■ قد تتعدد الآراء وتتضارب حول المسار التفكيكي التاريخي المدمر لجغرافية بلدان المشرق العربي، وحول تنامي الخطاب الهوياتي فيه، لكن تلك الآراء تجمع، في غالبيتها إن لم يكن كلها، على صحة هذا التشخيص، وإن اختلف أصحابها في الخلفيات والمرجعيات والأسس التي ينطلقون منها في التحليل والاستنتاج، فضلا عن الأساليب والطرق المنتهجة في هذا السبيل، وقد يقول البعض إن سلوكا من هذا النوع لطالما شكل الملمح الرئيسي للتفكير الانساني عموما وعندما تشتد وطأة الأزمات على وجه الخصوص، وهذا أمر طبيعي، لكن الغرابة تكمن في أن يتحول هذا المنهج إلى آلية ذاتية لها مقوماتها الخاصة التي تفعل فعلها في الموضوع المراد تحليله واجتراح الحلول المناسبة له، فيصبح بذاته معول هدم وأداة لتكريس الحالة وليس للخروج منها مبتعدا، بذلك، عن أصوله وعن منطلقاته، فضلا عن غاياته.
يدق ناقوس خطر الانقسام والتفتيت القائمين على أسس مذهبية وطائفية وعرقية بمناسبة وفي غير مناسبة، ويعلو صوت التنديد بمؤامرة مقبلة على جناح الغريب، تحملها أمواج تلوح من وراء أعالي بحار هادرة، لا تبشر بخير لحاضر ومستقبل سكان منطقة لم تخمد نيران الصراعات فيها على مر التاريخ، لا لشيء إلا لأن كل نعمة فيها أصبحت نقمة، نعم ثلاثة، مهد الديانات السماوية، مهد الجغرافيات الحيوية، مهد الثروات الطبيعية، أعيد على أساسها تكوين الجغرافيا السياسية للمنطقة مرات ومرات، ودائما وفق منظور ذلك الغريب ، الذي أصبحت دول المشرق العربي وقواه السياسية مجرد أدوات تتبنى روايته العتيقة وتتماهى مع رواياته الحديثة، في ظل غياب مشروعها الخاص، أو ربما لأنها لم تخرج يوما من تحت عباءته، ولم تخض في تاريخها المعاصر إلا حروبه وصراعاته هو، وتحت شعاراته هو، منذ حركة الاستقلال عن التاج العثماني إلى الحرب الحالية على ما يسمى بالإرهاب، صنيعة الذات الغريبة عينه.
بغض النظر عما إذا كان المسار التفكيكي للمنطقة مقدمة أم نتيجة لمسارات غريبة أخرى تتماهى مع حمى النزعات الهوياتية لمكوناتها السكانية، وتغذيها وفق أجنداتها الخاصة، وهذا أمر طبيعي أيضا، تبقى البنية الفوقية فيها هي المتحكمة، وبصورة مطلقة، باتجاهات رياح التغييرات الجغرافية والديموغرافية ذات المنشأ الفئوي، بينما يغيب الانسان الفرد العادي عن المشهد كله، ليس بالمعنى الفيزيائي، ولكن من خلال كي وعيه الانساني الجمعي وحشره في دائرة لهيب تلك الحمى الفتاكة، التي تقرض منتجه الحضاري المتراكم عبر السنين وترده إلى مواقع بدئية وكأن المنجز الحضاري الانساني في فضاء العولمة لا يعنيه بشيء.
الخشية تكمن في أن تشكل حمى النزعات الهوياتية الضيقة، التي تجتاح المشرق العربي، مساهمة هذه المنطقة من العالم في النقاش العام الدائر حول العنوان العريض لهذه الحقبة الحساسة من عمر الانسانية: صدام حضارات أم حوار حضارات؟ وما يعزز هذا التخوف يمكن تلمس ملامح رئيسية منه ضمن السياق الاجتماعي السياسي العام الذي تدور في فلكه حراكات أخرى تنطوي على نزعات مماثلة يعكسها مزاج الناخب الغربي ووصول قوى وأحزاب اليمين واليمين المتطرف إلى مراكز صنع القرار، في بلدان يفترض أنها تحتل موقع الريادة في التجارب الديمقراطية، وما تعنيه هذه التجارب على مستوى التعايش بين مكونات المجتمع الواحد بغض النظر عن انتماءاتها العرقية أو الدينية أو المذهبية.
تلك الخشية باتت تتمظهر في معادلة تقول، إن ما يهم الآن هو ليس ما يوحدنا كبشر، بل الدفاع عن اختلافنا، ما يحيل المسألة برمتها إلى أطروحة صموئيل هنتنغتون حول صدام الحضارات، ذلك الصدام الذي يبدو أنه تحول إلى ثابت في الوعي العميق للفرد والمجتمع على حد سواء، إلى درجة لم تعد معها مقولة «الدفاع عن خلافنا» مجرد وسيلة لاظهار التمايز الحضاري للبشر، وإنما محور للتعبئة والاستقطاب في المواجهة الانتحارية مع الآخر، إن لم يكن المحور الوحيد، الذي يجب أن تدق نواقيس الخطر بسببه، في محاولة لا غنى عنها لدرء تبعات التهديد الحقيقي، الذي يهدد العالم والمتمثل بصعود نجم ذلك الخطاب الشوفيني والعنصري الكاسح، الذي لا يمثل بدوره سوى ذريعة يراد منها خلط الأوراق وحرف أنظار العالم عن الدوافع الحقيقية الكامنة وراء إشعال نار الكراهية بين مختلف شعوب الأرض وبين مكونات الشعب الواحد.
في هذا السياق، لم يعد من الممكن التغافل عن محاولة هنتنغتون باتجاه تفسير مجموع الأزمات الحضارية المستعصية التي يواجهها العالم، بما في ذلك المشرق العربي، بتأكيده على أن الغرب كان على خطأ عندما آمن بإمكانية بناء الجسور بين الثقافات المختلفة، التي لا تحدها حدود. صحيح أنه لا يقول ذلك صراحة، لكنه بالتأكيد يعتقد أن خطأ حضارتنا يكمن في أنها لم تر نفسها بوصفها ثقافة أخرى، ثقافة المستقبل، تلك الثقافة الوحيدة التي عرفت كيف تدمج قيم التحرر والتنوير، مثلما أقرت بالعلم بوصفه الحقيقة الرسمية الوحيدة، وما ترتب على ذلك في ميدان خصخصة الدين، ثقافة لديها القدرة على تقديم وصفة للعالم، ولما سيكون عليه بقية البشر في سياق عملية ترشيده ووضعه على سكة الحضارة الانسانية الجامعة وقيمها الشاملة، التي يجب أن تشكل قيما حضارية يحتذي بها الآخرون.
لكن تفنيد أطروحة هنتنغتون وذلك الجيل من المحافظين الجدد الذين اجتاحت مقولاتهم العالم، ولا سيما مقولة «إن لم تكن صديقي، فأنت عدوي»، التي رفع رايتها الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن، قبل ان تتلقفها الأطراف المحيطة بالمركز الاحتكاري العالمي، لا يحتمل ترف انتظار المركز الغربي حتى يفكك مقولات فتاكة من هذا النوع، ما يضع على كاهل دول ما يسمى بالعالم الثالث والقوى السياسية وقوى المجتمع المدني الحية فيه مسؤولية تاريخية، تتمثل في تفكيك ركائز هذا الخطاب العنصري في ظاهره، من خلال ابراز قيم التعايش السلمي ونبذ الصراعات واعتماد الحوار لا الصدام في سبيل تجاوز مطباتها بعيدا عن الأحكام المسبقة والنزعات الفئوية الضيقة، التي لن يمضي وقت طويل حتى يدرك مشعلوها» المحليين» بأنهم لم يكونوا سوى أدوات في عملية تفكيك ذواتهم والذات الإنسانية عموما، وبأنهم كانوا مجرد ألعوبة في أيدي من أقنعوهم بفتح جبهة «الدفاع عن اختلافــنا»، التي تدور رحاها في أروقة ليست معنية لا من قريب ولا من بعيد بتحقيق أي من تلك الذوات الفئوية، لا بل إنها تقدم أفرادها قرابين على مذبح مصالح مادية عادية يبدل المستفيدون منها استراتيجياتهم وتكتيكاتهم بسهولة تبديل أحذيتهم.
٭ كاتب فلسطيني
باسل أبو حمدة