الدكتورة نايلة السليني: لا بد من التصالح مع نصّنا الديني واستفحال الأمية في العالم العربي أدى إلى انتشار الإرهاب

حجم الخط
3

تونس – «القدس العربي»: الحديث مع الدكتورة نايلة السليني استاذة الحضارة الإسلامية في الجامعة التونسية والولوج إلى أعماق فكرها وتجربتها البحثية ليس بالأمر السهل. فهي من أبرز المناضلات التونسيات في مجال حقوق المرأة وهي من المدافعات الشرسات عن حق النساء في العمل. فالمرأة «هي الشعوب» على حد قولها.
ومحدثتـــــنا لها عديد المؤلفات في الحضارة الإسلامــــية قدمت فيها رؤية تجــــديدية للمسائل الدينية،ولطالمــــــا أثارت الجــــدل بأفكارها ودخلت في مناظرات فكرية مع عدد من المفكرين التونسيين والعرب سواء المؤيدين لتوجهها الفكري أو المخالفين له.
وتعتبر السليني في حديثها لـ «القدس العربي» أن ظاهرة الإرهاب المنتشرة في العالم العربي تعود إلى استفحال الأميّة في مجتمعاتنا، فضلا عن انتشار الفقر والبطالة. فهذه الأسباب في رأيها لا يمكن إلا أن تنتج تيارا متطرّفا.
كما تطرقت وبكل جرأة وصراحة وموضوعية، إلى عــــدد من المسائل التي لا تزال تثير الجدل، فهي ترى أن الفتاوى التي تلقى صدى في المجتمعات العربية هي نتاج لمقاومة كلّ نزعة تنحو إلى إعتــــبار الفرد المســــلم إنسانا مســـتقلاّ بذاته ومسؤولا عن اختياره.
○ بداية إلى أي مدى نحتاج اليوم إلى تجديد الفكر الديني؟
• تعيش المجتمعات العربية فترة حيرة وقلق، فقد أدركت أنّ مقتضياتها الراهنة تنتظر قوانين أقرب إلى روح العصر المنخرط في نظام العولمة، وأحست أنّها تخلّفت فعلا إن لم نقل أنّها جلست على الربوة. ولعلّ السبب في ذلك يعود أصلا إلى المنزلق الخطير الذي وقع فيه أوائل المسلمين في تعاملهم مع النصّ القرآني، فتوهّموا أنّهم استنبطوا منه الأحكام، ولكنّهم في الحقيقة استنبطوها ممّا فهموه من معاني وسلّطوها على المعنى القرآني، فبدأ الإنزياح يعظم شيئا فشيئا عبر العصور وقامت مؤلّفات الفقه بجميع اتجاهاتها لتعوّض النصّ القرآني فصارت بمثابة الحجاب الذي أخفى هذا النصّ عنّا.
وإن قلنا، نحن في أمسّ الحاجة إلى تجديد في الفكر الديني فلأنّ التبريرات الفقهية اليوم صارت الأشدّ حضورا، وخاصّة أنّها تبريرات ينهض بها دعاة ومفتون، جاهلون بالنص القرآني في معانيه ومقاصده. واللافت أنّ هذه الفتاوى لاقت صدى في جميع المجتمعات العربية، حتى التي كنّا نعتبرها حداثية، وإذا تأمّلنا فيها ندرك أنّها نتاج لمقاومة كلّ نزعة تنحو إلى اعتبار الفرد المسلم إنسانا مستقلاّ بذاته ومسؤولا عن اختياره. قامت هذه النزعة أيضا كردّ فعل على ما عاشته بعض البلدان العربية من تحوّلات سياسية انعكست على الحياة الاجتماعية، وعلى صياغات جديدة للدساتير، فكانت اللهفة في إدخالنا إلى الخيمة من جديد، وهذه الخيمة ليست سوى بيت الطاعة، وذلك بالمناداة بدسترة الشريعة باعتبارها أصلا في القوانين المنظمة لمجتمعات تعيش في القرن الواحد والعشرين. لذا كان لزاما على المثقفين في العالم العربي أن يقفوا ليعلنوا عن تصحيح المسار في فهم الدين وفي علاقة المسلم المعاصر مع نصه المقدس وتأسيس سلطة النصّ، وهو منهج يغاير مناهج القدامى القائمة على النقل وسلطة الرجال.
○ كيف تفسرين انتشار الإرهاب والتطرف في عالمنا العربي؟
• ببساطة لا يمكن إرجاع انتشار هذه الظاهرة سوى إلى استفحال الأميّة في المجتمعات العربية، فلا ننسى أنّ غالبية النساء أمّيات، هذا من ناحية ومن ناحية ثانية انتشار الفقر والبطالة، وباجتماع هذه الأسباب لا يمكن ان ننتج سوى تيار متطرّف، يرتمي في أحضان الإيمان الأعمى ولا يدين سوى بسلطة الشيخ المعلّم الذي يملأ بطنه أكلا ويكسو جسده ثوبا ويخدّر عقله بمسلّمات يسهل بعدها توظيفه آلة لضرب العدوّ حتى وإن كان «أخا» له في الإسلام وتلك هي مقوّمات «أولياء الأمر». لذلك فأنت تدرك في سهولة أنّ هؤلاء المتطرّفين ينزعجون إذا حاورناهم، وتجدهم يتباهون بذبح الرؤوس وقطعها، لأنّهم يتوهمون أنّهم في عملهم هذا إنّما يسترضون وليّ أمرهم وفي استرضائه ضمان لحسن المآل وغنم لصكّ الجنّة. وأنبّه إلى أنّه مادامت هذه الأسباب حاضرة فإنّنا تحت وطأة هذه الظاهرة باقون، فالعقل مستقيل. وأنبّه أيضا إلى أنّ من بيدهم المشيخة الآن يمتلكون من المال والنفوذ الاقتصادي ما يؤهلّهم إلى أن يدخلوا البيوت ويحاوروا الأذهان البسيطة، وذلك على وجه الخصوص عن طريق امتلاك قنوات اعتبرت دينية ولكنّها في الأصل تحريضية حتى تجعل المسلم مواليا لا غير.
○ لماذا تعتبرين أن هناك ضرورة ملحة لإعادة النظر في نظام الميراث؟
• ببساطة لأنّ وضع المرأة في المجتمعات العربية اليوم يقتضي مراجعة، ثمّ هي مراجعة لا تقوم على أساس التنازل بقدر ماهي استرجاع لحق استلِب من المرأة طيلة 15 قرنا وحان الوقت لأن تسترجعه. فالحساسية المبالغ فيها من اعتبار المساواة في المواريث هدرا لكلمة الله أمر لا أساس له من الصحّة، وما حصل طيلة هذه القرون إنّما هو الهدر ذاته لكلمة الله، فالله سبحانه وتعالى نبّه في شدّة إلى اعتبار الوصية هي الأصل في المواريث. وتلك هي المقاصد التي تقوم عليها دعوتنا إلى وجوب التجديد في الفكر الديني. لأنّها دعوة توقفنا على حقيقة صادمة، وألخّصها في السؤال التالي: من فارق كلمة الله نحن أم هم؟ ألم يتعبدّوا بما قاله فقهاؤهم؟ أمّا نحن فإننا نتعبّد بما قاله الله؟
○ لك الكثير من الكتابات حول مسألة الحجاب هل توضحين لنا وجهة نظرك في هذا الاطار؟
• أنت تطلبين منّي مقاربة تطبيقية لكيفية التجديد في الفكر الديني، لا بأس لكن في اختصار شديد لأنّ الحجاب، وخاصّة هذه السنوات صار مسألة حسّاسة وانتشر في المجتمعات الإسلامية انتشار النار في الهشيم. وكادت المرأة تعرف تقواها بحجابها، والسؤال بأيّ وسيلة نقارب آيات الحجاب؟
فإذا سألنا النصّ القرآني فإنّه يجيبنا بأنّ هناك ثلاث آيات نزلت فيه: «وقل للمؤمنات يغضُضن من أبصارهنّ ويحفظن فروجهنّ ولا يبدين زينتهنّ إلاّ ما ظهر منها وليضربن بخمرهنّ على جيوبهنّ ولا يبدين زينتهنّ إلاّ لبعولتهنّ أو آبائهنّ أو آباء بعولتهنّ أو أبنائهنّ أو أبناء بعولتهنّ أو إخوانهنّ أو بني إخوانهنّ أو بني أخواتهنّ أو نسائهنّ أو ما ملكت أيمانهنّ أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهنّ وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلّكم تفلحون» النور 24/ 31.
«والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهنّ جناح أن يضعن ثيابهنّ غير متبرّجات بزينة وأن يستعففن خير لهنّ والله سميع عليم». النور 24/60.
«يا أيها النبيّ قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهنّ من جلابيبهنّ ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذَينَ وكان الله غفورا رحيما» الأحزاب 33/ 59.
وحتى نفهم هذه الآيات يجب أن نضعها في سياقها الدلالي مع غيرها من الآيات، فندرك أنّها اندرجت في سياق النهي عن اتباع الشيطان والدعوة إلى التحابب وفي سياق التحذير من إيذاء المرأة والتذكير بأنّ الطيب للطيبة.
وإذا تأمّلنا الآية 31 في سورة النور فإنّنا نقف على أنّها آية تراوح بين التضييق والتوسيع: ولا يبدين زينتهنّ إلاّ ما ظهر منها .. وأنّها آية رفعت الحرج عن الأزواج والآباء والأحماء والأبناء وأبناء الأزواج والإخوة وأبناؤهم، ورفعت الحرج عن نسائهنّ وما ملكت أيمانهنّ والتابعين من غير أولي الإربة والطفل.
أسئلة كثيرة تطرحها هذه الآية وتقتضي منّا النظر: هل نتعامل مع من رفع عنهم القرآن الحرج على سبيل الذكر أم الحصر؟ وعندئذ لماذا لم تذكر الآية العمّ والخال؟ ثمّ ما هو المقصود من نسائهنّ، ما ملكت أيمانهنّ، غير أولي الإربة؟
أليست «ملك اليمين»عبارة عامّة تشمل العبيد من الذكور والإماء من الإناث؟ وغير أولي الإربة أليسوا الرجال الذين لا يشتهون النساء لمرض/ يشتهون الرجال من دون النساء. على هذا الأساس كيف يمكن لي أنا الذي أعيش في القرن الواحد والعشرين أن أدرج ملك اليمين في أحكام الحجاب، والحال أنّ العبودية ممنوعة؟ وكيف يمكن للمرأة اليوم أن تميّز الرجال «الفحول» من الذين لا يقدرون على النساء حتى تطبّق حكم الحجاب؟ هذا من جهة الدلالة القرآنية، لنقول إنّ القرآن قدّم حلاّ لا غير للمرأة في عصر النبوّة عندما شعر المسلمون آنذاك بانّهم تأذّوا في نسائهم نتيجة اختلاط الأجناس بعد الفتوحات فلم يعد يسيرا التمييز بين الشريفة الحرّة من الأمة، ولا يمكن اعتباره البتة إلزاما. والدليل على ذلك اختلاف الفقهاء في التشريع للحجاب، فقدّموا لنا مقالة تبريرية تسعى إلى التأكيد على أنّ الحجاب إنّما هو لحماية الرجل من المرأة، واستأنسوا بقوله تعالى في النساء4/ 28»خُلق الإنسان ضعيفا». فيقول القرطبي «أي لا يصبر على النساء».. قال ابن المسيّب «لقد أتى عليّ ثمانون سنة وذهبت إحدى عينيّ وأنا أعشو بالأخرى.. وإنّي أخاف من فتنة النساء» ج5 / 145.
كأنّه صار واجبا أن تحمي المقاربة الفقهية هذا الرجل، هذا المخلوق المدلّل، الذي فضّله الله على بقية مخلوقاته من الفتنة عن طريق تغطية المرأة ولفّها.
نسي الجميع تلك المرويات في التشريع للحجاب: مرويات عن عمر بن الخطاب ودوره في فرض الحجاب على نساء الرسول: «وافقت ربيّ في ثلاث» والثالثة حجاب نساء الرسول «السيوطي، الاتقان» فيما نزل بلسان عمر. وغفل الجميع عن تلك المرويات والأحكام المتمرّدة عن حكم الحجاب، من ذلك على سبيل المثال:
٭ خبر عمر مع الإماء إذا لبسن خمارا:»كان يضرب الإماء على تغطية رؤوسهنّ ويقول لا تشبّهن بالحرائر» القرطبي،ج20 / 122.
٭ المدوّنات الفقهية وحكمها في:
1. الأمة التي توفي عنها زوجها: ابن القاسم «لا بأس أن يلبسوها (في عدّتها) من الثياب ما أحبّوا رقيقه وغليظه». مدونة سحنون،ج2/ 77.
2. صلاة الإماء في المساجد: يصلّين كما يصلّي الرجال «يباح النظر منها إلى ما ليس بعورة وهو ما فوق السرّة وتحت الركبة»… ويقول ابن حنبل «صلاة الأمة مكشوفة الرأس جائزة»: بإجماع المذاهب 4. ابن قدامة،ج7/ 357. ج1/ 638..
3. حكم الحرّة مع ملك يمينها:»عورة الحرّة مع عبدها» من السرّة إلى الركبة. و»يذهب المالكية إلى أنّ للمرأة أن تلقي بخمارها بين يدي العبد الخصيّ حتى وإن كان فحلا».ابن العربي، أحكام،ج3/ 1373-1375.
4. في حكم الشاب الأمرد الجميل: إلباسه الخمار. وذلك استنادا إلى خبر نصر بن حجاج مع عمر.
5. في حكم المرأة الشوهاء: يرفع عنها الخمار.ابن قدامة،ج7/ 350، 463…
فأين قداسة الحكم من كلّ ما أبنّا؟ فإن كان الحجاب فعلا أمرا من الله مقدّسا فلماذا كان التمييز بين الإماء والحرائر حتى وإن كنّ مسلمات؟ ومن تمتلك اليوم الضمانات في أنّ نسلها لم يختلط بالإماء والعبيد فتستطيع أن تهتدي إلى أنّ الحجاب أمر عليها دون غيرها من النساء؟ ألم يكن الحجاب تكريسا للطبقية الاجتماعية لا غير؟
○ هل تعتقدين أن الباحثين في الشأن الديني اليوم يستطيعون تقديم قراءة جديدة للنص القرآني والحديث بعيدا عن تراكم التأويلات؟
• بالطبع، وذلك حتى لا نحوّل أيضا وجهة النصّ. علينا أن نسعى إلى:
1. المصالحة مع نصّنا الديني، وإخراج المعاني الثاوية في عباراته إلى النور.
2. الاجتهاد في قراءتها وقد خلعنا حجاب نصوص الأوائل.
3. ألم يحن الوقت حتّى نحوّل وجهة نضالنا إلى إحداث ثورة في النصّ ، وتلك هي الثورة الثقافية بها تتحرّر المرأة والشعوب العربية كافّة. لأنّ… المرأة هي الشعوب.
○ وكيف تردين على المفكر محمد الطالبي الذي اتهمك مع ثلة من المفكرين والباحثين التونسيين بالإنسلاخ عن الإسلام؟
• يؤسفني أن أواجه الأستاذ محمد الطالبي، لكن ما باليد حيلة، وأنا استحضر حديثا عن الرسول «من استغضب ولم يغضب فهو حمار» ولعلّ تجربتي مع الأستاذ الطالبي دفعتني إلى أن أفهم مغزى هذا الحديث: إذ لم ينفكّ أ. الطالبي عن اتهامنا، وذلك منذ سنة 2000 بالمنسلخين عن الإسلام، ومن المفارقات العجيبة انّه لا ينفكّ ينبّه إلى أنّ الإنسلاخ ليس الكفر والردّة. لا أخفيك اني حاولت جاهدة في فهم هذه المقاربة لكن في كلّ مرّة أقف عاجزة عن إدراك هذه الفلسفة، لأنّ الطالبي احتمى بالآية التي في الأعراف 7 / 175، ولم يدرك أنّ عبارتها تعني الكفر والإنكار. ما يقلقني في مواقف أ. الطالبي أيضا أنّه يجلس على المنبر نفسه الذي يحتلّه التكفيريون فيسقط في الإزدواجية ويسمح لنفسه بما نهاه الله عنه، بتوزيع صكوك الإيمان والتوبة، بينما نحن جميعا إلى مقربة من الله عزّ وجلّ بالكلمة الطيبة.
○ هل نعيش في رأيك أزمة فكرية أم انحطاطا فكريا؟ وكيف يمكن للنهضة العربية ان تتحقق؟
• أقول نحن نعيش مخاضا فكريا، وأرجو أن يكون البقاء للأصلح.
○ ما هي آخر مؤلفاتك؟
• أعترف أنّ المرحلة الإنتقالية كانت عائقا دون تأليف الكتب لما يقتضيه منّي الأمر من حضور مستمرّ ونضال، إذ أعتبر أنّ دوري مثل بقية المناضلات كان محوريا لتصحيح المسار ولحاجة المجتمع المدني إلى نشاطي، ومع ذلك فإنّي أبشّرك بمولود جديد سيكون له تأثير في الدفع إلى ثورة ثقافية في المجتمعات العربية، هذا المولود حملناه معا مجموعة من الباحثين ، وهو عبارة عن موسوعة، ستصدر في الأيام القليلة المقبلة وعنوانها «المصحف وقراءاته» أمّا كتابي الثاني، وهو العزيز على قلبي، فبدأت فيه قبل الثورة، وأرجأته، لكن عدت إليه وسيصدر قريبا إن شاء الله تعالى . هو عمل ضخم، عنوانه «التكرار في القرآن» وقمت فيه باتباع مناهج الإسلاميات التطبيقية.

روعة قاسم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية