قتامة «داعش» كانت كافية لتمتد وتصبغ الأجواء في الدول الإسكندنافية، الدنمارك تحديدا. البلد الأكثر سعادة في العالم كشف عن وجه حزين وكئيب أيضا. ومثله سياسة الدنمارك فأحزاب اليسار مثل أحزاب اليمين في تهويل الأخطار المقبلة من الخارج، التي تهدد هذا المجتمع الذي ينعم بالأمان والرفاهية والعدالة.
الدنمارك بلد صغير جدا، بلد القوانين، مجتمع متجانس يشعر بفخر وزهو (مبالغ فيه أحيانا) بوطنيته. يفتخر بسمعته، بقيمه ويناقشها بمتعة على الدوام، حتى صار موضوع مدى دنماركية الفرد ووحدات قياسها أشبه بلغز لكثرة الخوض فيه. ما هي الدنماركية؟ هل هي حرية التعبير؟ سعة الأفق والتحرر؟ قانون «اليانتا لو»؟ عجينة الدانيش؟ أم عَلم المملكة الذي يعلو السارية في المناسبات؟ هل هو التهذيب والأدب، تمدن الناس، السلوكيات الحياتية اليومية، الدراجات الهوائية مثلا؟ هل أنا دنماركية بما يكفي لأنني أجيد اللغة ولدي جواز؟ هل سينظر إلي كمواطنة بعد 5 سنوات، أو 10 أو 20 سنة؟ هل أبقى ضيفة عليها أن تحسن التصرف طيلة فترة استضافتها وإن كانت قد ولدت في هذا البلد؟
لا يمكن القول «إن الفرق شاسع بين الأمس واليوم، مذ قدمنا لاجئين إلى هذا البلد قبل أكثر من 20 عاما»، من دون توضيح. هناك الكثير من النقاط التي يقتضي ادراجها في الوقت ذاته إلى جانب وصف ما يحدث الآن على صعيد السياسة. الدنمارك هو البلد الذي احتضنني واحتضن عائلتي، ولازال، بالكرم والإنسانية والانفتاح الذي عرف بها، وأزعم أنني قادرة على فصل الصورة التي أعرفها تماما عن الصور الأخرى التي تدور أمأمنا اليوم، وهذه حقيقة قد تغيب عن البعض ممن يقيمون هنا أيضا. وجوه المجتمع إذن كما ذكرت متعددة.
الانشقاقات تتوالى من قبل برلمانيين من حزب الفنسترا اليميني اعتراضا على السياسة الحالية، فالقيم الليبرالية لا تعني الليبرالية التي لم تعد تعني لدى السياسيين اليوم غير الأنانية، كما ذكرت وزيرة سابقة ألغت عضويتها مؤخراً اعتراضا على النهج السياسي المتبع، ومن ضمنه القوانين التي سُنّت بخصوص اللجوء والهجرة والإقامة. اللجوء كما هو معروف الورقة التي استخدمت على مدى الأشهر الأخيرة تحديدا، لتمرير ميزانية العام الجديدة، التي شملت تغييرات في الضريبة، قروض العقارات، تخصيصات العجزة ومجال التعليم والبحوث والصحة والثقافة. أغلب التغييرات تصب في مصلحة الأغنياء على حساب أصحاب الدخول المحدودة ومتلقي المعونات. كما أطلقت الأحزاب اليمينية العنان للتطرف في الخطاب اليومي ضد الأجانب، ولجأت إلى تسليط الضوء على أسوأ الصور وأكثرها تشويها لهذه الفئة، من دون اعتبارات كانت تحدد حتى فترة قريبة ما تتناوله الصحف وأجهزة الإعلام من إذاعة وتلفزيون احتراما لقيمها فصارت الـ»نغمة» السائدة عدائية وتحقيرية صادمة عبر برنامج أو مقال أو تصريح ما لأحد أعضاء الأحزاب اليمينية.
مجتمع الرفاهية يعني أن الدولة بكل مؤسساتها مسؤولة عن رفاهية شعبها بكل فئاته (من ضمنها اللاجئ والمهاجر المقيم)، حيث يحصل كافة الناس على الاحتياجات الاساسية من ناحية السكن والصحة والتعليم، ويتم ذلك عن طريق الضرائب التي في جانب كبير منها يدفعها المواطن المقتدر لإعانة غير المقتدر. واجبات وحقوق تقيم توازنا يثير الاعجاب، لولا تلك الأنظمة التي تكاد تدمر كل ما شيّد من قبل، وتسير بالبلد إلى طريق مسدود. نشأت الدنمارك على قيم حققت عبرها نجاحات في ظل جو ديمقراطي في مجتمعها بالتدريج حتى صارت جزءا من هويتها؛ التأكيد على التنوير، على دعم عملية تثقيف جميع أفراد المجتمع على السواء، عبر توفير الفرص للضعيف كما القوي، للمرأة والرجل، للصغير والكبير، من أجل أن يكونوا في النتيجة قادرين على اتخاذ القرار الذي يخص حياتهم لوحدهم، لذا لعبت الثقافة والفنون التي كانت الزاوية الأساس في بناء هذا المجتمع دورا فاعلا في خلق روح مسامحة متواضعة غنية باطلاعها وتعلمها، لا بما تملك من أموال. هذه القيم «الكلاسيكية القديمة» التي تبنتها الأحزاب، حتى الليبرالية منها كما ذكرنا، انحرفت ويتفق المعارضون اليوم في كون الانحراف هذا هو ما يهدد المجتمع، لا ما يأتيه من الخارج. هذا هو جزء مما تغير في هذا المجتمع، بعد أن أفلح السياسي في لفت نظر الناس إلى الصغائر وبث روح الخوف فيه من خسارته لما هو فيه. ولابد أن سمع الغالبية بالقرار الذي طُرح بشأن واجب تسليم اللاجئين لممتلكاتهم عدا ما له قيمة معنوية ولا يتجاوز في قيمته الـ 3000 كرون. هذا كان جزءا من إعلان ضمني في عدم رغبة الدنمارك في استقبال اللاجئين على أراضيها، ولكن وجهه الآخر انعكس أيضا في نظرة المواطن إلى الأجانب.
غلب بالتالي القلق والشك على جزء كبير من هذا المجتمع ، بينما ازدادت نتيجة هذا الاستقطاب حركات المعارضة بكل أشكالها وبكل الوسائل وعبر كل الوسائط من أجل إرجاع المجتمع إلى ما كان عليه، رغم أن المعركة غير متكافئة، على الأخص في ظروف كهذه تتعالى الأصوات المتذمرة فيها من الدول المجاورة بشأن تدفق المهاجرين واللاجئين، وعدواها تنتشر والسباق يكون حول الأكثر عدائية وانغلاقا. فكرة الاتحاد الأوروبي ذاتها صارت محل شك، فريق يؤكد أن المستوى المعيشي المرتفع للفرد والنمو المتزايد والرفاهية ما هي إلا أحد نتائج رفع الحدود بين الدول الاوربية والسوق الأوروبية المشتركة، بينما يجد الفريق الآخر فداحة خسارة الدنمارك لاستقلاليتها وحق تقرير ما تراه مناسبا لبلدها. حتى وصلنا إلى احتمالية مناقشة بعض فقرات المواثيق الخاصة بحقوق الإنسان، سواء التي نصها ميثاق الأمم المتحدة أو الاتحاد الأوروبي أو نظام دبلن وغيره.
لم لا؟ ما كان قد تم الاتفاق عليه قبل خمسين عاما يجب إعادة النظر فيه اليوم فالعالم قد تغير! هل ستصبح السويد غزة؟ هل الدنمارك اسرائيل؟ هذه من ضمن التعليقات المتطرفة التي اصطدمنا بها عرضا بشأن إحدى المقالات. وقد حذر المختصون في مجال حقوق الانسان من مغبة مناقشة الاتفاقيات، فإن توخت الدنمارك الحذر في تغيير بعض البنود فليس هناك من يضمن ما تتخذه الصين من اجراءات أو روسيا أو هنغاريا أو إحدى الدول العربية بشأن حقوق الإنسان.
أجد في الحقيقة بعد أكثر من 20 عاما صعوبة في إيجاد الجهة التي تمثلني، وإن كانت وجوه المجتمع متعددة فأيها الأكثر شبها بي؟ صعوبة تقبل الاختلاف، في الشكل، في الطباع، في اللكنة، في الملبس جعلت هذه الفئة تنعزل وتزداد تمسكا بتجمعاتها، وحتى بأخطائها. فما أن يختلف أحدنا في واحد مما ذكر من المواصفات حتى يتم تصنيفه ضمن خانة معينة لا يقرب بالضرورة لها. هناك وحدة قياس خفية معتمدة تستحق الدراسة، ولا يكفي أن تُختصر بذهنية الرجل الأبيض.
دنى غالي – كاتبة عراقي