■ يُعتبَر الأديب هنريك بونتوبيدان( 1857ـ 1943) ثاني دنماركي يَفوز بجائزة نوبل للآداب، حيث حصل عليها في عام 1917 مُناصفةً مع مواطنه كارل غيلوروب.
وُلد بونتوبيدان في مدينة فردريكية في وسط الدنمارك. كان والده كاهناً، وراعياً لكنيسة المدينة، وينحدر من أسرة كبيرة من الكهنة والكُتَّاب. بدأ حياته التعليمية في دراسة الهندسة في كوبنهاغن، لكنه تركها لأنه لم يجد نفْسه في عالَم الأرقام والحسابات. عمل مُعلِّماً في مدرسة ابتدائية، ثم ترك سِلْك التعليم، والتحقَ بالصحافة. وعندما بلغ العشرين من عُمره، قرَّر التفرغ التام للكتابة، ورسمَ حياته ككاتب مُحترِف.
وقد شكَّل زواجه الفاشل أول صدمة في حياته، فقد اقترنَ بفتاة في عام 1881 تختلف عنه روحياً ومادياً. وكان الفشلُ هو النتيجة المتوقَّعة لهذا الزواج غير الْمُتكافِئ.
لقد امتاز بأسلوبه الساخر، ولغته المليئة بالرموز والحِكَم. وكان ناقداً للأوضاع السائدة في الدنمارك في تلك المرحلة، فقد كانت دولةً مُتخلِّفة تعتمد على الزراعة البدائية، ومحكومة مِن قِبَل الإقطاعيين ورجال الدين. لقد صوَّر الشكَّ والتشاؤم في أعماله الأدبية، وتعرَّض للموضوعات الوجودية بحثاً عن حقيقة الإنسان وهوية المجتمع والتقدم الاجتماعي، وهذا ما جعله واحداً من أبرز كُتَّاب عصره.
عاشَ مع الفقراء والفلاحين والمنبوذين بروحه وقلمه، وصوَّر عالَمهم البائس، وحياتهم الصعبة، وفضح الاستبداد والاستغلال باسم الدِّين والطبقة الاجتماعية. ثم انتقل لاستعراض مشكلات الطبيعة من دون التخلي عن ارتباطه الاجتماعي وقناعاته الأيديولوجية.
وكان الأدب بالنسبة إليه شرعية حياته، ومركز وجوده في هذا العالَم. ففي أعماله الأدبية، استطاع تصوير ذهنية المجتمع وانتقال الحرية إلى المجتمع واللغة، كما أنه قدَّم في كتاباته الصراع بين طبيعة الذكر الانطوائية وحيوية المرأة. ومعَ أن لغته تبدو للوهلة الأولى سهلة وبسيطة، إلا أنها مُحمَّلة بالرموز العميقة، والتلميحات المستترة، والسُّخرية اللاذعة، والأفكار الكامنة بين السطور.
وبشكل عام، امتازَ أسلوبه بالدقة الفائقة في تصوير الشخصيات، والتعاطف مع الفقراء والمنبوذين في المجتمع، وتشريح المجتمع الدنماركي الذي كان مجتمعاً زراعياً يسيطر عليها الإقطاع ورجال الدين.
وكانت نقطة التحول في حياته وأسلوب كتابته، عندما تزوَّج للمرة الثانية في عام 1892 من ابنة موظف كبير في العاصمة، فقد انتقل في موضوعاته الأدبية من الريف إلى المدينة، وكتب بين عامَي 1898 و1904 أشهر أعماله على الإطلاق «بِير المحظوظُ «، وصار هذا التعبير مُصطلحاً شائعاً في اللغات الإسكندنافية. وقد وَصَفَ في هذا العمل الصراع بين المثالية والواقعية، وكَشَفَ أسرار الحياة الاجتماعية والسياسية والدينية في العاصمة.
وبين عامَي ( 1912ـ 1916) كتب روايته الخماسية «مملكة الموتى». وتقترب لغته في هذه الرواية من الأسلوب الشِّعري العاطفي، كما أنه وَصَفَ الحياة في الدنمارك في بدايات القرن العشرين، ناقداً السُّلطة وسُوء استخدامها.
وفي آخر أيامه، اعتزلَ الناس، وكرَّس وقته بالكامل لكتابة مذكراته، التي جُمعت في أربعة مجلدات، بعنوان «الطريق إلى ذاتي»، ونُشرت في سنة وفاته ( 1943).
وعلى الرغم من موهبته الأدبية الفذة، وتصنيفه كواحد من أكثر الكُتَّاب الدنماركيين حَداثةً وإبداعاً، إلا أنه كان رَجلاً متناقضاً في مواقفه، ورُبَّما يعود هذا إلى شخصيته القَلِقة. فقد كان مُتحرِّراً ووطنياً صارماً في آنٍ معاً. وتعاونَ معَ الاشتراكيين لكنه لم ينضم إليهم، وبقي مستقلاً. كما أن كتاباته في كثير من الأحيان عبارة عن خليط من التَّحيُّز والموضوعية. وهذا حيَّر القُرَّاء والنُّقاد على حَدٍّ سَواء.
من أبرز أعماله: أجنحة (1881). بطاقات بريدية من القرية ( 1883). ابنة المرابي ( 1886). غيوم (1890). الحارس ( 1893). من الأكواخ (1901). ضيف الملِك (1908).
٭ كاتب من الأردن
إبراهيم أبو عواد