساءل ايضا: أهي استحقاق آخر للربيع العربي الذي كان من اخطر ما جرى في العقود الاخيرة في العالم العربي؟ ذاكرة الشعوب قصيرة، كما يقال، ولذلك يمكن السيطرة عليها وتوجيهها. فكيف تحولت مشاعر قطاعات الامة وولاءاتها واصطفافاتها خلال العقد الاخير من الزمن؟ في العام 2006 حدثت الحرب بين «اسرائيل» وحزب الله، وحين فشل الكيان الاسرائيلي في تحقيق «النصر» الذي كان يبحث عنه، عمت الفرحة والآمال كافة قطاعات الامة. وفي ما عدا بعض الحكومات العربية فقد تفاعلت الامة ممثلة بانظمتها وشعوبها ايجابا مع ما اعتبر يومها اول انتصار عربي إسلامي في المواجهة الدائمة مع نظام الاحتلال الاسرائيلي. يومها كان الاحتلال الاسرائيلي يمثل العدو الاول والتحدي الاكبر للعرب والمسلمين. وعندما تكرر الامر بعد ثلاثين شهرا، واستطاعت المقاومة الفلسطينية خصوصا منظمتي حماس والجهاد الإسلامي افشال العدوان الاسرائيلي على غزة، تكررت مشاعر شعوب أمتنا بالفرحة وارتفاع المعنويات واستعادة الثقة بالنفس التي غابت ستين عاما.
وتكرست تلك المشاعر مرة اخرى حين اندلعت ثورات الربيع العربي، فقد شعرت الشعوب ان بامكانها التماسك والصمود بوجه الاستبداد، والقدرة على استعادة السيطرة على البلدان، ولو بصورة مؤقتة. يومها كانت الرغبة في التحرر والانعتاق من الظلم والاستبداد عنصرا مشتركا بين ابناء الامة. وتعمق الشعور بالقدرة على الانجاز وتحقيق النصر في حروب التحرير بعد العدوان الاسرائيلي الاخير على غزة في الصيف الماضي. ولم يكن في حسبان القوى الشعبية، سواء التي قاومت العدوان الاسرائيلي ام التي صمدت امام اجهرة القمع الرسمية ان تتغير الخريطة وتنقلب تماما، فتدخل الامة في صراع مع نفسها، وتطرح مقولات خطيرة تعمق الانقسام والفرقة ويرفضها أئمة المسلمين الذين تنتمي اليهم مذاهبهم كافة.
أهي صدفة ان تنقلب الامة على نفسها في فترة قصيرة، فتدخل مرحلة التآكل الداخلي كما هي عليه اليوم؟ الامة التي توحدت اولا في ظل رسالة محمد بن عبد الله عليه افضل الصلاة والسلام ورفض الجاهلية ثم على مقاومة الاحتلال ومقارعة الديكتاتورية، كيف تحولت إلى فرق متناحرة يأكل بعضها لحم بعض؟ الشعوب الوديعة التي ثارت ضد حكامها باساليب سلمية نظيفة، هل هي الشعوب نفسها التي باتت اليوم متباغضة، متحاقدة، متقاتلة وفق خطوط التمايز الديني او المذهبي؟ الشعوب التي كانت تتطلع يوما لتحرير اراضيها من الاحتلال والاستبداد، وتتمنى وحدة كلمتها لتحرير فلسطين والتصدي للتهديد المتواصل للمسجد الاقصى والعمل الحثيث لتهويد القدس، اهي نفسها التي تصفق اليوم للتناحر البيني في اكثر بلدان العرب قوة واعمقها حضارة، واكثرها ثروة؟ ما الذي طرأ على هذه الامة لتصبح متلذذة بالتناحر والاقتتال والتكفير والتطرف والاحتراب؟
لقد انقسمت الامة على محاور شتى. ففي المجتمع الواحد ثمة انشطار على اساس الموقف إزاء المجموعات التي تمارس القتل بدون حدود. وهناك انشطار على مستوى الانتماء الديني، فاذا بالمسيحيين يذبحون وتهدم كنائسهم. وثمة تمزق على صعيد الدين الواحد، فاذا بالطائفية تصبح سيدة الموقف ويتم التشطير وفق الانتماء المذهبي. فهذا سني وهذا شيعي وهذا أباضي وهذا زيدي.
ثمة اسباب سياسية وعقدية تطرح لتفسير هذه الظواهر، ولكن كيف يمكن تفسير التعايش السلمي والمتحضر في بلد مثل سلطنة عمان التي استطاعت قيادتها منع وصول رياح التشطير والفتنة إلى ديارها، فاذا الامام الاباضي يؤم الصلاة بكافة الفصائل المذهبية في المجتمع، بدون غلو او تطرف او غل او حقد؟ أليس بامكان حكام عمان اثارة الفتنة المذهبية كغيرهم لو ارادوا؟ هذا الموقف تكرر اخيرا في موقف السلطنة الرافض للمشاركة في الحرب ضد اليمن برغم ضغوط قوى الثورة المضادة التي ترى ان الامتناع عن دعم الحرب موقف سياسي معاد لها. والواضح انه في مقابل القوى المتحمسة للحروب، مثل امريكا وبريطانيا فان الاتحاد الاوروبي يتبنى سياسات معارضة لنشوب الحروب. وكان هذا الموقف واضحا في تصريح مسؤولة العلاقات الخارجية، السيدة فيديريكا موجيريني إن «الأحداث الأخيرة في اليمن أدت إلى تفاقم الوضع الهش أصلا بشكل خطير في البلاد، وقد تكون لها تداعيات إقليمية خطيرة».
وأضافت «إنني مقتنعة بأن العمل العسكري ليس حلا». ودعا الاتحاد الأوروبي كل «الجهات الفاعلة الإقليمية» إلى «التحرك بطريقة مسؤولة وبناءة من أجل توفير الظروف (الملائمة) للعودة إلى المفاوضات». كما ان موقف روسيا هو الآخر غير داعم للحرب، وقد حرك بعض قطعه البحرية باتجاه باب المندب تعبيرا عن رفضه تدخل القوى الاخرى التي بعثت اساطيلها وطائراتها إلى المنطقة لضرب اليمن. ولم يتردد الامين العام للامم المتحدة، بان كي مون، في الدعوة لوقف اطلاق النار فورا. ولا شك ان غياب الشرعية الدولية عن الحرب يضعفها كثيرا، ويلقي بسحب من الشك على شرعيتها. كما ان انقسام الموقف الغربي بين داعم ومعارض للحرب أزعج السعودية التي كانت تأمل في الحصول على دعم دولي وعربي واسع. وحتى على الصعيد العربي فقد رفضت دول عربية عديدة المشاركة فيها. وبالاضافة لسلطنة عمان هناك رفض للحرب من قبل العراق وسوريا ولبنان وتونس والجزائر وموريتانيا. وفي غياب الاجماع العربي يتوقع توسع دائرة المعارضة لاستمرار الحرب التي ادت حتى الآن لدمار بشري ومدني كبيرين، واصبحت مشاهد الضحايا الابرياء وهم تحت الركام تعيد إلى الاذهان ما حدث في غزة قبل ثمانية شهور عندما شنت قوات الاحتلال الاسرائيلية عدوانها الذي احدث دمارا هائلا وحرك الضمير العالمي للضغط على الساسة لوقف الحرب قبل ان يحقق نتنياهو هدفه الرئيسي المتمثل بالغاء حماس من الخريطة السياسية. والواضح ان قرار الحرب اتخذ منذ فترة، ولذلك قامت الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون بنقل سفاراتها من عدن. وبرغم غياب قرار من مجلس الامن الدولي باقرار الحرب، اعلنت الولايات المتحدة دعمها لها. اما بريطانيا فبالاضافة لدعم الحرب، فقد كان وزير دفاعها، مايكل فالون، متواجدا في الرياض قبل اندلاع الحرب. واكدت كل من امريكا وبريطانيا تقديمهما الدعم اللوجستي والاستخباراتي للقوات المشاركة في العمليات.
ولا يمكن استيعاب تداعيات الوضع في اليمن بانفصال عما حدث لثورتها قبل اربعة اعوام. يومها عملت قوى الثورة المضادة لمنع سقوط النظام كاملا واكتفى بازاحة علي عبد الله صالح من الحكم. وفرضت على اليمن المبادرة الخليجية التي لم تؤد الا إلى المزيد من الاحتقان في صفوف الجماهير الثائرة. كما تم الاجهاز على الثورات الاخرى، ابتداء بالتدخل العسكري السعودي ضد ثورة البحرين، مرورا بافشال الثورات الاخرى  في سوريا وليبيا وتونس، وصولا للانقلاب العسكري ضد حكم الاخوان المنتخب في مصر. ولكي يتم تمرير ذلك الانقلاب البشع على تطلعات الشعوب وتطلعاتها، استخدمت كافة الاساليب الهادفة لحرف تفكير الشعوب، بعيدا عن الثورة والتغيير. وفي الوقت نفسه تم تغييب القضية الفلسطينية عن الوعي العربي تدريجيا، فتراجع الاهتمام بها كثيرا. فالاعلام يستطيع ترويج قضية ما وطمس اخرى. كما ان تركيز الساسة على القضايا يؤدي لتعبئة الامكانات المتاحة لدى الدول، ومن بينها الاعلام، لترويج تلك القضايا. وتطرح الازمة اليمنية اليوم ضمن المشروع الطائفي الذي كان الاكثر اثارة وصرفا للاذهان عن قضايا الامة الجوهرية. فقضايا مثل تحرير البلدان من الاحتلال او الهيمنة الاجنبية، وقضايا الحريات العامة، ومبدأ منح الشعوب حقها في تقرير مصيرها واختيار انظمتها السياسية، كلها قضايا جوهرية كانت اثارتها جديرة بتحريك ملفاتها وتركيز التوجه الفكري لدى الجماهير نحو فلسطين وقضيتها. وفي غياب القوى التي يهمها ذلك الامر شعرت قوى الثورة المضادة بامكانها تغيير اولويات الشعوب وصرف انظارها عما هو اساسي وجوهري خصوصا التحرر من الاحتلال والاستبداد معا.
اليوم تدور رحى الحرب التي استهدف اليمن بها، وهي حرب مكلفة جدا، خصص السعوديون لها عشرات المليارات. ويكفي الاشارة إلى ان «عاصفة الصحراء»  التي شنها الغربيون في 1991 لـ «تحرير الكويت» كلفت الخزينة السعودية 670 مليارا. هذه المرة تملك السعودية في خزينتها اكثر من 700 مليار دولار من المؤكد انها ستتآكل تدريجيا خصوصا ان اليمنيين مصممون على الدفاع عن انفسهم وبلدهم مهما كلف الامر.

٭ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن

د. سعيد الشهابي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية