تونس-«القدس العربي»: الدكتور عبد المجيد الشرفي هو أحد أبرز الباحثين والمفكرين التونسيين، ومن اعلام التدريس الاكاديمي في تونس، وكان من أوائل الذين كتبوا حول الإسلام والحداثة، وهو من دعاة قراءة الموروث الديني الإسلامي اعتمادا على المناهج الحديثة للبحث العلمي. أصبح مؤخرا رئيسا للمجمع التونسي للآداب والعلوم والفنون «بيت الحكمة». في هذا الحوار الشامل لـ «القدس العربي» يوضح الشرفي انه لا توجد في الأصل علاقة بين الإسلام بصفته دينا والحداثة بما هي نمط حضاري نشأ في الغرب وأصبح كونيا، إنما العلاقة هي بين التديّن أو فهم الدين وتأويله من جهة وما أتت به الحداثة من جديد في الحياة المادية والمعنوية من جهة ثانية. ويرى ان الإسلام قادر بفضل العقيدة المحورية التي قام عليها، وهي التوحيد، الانسجام مع مقتضيات الحداثة. ولفت النظر إلى ما يعيشه عالمنا العربي هو مخاض عسير ومكلف. يشار إلى ان الشرفي ألف عدة كتب حول الفكر الإسلامي من بينها «الفكر الإسلامي في الرد على النصارى»، و»الإسلام والحداثة» و»لبنات»، و»الثورة والحداثة والإسلام».
*جدلية العلاقة بين الإسلام والحداثة كيف تفسرها؟
**لا توجد في الأصل علاقة بين الإسلام بصفته دينا والحداثة بما هي نمط حضاري نشأ في الغرب وأصبح كونيا، إنما العلاقة هي بين التديّن أو فهم الدين وتأويله من جهة وما أتت به الحداثة من جديد في الحياة المادية والمعنوية من جهة ثانية. فلقد ظهر الإسلام، والديانات الكبرى كلّها، في ظروف تاريخية ما قبل حديثة، ولم يكن هناك بدّ من أن يتأثر فهمه وتطبيقه بتلك الظروف، وعندما تغيّرت المعطيات التاريخية من الطبيعي أن يجد المؤمنون به صعوبة في التأقلم مع هذه المستجدّات، بل أن يعتبرها الكثير منهم مناوئة للدين ذاته وخطرا عليه. وفعلا انتقل الدين من كونه مفسّرا لكل الظواهر الاجتماعية والطبيعية أو جلّها، إلى موضوع خاضع هو بدوره للتفسير، وتقلصت الميادين التي كان يقوم فيها بتبرير المؤسسات المجتمعية وشرعنتها، كما تضاءلت أو اضمحلت الركائز التي كان يعتمدها في التأثير والانتشار، من مثل معمار البيوت والمدن والحواضر الكبرى، والتعليم المتمحور حول مباحثه، والأوقاف التي يستفيد منها القائمون عليها. وأخطر ما في الأمر أن الحداثة جاءت بقِيَم مناقضة لما تعوّد عليه المسلمون وأوّلوا الدين بمقتضاه، ولا سيما قيم الطاعة لأولي الأمر، والتمييز بين الجنسين، والتراتبية الاجتماعية، والرضى بالمكتوب، فعوّضتها قيم مساءلة الحكّام والمساواة والعدل الاجتماعي والطموح إلى الأفضل، فضلا عن الحرية بشتى معانيها المستحدثة والديمقراطية وحقوق الإنسان.
وكما هو الشأن في كل نمط حضاري فإن الحداثة يمكن أن تمثّل حافزا لتعميق النظر في الدين ومقتضياته الروحية والأخلاقية. وهي إذن من هذه الناحية قد تكون مساعدة على تخليص الدين من كثير من الرواسب التي أفقدته وظيفته الأساسية التي لا تعوّضه فيها لا الفلسفة ولا الايديولوجيا ولا غيرهما، والتي هي إضفاء المعنى على الوجود وعلى المصير وعلى كنه الإنسان كائنا عاقلا مسؤولا متميّزا على سائر الكائنات. وبعبارة أخرى، فإن الدين قد أدى غالبا في الماضي – وما زال كذلك في كثير من المواطن – دورَ المستلِب لإرادة الأفراد والمجموعات، إلا أن الإسلام قادر بفضل العقيدة المحورية التي قام عليها، وهي التوحيد، على نزع ذلك الاستلاب، على أساس أن نسبية كل الظواهر والحلول البشرية بالنظر إلى ذلك المطلق تتيح للإنسان حرية الفكر والعمل، وإذن الانسجام مع مقتضيات الحداثة.
*هل تتعارض قيم الديمقراطية والعدالة مع مبادئ الإسلام؟
**ينبغي الاتفاق أوّلا على المقصود بمبادئ الإسلام حتى نعرف هل يوجد تعارض بينها وبين قيم الديمقراطية والعدالة أم لا. فالواقع أنّ كثيرا ممّا يُعتبر من مبادئ الإسلام ليس كذلك، بل هي قراءات تاريخية أسبغت عليها بمرور الزمن قداسة وعُدّت من «المعلوم من الدين بالضرورة». فإذا جرّدتَ الإسلام من هذه القراءات المسقطة عليه تبيّن لك أن مبادئه الأساسية هي الإحسان والرحمة ومحبة الآخر والعدل وحرية المعتقد والمسؤولية الفردية. وليس في تلك المبادئ ما يتعارض مع الديمقراطية، بل بالعكس، بما أن هذه القيمة تشتمل على رفض كل أنواع الوصاية وتحمّل المواطنين مسؤولية أفعالهم. وما يتناقض مع الديمقراطية هو انتصاب أشخاص أو جماعات تعتبر نفسها مكلّفة في نفسها وفي غيرها، من فقهاء ومفتين ومَن يعتبرون أنفسهم أعلم من غيرهم بالإرادة الإلهية فيتكلمون باسمها. وبما أنهم لا يستطيعون أن يمارسوا هذه الوصاية على ضمائر الناس إلا بمعاضدة السلطة السياسية فمن الطبيعي أنهم يعادون الديمقراطية ويؤيدون الحكم الاستبدادي بما يخدمه ويخدمهم في الآن نفسه. هذا ما حصل في التاريخ الإسلامي وما يحنّ إليه الموظِّفون للدين قصد بلوغ مآرب سياسية ومنافع مادية ومعنوية. ولا شك أن أولئك المعادين للديمقراطية متأثرون بالقيم القروسطية وبالحركات الفاشية الحديثة، وسيتكفل تغيّر أوضاع المجتمعات الإسلامية المعيشية، وارتفاع المستوى التعليمي ومستوى الوعي فيها، وشيوع المعرفة في الأوساط التي كانت محرومة منها، سيتكفل كل ذلك بتهميش المناوئين لقيم الديمقراطية والعدل الاجتماعي، وهي التي تمثل أفقا تسعى إليه كل شعوب المعمورة بصرف النظر عن ثقافاتها ودياناتها.
*متى تتحقق الحداثة العربية الحقيقية في رأيكم؟ وما دور النخب العربية وهل هي قادرة حتما على تجديد الفكر الديني؟
**تَحقّقُ الحداثة العربية ودور النخب في تجديد الفكر الديني موضوعان مختلفان. فبالنسبة إلى تحقق الحداثة العربية، لا ينبغي أن نقيس هذا التحقق بمنجزات ملموسة وظاهرة للعيان إذ قد تكون فاعلة في العمق وفي الخفاء، لأن الحداثة سيرورة لا تكتمل ولا تنتهي، ولا يرضى الحداثي عن ما أنجز مهما كانت قيمته، إنه يطمح دوما إلى ما هو أفضل. وإذن فلا توجد حداثة حقيقية وأخرى زائفة، بل توجد حداثة منقوصة أو مبتورة إذا لم تشمل كل نواحي الحياة، السياسي منها والاجتماعي والاقتصادي والثقافي. وحين ننظر إلى الواقع العربي نلاحظ تحسّنا في معدلات الأمل في الحياة وفي شيوع كثير من عناصر الرفاه المادي وغير ذلك من المعايير والمؤشرات على تخلص الشعوب العربية من كثير ممّا كانت تعانيه زمن الاستعمار المباشر. ونلاحظ في الآن نفسه أن العديد من الميادين بقيت تنوء تحت عبء التخلف ولم تلمس آثار التقدم والترقي. ولكن سيرورة الحداثة، رغم المآسي والنكسات التي يعيشها العرب، لا رادّ لها لأنّ عكسها يعني الموت، وفي الشعوب العربية طاقات شبابية لا ترضى بهذا المصير.
أما دور النخب العربية سواء في تجديد الفكر الديني أو في غيره من المواضيع فمحوري، لأن الشعوب في حاجة دوما إلى مؤهّلات نُخَبها، وتلك المؤهلات لا يمكن أن تكون متساوية بين الناس. والنخب مع ذلك أنواع: النخب السياسية والنخب التكنوقراطية والنخب الاقتصادية، وما إلى ذلك في كل الميادين. وإذا كان المقصود بصفة خاصة النخب الفكرية فلا ننسى أن وظيفتها لا تؤتي أكلها حينيا، نظرا إلى صعوبة تغيير العقليات، بقدر ما تتطلب وقتا قد يطول وقد يقصر بحسب الظروف التاريخية العامة. وهذه الوظيفة هي في الأساس إعانة عامة المواطنين على فهم أنفسهم وفهم ماضيهم وفهم التشعب الذي يميّز الحضارة في عصرنا، واستيعاب المعرفة الحديثة في كل المجالات والإسهام في إنتاجها، ونشر القيم التي تعلي من شأن الإنسان وتُبلغه منزلة أرقى. ويندرج تجديد الفكر الديني بالطبع في هذا السياق العام، وهو التنوير ورفع الجهل المخيّم على العقول والنفوس وتقديم بدائل لما لم يعد صالحا من الحلول التي ارتضاها القدماء لمسائل الدين، دون أن تنتصب النخب دعاة وفارضين لما يرتؤونه الأصلح والأمثل.
*كيف تنظرون إلى ما تشهده المنطقة من حروب وهل نحن نعاني مخاضا نحو الديمقراطية ام أننا نعيش عصر «الفوضى الخلاقة»؟
**لا شك أن المشهد السياسي الراهن يبعث على اليأس والإحباط، نظرا إلى ما تعرفه المنطقة من مآس ودمار وحروب بالوكالة هي فعلا تعبير عن الفوضى الخلاقة التي أرادتها الولايات المتحدة لتفتيت الدول التي بعثت إلى الوجود عند تقاسم أشلاء الامبراطورية العثمانية، ولقيام كيانات على أساس طائفي أو مذهبي أو إثني، ضعيفة ومتناحرة، حتى لا تكون إسرائيل نشازا وحتى تكون هي المتحكمة في كامل المنطقة بلا منازع. ولكن تاريخ الشعوب لا يقاس بالسنوات والعقود بل بالقرون، وعلى المدى المتوسط أو البعيد لا مناص للشعوب العربية من أن تتخلص من كافة أنواع التخلف، ومن أن تولّد المضادات الضرورية التي تسمح لها بمواكبة العصر ومقتضياته. هو إذن مخاض عسير ومكلف، إلا أن الرجوع إلى الوراء الذي نعيشه ربما كان ضروريا لتحقيق قفزة نوعية تُنسي صعوبات الحاضر التعيس.
*ما رأيكم في العنف الطائفي المتفشي اليوم في المنطقة وهل هناك أجندات وراء تصاعد الفتنة الطائفية السنية الشيعية وما تداعياتها على المنطقة؟
**العنف الطائفي أو المذهبي هو العبثية بعينها في منظور عصرنا، وهو ليس سوى غطاء على صراعات سياسية وسياسات هيمنة تسلكها قوى إقليمية ودولية. فلقد كانت منطقة الهلال الخصيب محل صراع بين الساسانيين والبيزنطيين، ثم بين الصفويين والعثمانيين، وهي اليوم محل تجاذب بين الفرس والأتراك. وانضاف إلى ذلك عنصر النفط ووجود الكيان الصهيوني والايديولوجيا التكفيرية وانتشار النزعات الهووية والعنصرية. واعتقادي أن عامة سكان المنطقة لا يعتبرون أنفسهم معنيين بهذا الصراع، بل هو مفروض عليهم ويمارسه مرتزقة مأجورون. ان الصراعات التي من هذا الصنف لا يمكن أن يكون فيها غالب ومغلوب، وحين يقتنع الجميع بهذه الحقيقة فقد يعود إلى الذين ينفخون في نار الفتنة رشدهم. وفي انتظار ذلك لا نملك إلا الأمل في أن يؤدي المجتمع المدني دورا أكثر فاعلية لإيقاف النزيف.
*كيف تنظرون إلى مسار الانتقال الديمقراطي في تونس وهل حقق الدستور الجديد مطالب الحراك التونسي؟
**لعل أهم ما ميّز الانتقال الديمقراطي في السنوات الأربع الأولى بعد الثورة أنه كشف ما كان مستورا من القوى السياسية والمجتمعية التي لم تكن تستطيع أن تظهر علنا في العهد السابق. وهذه القوى مختلفة الرؤى حول النموذج المجتمعي التونسي إلى حد بعيد، فكان من الطبيعي أن تصطدم هذه الرؤى ببعضها البعض وأن تفرز الأزمات التي مرت بها تونس. أما في السنة الخامسة ومنذ انتخابات 2014 فقد تبيّن أن التوافق الذي تم حول الدستور ليس بمقدوره فض المشاكل التي يتخبط فيها الاقتصاد، وليس من شأنه أن يوفّر للحكم الجديد أغلبية برلمانية منسجمة تمكّنها من اتخاذ قرارات مؤلمة وغير شعبية، فضلا عن أن النظام الذي استقر عليه الاتفاق نظام هجين، ليس برلمانيا ولا رئاسيا. والرأي عندي أن المسألة أعمق من أن تُحصر في الميدان السياسي، إذ أن الثورة حلّت الرباط الاجتماعي القائم أو أضعفته، ويتطلب بناؤه على أسس جديدة وقتا ربما يطول، وبالخصوص في ظل وجود حزب ذي مرجعية إخوانية لا يؤمن – في البداية على الأقل – بالدولة الوطنية وبالأمة التونسية، وكذلك في ظل إكراهات وانتظارات اقتصادية واجتماعية متناقضة لا يمكن مواجهتها بطبقة سياسية هي في طور التكوّن ولم يشتد عودها بعد. ورغم ذلك فانّ ما تحقق في مجال الحريات جدير بالتنويه، وهو الذي سيسمح بتجاوز الصعوبات الحالية، علاوة على ما برهن عليه المجتمع المدني من نضج وما أكدته النساء من حرص على صيانة مكاسبهن ودعمها.
*نعيش اليوم على وقع تصاعد الإرهاب من دواعش وغيرها من التنظيمات التكفيرية، كيف يمكن في رأيكم التعامل معها وخاصة مع ظاهرة عودة المقاتلين من ساحات القتال؟ ولماذا بات الشباب التونسي فريسة هذه الأفكار المتطرفة؟
*إنّ من يحمل السلاح في وجه الدولة، أيّا كانت، لا يمكن أن يُتعامل معه إلا بالسلاح حتى يتم القضاء عليه. لكن ينبغي في الآن نفسه تحصين المجتمع، وخصوصا الشباب، حتى لا يغتر بما تروّجه الدعاية التكفيرية وحتى لا يكون فريسة للإرهاب. وإذا ما كان عدد من المقاتلين في صفوف التنظيمات الإرهابية قد ندموا على انخراطهم فيها فمن الواجب مساعدتهم على الانخراط من جديد في الحياة العادية. أما الذين تلطخت أيديهم بالدماء وما يزالون مصرّين على ارتكاب جرائم في حق شعبهم فلا مناص من أن يكون القضاء متكفلا بحماية المجتمع من شرّهم.
وفيما يخص النسبة المرتفعة من الشباب التونسي الذي بات فريسة للأفكار المتطرفة فلا يوجد حل واحد لمواجهة هذه الظاهرة، ولا بد من تضافر الجهود في ميادين التربية والثقافة والإعلام والخطاب الديني ومقاومة البطالة والحيف الاجتماعي والتصدي للتهريب وللمال الفاسد، فضلا عن استرجاع الدولة لسلطتها على الجميع دون أي تمييز، وعملها على زرع الأمل في نفوس الشباب، بل السعي إلى كسب حماسه في المشاريع التي يصرّف فيها طاقاته الإبداعية.
*تم ّانتخابكم أخيرا رئيسا للمجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون بيت الحكمة..فلو توضح لنا أكثر دور بيت الحكمة وما تطلعاتكم لتفعيل دوره في مسيرة استكمال الديمقراطية التونسية؟
**إن القانون الذي صدر سنة 2012 هو الذي حدّد المهام الموكولة إلى بيت الحكمة، ومنها:
– جمع أعلام الثقافة البارزين وتمكينهم من مواصلة تطوير البحث في مختلف مجالات النشاط الفكري والعلمي وتبادل المعلومات.
– المساهمة في إثراء اللغة العربية والسهر على سلامة استعمالها وتجميع قدراتها وتطويرها.
– المساهمة في العناية بالتراث في مجالات البحث والنشر.
– تأليف المعاجم والموسوعات وترجمة المؤلفات.
– تنظيم ندوات ومحاضرات في مجالات اهتمام المجمع.
– تشجيع الإبداع ونشر مؤلفات ذات طابع علمي وأدبي وفني.
والمجمع، بالإضافة إلى ذلك، مكلّف بتقديم آراء حول المسائل التابعة لاختصاصه والتي قد ترى سلطة الإشراف أو غيرها من الوزارات أو المؤسسات أن تعرضها عليه.
ويتبيّن من هذه المهام أنها في الآن نفسه واسعة ومنخرطة في المجهود الوطني الرامي إلى الارتقاء بالثقافة ونشرها. ولا يخفى أنّ العلوم والآداب والفنون هي – مجتمعةً – عصب الحضارة الحديثة، وبالتالي فإنّ كل نجاح في هذه الميادين هو تدعيم لديمقراطيتنا الناشئة.
اقتباسات
العنف الطائفي أو المذهبي ليس سوى غطاء على صراعات سياسية وسياسات هيمنة
ما تعرفه المنطقة من مآس ودمار وحروب بالوكالة هو فعلا تعبير عن «الفوضى الخلاقة»
التوافق الذي تم حول الدستور في تونس ليس بمقدوره فض المشاكل الاقتصادية
روعة قاسم