الرباط ـ «القدس العربي»: أعلن الدكتور عبد العزيز بن عثمان التويجري، المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة «الإيسيسكو» أن المؤتمر العام الثاني عشر لهذه المنظمة سيُعقد في مدينة باكو في جمهورية أذربيجان في أواخر شهر تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، لاعتماد خطة العمل الجديدة التي تم وضعها والمصادقة عليها من قبل المجلس التنفيذي. وأوضح التويجري في حديث شامل لـ«القدس العربي» أن الوضع المالي لـ«الإيسيسكو» مستقر واصفاً إياه بالجيد جدا، ومؤكدا أن هذه المنظمة من أفضل المنظمات العاملة في إطار العمل الإسلامي المشترك من حيث القدرة المالية. وأثار مفارقة تتمثل في أن الحوار الذي تجريه «الإيسيسكو» مع غير المسلمين يتقدم، بينما تقف في وجه الحوار بين المذاهب الإسلامية عوائق ومثبطات ومشاكل ودسائس، مبرزا أن هذه المنظمة تعمل، قدر المستطاع، مع منظمات المجتمع الدولي لتصحيح الصورة السلبية عن الإسلام.
○ المنظمة تعنى بكل المكونات الثقافية التي تنشأ في بيئة إسلامية، لكنها تصدر أحيانا مواقف سياسية؟ لماذا؟
• ميثاق المنظمة يتيح لها أن تتدخل في قضايا سياسية تمسّ الجوانب العلمية والتربوية والثقافية، فعندما يحصل عدوان من جهة معينة على معالم وآثار حضارية تدخل في إطار اهتمامات واختصاصات «الإيسيسكو» نصدر بيانا نندد فيه بتلك الاعتداءات، وعندما يُعتدى أيضا على المساجد والمدارس وعلى المؤسسات العلمية أيضا يكون لنا موقف، وعندما تشجع دولة على نشر الطائفية واختراق مجتمعات العالم الإسلامي لإحداث الفتنة في مجتمعات استقرت فيها المذاهب مثل غرب وشمال أفريقيا حيث يوجد المذهب المالكي، وفي شرق آسيا حيث يوجد المذهب الشافعي، إذا جاءت جهة معينة وأرادت أن تخترق هذه المجتمعات طائفيا لإحداث الفتنة وتمزيق هذه المجتمعات وزعزعة الاستقرار فيها هذا بالطبع يجعل «الإيسيسكو» تتدخل، لأن من مهامها أن تحافظ على سلامة المجتمعات الإسلامية ثقافيا ودينيا، نحن لا نتدخل في الجانب السياسي المحض، فهذا من اختصاص «منظمة التعاون الإسلامي» لكننا نتقاطع معها في ما يمس الجوانب التربوية والثقافية والحضارية، فحين يُعتدى على أطفال ـ مثلا ـ وبشكل وحشي فالمنظمة تهتم بالطفولة، بل الطفولة تعتبر من أهم الميادين التي تشتغل عليها، فلابد أن نصدر بياناً في هذا الجانب. أحيانا يظنّ بعض الناس أن «الإيسيسكو» تتدخل سياسيا، لكنه تدخل في إطار اختصاصاتها التربوية والعلمية والثقافية وبما يتفق مع ميثاقها .
○ رغم نجاح الحوار مع الآخر (كما أشرتم إلى ذلك)، نلاحظ أنه على المستوى الكرونولوجي منذ تأسيس المنظمة إلى يومنا هذا، وقعت أحداث كثيرة في العالم عملت على تشويه صورة الإسلام، وأبرزت مفاهيم جديدة منها «الإسلاموفوبيا». فحين ننزل من خطاب النخبة المتحاورة إلى عامة الناس في المجتمعات الغربية، نجد صورة مشوهة عن الإسلام وخوفا من كل ما هو آت من وراء البحار، كيف تتعاملون في «الإيسيسكو» مع هذا الواقع؟ وما هي أبرز الأهداف التي سطرتموها لتحسين هذه الصورة؟
• يجب أن نعترف أن هناك مِن بين المسلمين مَن يشوّه صورة الإسلام بتصرفاته الإرهابية والإجرامية التي لا يقبلها الإسلام، بل يجرمها ويعاقب عليها. هؤلاء يتحدثون باسم الإسلام، ويفعلون اجرامهم في بلدان المسلمين أكثر من غيرها ، كما أن هناك بعض المتعصبين من أبناء المسلمين ممّن يعيشون في البلدان الغربية يتصرفون تصرفات تسيء إلى الإسلام. والملاحظ أن الإعلام الغربي، في أغلبه، يركّز على هذه النماذج الشاذة، ويضخمها ويبرزها للمجتمعات الغربية على أنها تمثل الإسلام، ويغفل ـ للأسف الشديد ـ المساحة الأكبر والصورة الأكثر إشراقا لدى مئات الملايين من المسلمين في دول العالم الإسلامي الذين هم مسالمون ويعيشون حياة طبيعية ويعملون وينتجون ويسافر كثير منهم في أنحاء الكرة الأرضية ويتحاورون مع الآخر ولا يدعون إلى الإرهاب ويحترمون التعددية الدينية والثقافية واللغوية وليست لديهم أية عقد او شعور بالدونية. معظم الإعلام الغربي يركز على «داعش» و»القاعدة» و»طالبان» و»بوكوحرام» وغيرها من الجماعات الإرهابية والنماذج الشاذة التي وراءها قوى مريبة تحركها وتمولها وتحافظ على استدامتها، وهي ما زالت موجودة، مع أنهم يدعون أنهم يحاربونها؛ إذا كانت هذه العصابات محدودة العدد ومحصورة في أماكن معينة، فكيف يصعب القضاء عليها؟ أكيد أن وراء ذلك أسرارا لا نعلمها.
أيضا، هناك في الغرب أناس متعصبون، إما مفكرون أو إعلاميون أو سياسيون أو أحزاب يمينية متطرفة تكره الإسلام والمسلمين وتشوه صورتهم، وتريد أن تنغلق على مكوّناتها وثقافاتها اليهودية المسيحية، وترفض وجود الآخر معها بل تدعو الى طرده من بلدانها. اننا مقتنعون بأن الحياة الإنسانية متعددة الأشكال والألوان، ويمكن أن يستفيد كل طرف من الآخر، من ثقافته وعلومه وإبداعه، في إطار المشترك الإنساني لكن دعاة العنصرية والكراهية يعملون عكس ذلك.
أنا أعتقد أن وراء تنامي ظاهرة «الإسلاموفوبيا» دوائر كارهة للإسلام والمسلمين، نافذة في العمل السياسي والإعلامي والثقافي، بينما لا يصل الصوت الآخر إلى وسائل الإعلام، وإن وصل فهو خافت، أو لا تُعطى له الفرصة الكاملة ليعبر عن موقفه كما تُعطى للآخرين.
لكننا مع هذا نعمل، قدر المستطاع، بالتعاون مع عدد من المنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني لتصحيح تلك الصورة السلبية. ومن ذلك اننا سنعقد اجتماعا مهما في برلين في الأسبوع المقبل لبحث سبل معالجة العداء للإسلام والخوف منه. وسبق أن عقدنا لقاءات مع إعلاميين متعددي الاتجاهات والأديان وخاصة من المسيحيين، في مدينة ليل بفرنسا وميلانو بإيطاليا وغيرهما من المدن الغربية وبهذا يتضح أن نشاطنا واسع في هذا المجال، لكنه بالطبع لا يكفي. «الإيسيسكو» لا يمكنها أن تقوم بهذا العمل الكبير والمهم بمفردها ولذلك نريد أن نتعاون مع العديد من المؤسسات الإعلامية والثقافية في الدول الأعضاء وفي البلدان الغربية من أجل دحض تلك الأفكار المشوهة والأكاذيب الملفّقة، وتصحيح بعض المعلومات التي قد يكون فيها شيء من الصواب وكثير من الخطأ، لأنه لا يمكن لومُ الإسلام بسبب ما يقوم به بعض المسلمين من أعمال إجرامية. وفي الوقت نفسه، لا يمكن لوم المسيحية إذا قام بعض المسيحيين بأعمال إجرامية، والشيء نفسه ينطبق على اليهودية والبوذية وغيرهما من الأديان، فالإجرام والإرهاب لا دين له والمجرمون والإرهابيون يوجدون في جميع الأديان والثقافات الإنسانية.
فمثلا عندما قام أحد الشبان الأمريكيين في ولاية «أوريغن» بالهجوم على إحدى الكليات وقتل عددا من الطلاب وهو يسألهم عن دينهم، لم يُقَـل الإعلام الغربي عنه إنه إرهابي مسيحي، بل قيل إنه يعاني مشكلات نفسية. لكن، لو قام بهذا العمل شخص مسلم لقالوا «إرهاب إسلامي» ألـمْ يقبضوا على شاب سوداني لا يتجاوز سنه 16 عاما في إحدى الولايات الامريكية قبل أسابيع، وهو يُرِي ساعة من اختراعه لأستاذته في مدرسة ثانوية فقالوا إنه يحمل قنبلة؟ صحيح أن الرئيس أوباما استنكر ذلك ودعاه إلى البيت الأبيض، لكن العنصرية تجاه المسلمين موجودة بقوة في الغرب عموما، فهم يتعاملون مع المسلم بلُغة، ومع غير المسلم بلغة أخرى!
○ لننتقل إلى الجرح الذي تشكو منه الأمة الإسلامية والمتمثل في فلسطين التي تعاني من طغيان صهيوني. ما هي الأعمال التي تقوم بها «الإيسيسكو» ولا سيما من أجل الحفاظ على الهوية والكينونة والتراث الفلسطيني؟
• تعد القضية الفلسطينية في صلب اهتمامات «الإيسيسكو» منذ إنشائها. إنها القضية التي على أساسها قامت «منظمة التعاون الإسلامي» في مؤتمر القمة الأول الذي عُقد في الرباط عام 1969، حيث كانت تحمل اسم «منظمة المؤتمر الإسلامي»، وانبثقت عنها عدة منظمات ومن ضمنها «الإيسيسكو».
منذ إنشاء «الإيسيسكو» عام 1982 والى اليوم، وُجِّــهً جزءٌ كبيرٌ من عملها إلى القضية الفلسطينية بالتعاون مع السلطة الوطنية الفلسطينية التي هي السلطة المعترف بها عالمياً والتي هي الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، والممثل له أيضا في المجلس التنفيذي والمؤتمر العام للإيسيسكو. فهناك تعاون وثيق بيننا وبين اللجنة الوطنية الفلسطينية للتربية والثقافة والعلوم، إذْ نقدم دعما مستمرا للمؤسسات التربوية والعلمية والثقافية الفلسطينية؛ وساهمنا في ترميم بعض المعالم الحضارية في القدس، وقدمنا أيضا دعما ماليا لمؤسسات أهلية فلسطينية لمساعدتها على الصمود في فلسطين وعدم التأثر بالضغوط التي تمارسها سلطات الاحتلال الصهيوني في محاولة منها لتفريغ القدس من سكانها الفلسطينيين وإحلال اليهود مكانهم؛ كما أنشأنا لجنة للخبراء الآثاريين تابعة للإيسيسكو ويتمحور عملها على المعالم الإسلامية والعربية في فلسطين المحتلة، والمساهمة في الحفاظ عليها والتعريف بها، وسيزورنا قريباً وزير التربية الفلسطيني والأمين العام للجنة الوطنية الفلسطينية للمشاركة في اجتماع سنعقده هنا في «الإيسيسكو» للجنة المذكورة، بهدف رصد ما تقوم به إسرائيل حالياً، في ظل الانتفاضة الثالثة، من عدوان على الحرم المقدسي من خلال إدخال اليهود المتطرفين في ساحاته ومحاولة تقسيم الأوقاف بين المسلمين وبين المستعمرين اليهود في هذا المكان المقدس الذي يخصّ المسلمين وحدهم؛ وأنشأنا كذلك لجنة خاصة بتتبع جرائم الحرب التي ارتكبتها إسرائيل في فلسطين، وهناك ملف متكامل أعدته هذه اللجنة المكونة من خبراء ومحامين وقانونيين من دول عربية وأجنبية خاصة من بريطانيا وإسبانيا وفرنسا، وسنتعاون مع السلطة الفلسطينية لكي يقدّم هذا الملف الجاهز إلى المحكمة الجنائية الدولية، لأن جرائم إسرائيل في فلسطين فاقت كل الجرائم التي ارتُـكبت ضد الإنسانية في العالم كله عبر التاريخ، فما تعرّض له الشعب الفلسطيني ويتعرض له حاليا من طرف الصهاينة يفوق ما تعرض له اليهود من طرف النازية، ولكن النظام العالمي جائر وغير منصف ويرى بعين واحدة متغافلا عن الحقائق الأخرى.
كل هذه الأعمال التي تقوم بها «الإيسيسكو» مع كثرتها ومع استمراريتها لا تكفي أبداً، لأن القضية الفلسطينية تحتاج إلى جهود العالم الإسلامي كله وإلى جهود جميع المخلصين في أنحاء العالم كافة، للوقوف في وجه هذه الهجمات المتغطرسة لسلطات الاحتلال الصهيوني التي لا تراعي القانون الدولي ولا تعترف به وتضرب به عرض الحائط، كما أنها لا تعترف بالكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان، بل تمارس أبشع أنواع الظلم والعدوان والبطش بالشعب الفلسطيني أمام أنظار العالم ومسمعه. لكننا نعيش اليوم في عالم مختل ليس فيه عدالة ولا إنصاف ولا قانون واحد يطبق على الجميع، بل ثمة موازين مختلة، فعندما تعربد إسرائيل وتعتدي على المتظاهرين السلميين وتحرق الأطفال في بيوتهم وتدنّس المقدسات الإسلامية والمسيحية، يظل العالم صامتا لا يحرك ساكنا. وعندما يرمي طفل فلسطيني حجرا على صهيوني مدجج بالسلاح، يصبح ذلك إرهاباً!
○ تعدّ فئة الشباب في العالم الإسلامي من الفئات المستهدفة أكثر من الخطط والشراكات ومن عمل المنظمة. في السنوات الأخيرة، اهتز العالم العربي على ثورات ما سمّي بـ»الربيع العربي» التي أحدثت صدمة إيجابية، طُرحت معها تساؤلات من طرف مفكرين وسياسيين وناس عاديين… فهل قامت منظمة «الإيسيسكو» بوقفة تأمل في هذه المحطة التاريخية؟ وهل أخذت بعين الاعتبار فورة الشباب، وراعت هذا المعطى التاريخي في خططها المقبلة؟
• نعم، نحن تفاعلنا مع ما جرى من تحركات بدأت في تونس، ثم انتشرت في عدد من الدول العربية الأخرى. لقد كنا دائما ندعو إلى تمكين الشباب والاستماع إليهم وإفساح المجال لهم للمساهمة في بناء مجتمعاتهم وإدارة شؤونهم. إننا نرى أنه لا يمكن أن تتقدم الدول الإعضاء إلا إذا اعتمدت الحكامة الرشيدة المبنية على العدل والإنصاف والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وإفساح المجال للمواطنين على اختلاف أنماطهم للإسهام في بناء أوطانهم بكل حرية وكرامة.
كانت هناك أنظمة ضاغطة وتسلّطية، ولا يزال البعض منها قائما رغم جرائمه ضد شعبه وتخندقه في الطائفية بدعم من قوة إقليمية واُخرى دولية ، فالعالم الإسلامي ليس عالما مثاليا، ففيه الكثير من العيوب، لكننا ما زلنا نطالب بأن يكون الاهتمام بالشباب أولوية في خطط عمل الدول الأعضاء في «الإيسيسكو» وفي سياساتها العامة، لأن الشباب هم عماد الوطن، وهم الذين تقوم عليهم النهضة في مجتمعاتهم. وإذا كُـوِّنُـوا تكويناً جيّداً واحتُرمت حقوقهم واعتُرف بقدرتهم على الإسهام في بناء أوطانهم وأتيح لهم المجال لذلك، عندئذ ستتغير الأوضاع.
لا يمكن أن نغفل قضية مهمة في هذا الجانب، وهي أنه إذا كان الشباب متروكا لتغيرات الزمان، دون رعاية ولا توجيه واهتمام فسيحدث ما نراه اليوم من انحرافات ومن إرهاب وضياع وبؤس ويأس… مما يدفع طائفة من الشباب إلى الانخراط في أعمال ضالّة ومخربة أو إلى الهجرة وترك الأوطان والتعرض للموت في قوارب تمخر عباب البحار. إذا لم تهتم دولنا بالشباب وتحرص على وضعهم في صلب سياساتها التنموية، فحينذاك ستشيخ هذه الدول وتصل إلى مرحلة من الضعف، ولن يجدي بعد ذلك أي حل ترقيعي.
ولذلك، وضعت «الإيسيسكو» برامج للعناية بالشباب، وعقدت مؤتمرات كبيرة خصصت لهم، وجلّ نشاطاتنا موجّه للشباب في المدارس المتوسطة والثانويات والجامعات، لأن هذه الفئة تشكل الجزء الأكبر من السكان في عالمنا الإسلامي، كما تكشف ذلك الإحصاءات الأخيرة. لدينا، فإذا لم يكن الشباب على قدر مهم من التعليم ومن الثقافة والمهارة والقدرة العلمية، وإذا لم يكن منفتحا فكريا ومتسامحا أخلاقيا مع الآخرين، فإن المستقبل سيكون مظلما بدون شك. ومن هذا المنطلق حرصنا ان نضع في خطة العمل الجديدة التي سنبدأ في تنفيذها بداية من عام 2016 إن شاء الله، برامج كبيرة للعناية بالشباب واهتماماتهم. وخلال هذا العام، بل اننا أرسلنا قبل أسابيع قليلة مجموعة من الشباب من دول أعضاء في «الإيسيسكو» إلى الأمم المتحدة، لحضور اجتماعات الجمعية العامة، لأتاحة الفرصة لهم ليتعرفوا على هذه المنتديات الدولية وما يجري فيها وماذا يفعله السياسيون هناك، لعل الشباب يكتشفون أشياء جديدة لا يرونها إلا في وسائل الإعلام. فمشاركة الشباب في أيّ مكان يفيدهم ويساهم في تنمية قدراتهم وهو مطلب ضروري وفي صلب اهتمامات «الإيسيسكو».
○ تبعاً لهذه النقطة، نلاحظ وجود حالة فقدان أمل في عمل بعض المنظمات والاتحادات العربية والإسلامية، فكثيرا ما تتم مقارنتها مع اتحادات أوروبية أو عالمية، ربما نجحت أكثر في تذويب الخلافات وفي إحداث حالة توحد تام وكلي، سياسيا، اقتصاديا، ثقافيا… ما مدى حقيقة هذا التوصيف الذي يشير إلى ضعفنا إزاء تفوّق الآخر، على سبيل المثال الاتحاد الأوروبي؟
• بالطبع، يجب أن نعترف بأنهم متفوّقون علينا من جوانب معينة، وإلا سنكون مغرورين إذا قلنا إننا نضاهيهم أو إننا أحسن منهم، هذا غير صحيح. الاتحادات الغربية في وضع مختلف. أولا، الدول الغربية استقرّت سياسيا وديمقراطيا وبرلمانيا، فهناك تناوب للسلطة وهناك مؤسسات دستورية وهناك استقلالية للقضاء ومحاسبة وشفافية في التعامل مع القضايا التي تهمّ المجتمعات الغربية. أما في العديد من بلدان العالم الإسلامي فالأوضاع مختلفة تماماً.
أنا أعتقد أن هذا الأمر يرتبط بالوضع السياسي، فإذا كانت الممارسة السياسية تقوم على أسس ديمقراطية وإدارة رشيدة فستنجح المؤسسات الأهلية وغير الأهلية. وإذا كانت غير ديمقراطية وغير رشيدة فسيتساوى الجميع في الضعف أو على الأقل في عدم القدرة على القيام بما هم مؤهلون للقيام به. فنحن، في منظمات العمل الإسلامي المشترك، نعمل في ظل هذا الوضع الذي نعيشه، ونحاول قدر الإمكان أن نحقق أكبر نسبة من النجاح. ولذلك، فعلاقاتنا مع المنظمات الدولية في إطار الأمم المتحدة تتميز بقدرة «الإيسيسكو» على التنافس وعلى تقديم المفيد، وعلى أن تكون شريكا يفي بالتزاماته ، وهم يعترفون بأننا شركاء جادون. وقد قالت المديرة العامة «لليونيسكو « عن «الإيسيسكو»، في أكثر من مناسبة، إنها المنظمة المثالية بالنسبة للتعاون مع «اليونيسكو» والمنظمة العالمية للفرنكفونية تؤكد الشيء نفسه، ومجلس أوروبا تربطنا به علاقات قوية، إنهم يحترمون «الإيسيسكو» ويرون فيها منظمة تلتزم بما تتعهد به وتنفذه.
هذا يسرّنا كثيراً، ولكننا نريد أن يكون ذلك سائدا في عالمنا الإسلامي كله، نريد أن تتحسن الأوضاع فيه سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، وأن يُـرَكَّـزَ على التمكين للحُكم الرشيد، فالقمة الاستثنائية الثالثة التي عُقدت في مكة المكرمة عام 2012، أكدتْ في بيانها الختامي على ضرورة تطبيق الحكم الرشيد في الدول الأعضاء في «منظمة التعاون الإسلامي»، وعلى احترام حقوق الإنسان والتنوع الثقافي والمذهبي… هذا كلام جميل، لكن أين هو في التطبيق؟ نريد أن نراه مطبقا، نريد حكومات رشيدة تحكم بشكل يحفظ تماسُك المجتمع، ويحقق المساواة ويمنع الظلم والفساد والمحسوبية وتبذير الأموال وإضاعة الجهود في ما لا ينفع. نريد أن نرى الذي يقصّر في تدبير قضايا الشأن العام يُحاسب ويُعاقب على تفريطه في المسؤولية وإضاعته لمقدرات الشعوب، نريد أن نرى الشخص المناسب في المكان المناسب بقدرته وبعلمه وإنجازه وليس بعلاقاته، نريد أن نرى تكافؤ الفرص في مجتمعاتنا وأن يكون هذا المبدأ مبنيا على ظروف متماثلة ونزيهة تتيح للجميع الحصول على حقوقهم دون أية تدخلات من هنا أو من هناك… هذه قضايا جوهرية توجد في البلدان الغربية بشكل أفضل مما لدينا. وحين نصل إلى هذا الوضع السليم والنظيف في مجتمعاتنا الإسلامية، سيكون لذلك أثر إيجابي على عمل كل منظّماتنا. هذه القيم والمبادىء موجودة في ديننا ولكنها مع الأسف الشديد غير مطبقة في حياتنا.
ولذلك يجب أن ينشغل بها المجتمع في كل دولة من الدول الأعضاء من خلال المؤسسات المدنية والنقابات والإعلام والمفكرين والمثقفين الذين هم أيضا سلطة مهمة في التوعية ونشر الفكر البناء والتنبيه إلى الأخطاء والانزلاقات التي قد تقع في هذه الدولة أو تلك.
الطاهر الطويل وفاطمة بوغنبور