ما بين نظريات المؤامرة والشجب والإدانة العلنيين وتبادل الاتهامات، التهديدات والوعيد، وسط دخان الحرائق والدمار المتصاعد وفي غمرة لزوجة الدم المراق هنا وهناك، على سبيل المثال لا الحصر في سوريا والضاحية الجنوبية وأخيراً فرنسا، أخيراً وليس آخراً، فنحن لم نر النهاية بعد بمقدار ما نحن بعيدون عنها، كل الفرقاء يفسر الأحداث من وجهة نظره ووفق منطلقاته السياسية والعقائدية وانحيازاته الاجتماعية، الكبار تحديداً وفق مصالحهم الكبيرة التي لا تقيم أي وزن للمعايير الأخلاقية وللإنسان، ذلك المسكين المهدر الذي يتاجر به كقميص عثمان.
صراحةً يدهشني ذلك اليقين الذي يقرر به كل طرفٍ سرديته وتفسيره للواقع والأحداث، فأنصار المؤامرات الغربية المستمرة على أوطاننا يرون في «داعش» مؤامرة، وفي تفجيرات فرنسا وموجة الإرهاب التي اجتاحتها مؤامرةً لتبرير مخططٍ يزمع تنفيذه في بلادنا.
آخرون يرون فيها نتيجةً وانتقاماً من بشاعة الاحتلال الفرنسي في الجزائر وسياسة التهميش التي تنتهجها حيال المهاجرين المغاربة في فرنسا، بينما يقدح آخرون في الإسلام ويرجعون كل ذلك العنف إلى بعض النصوص والأفكار والاجتهادات التي اسُتند إليها كمرجعيةٍ للكثير من تلك الجرائم.. أما المشفقون على العرب فقد يلتمسون شيئاً، أقول شيئاً، من العذر في قمع الأنظمة لشعوبها بدعمٍ من القوى الغربية وتغاضٍ عن بشاعاتها، أو نتيجةً للفوضى عقب إسقاط بعض الأنظمة كما هي الحال في العراق وليبيا.
عن نفسي أمتلك الشجاعة لأعترف بأنني لا أملك إجابةً شاملة على كل ما يحدث، لكنني أتحسس طريقي، وهو البحث والمتابعة ومحاولة مقاربة المتغيرات بذهنٍ منفتح على شتى التطورات والتفسيرات، وإن كنت أعذر كل أصحاب الرؤى، ممن لا يعملون لدى الأنظمة، فالحقيقة هي أن الواقع يحتمل كل تلك التفسيرات، بل ويحمل شيئاً من كل منها بهذا القدر أو ذاك. وإنني في هذا الصدد، أدين للمفكر الماركسي الكبير والجميل جون مولينو، الذي علق على الأحداث مذكراً بأننا يتعين علينا أن نتذكر المنظور الأشمل، وأن نضع الأحداث في سياقها التاريخي والاجتماعي- السياسي، أنا أرى في ذلك دعوة للعودة لأصول الأشياء، للصورة الأشمل، للجذور والأرض الصلدة التي عليها نمت واشتدت كل تلك الظواهر المتشابكة المتداخلة، الشيطاني منها والمقاوم.
الأساس في نظري أو نقطة البداية هو الأزمة الوجودية التي يعيشها العالم الغربي، وتحديداً رأس المال في دول العالم الغربي، الذي دخل في نفقٍ ينذر بتكرر الأزمات الأقتصادية الأعمق بوتيرة أعلى وأكثر تقارباً، وما يقابل ذلك من انحسار الثقل النسبي لتلك القوى الغربية أو الرأسماليات الغربية على الساحة العالمية، بصعود قوى منافسة يعتد بها على رأسها الصين في المجال الاقتصادي. غير أن ذلك التضعضع والتراجع لا بد أن يصاحبه تغيرٌ وربما تلاشٍ في كل البنى التي نشأت وترتبت على الشكل القديم في العالم، حين كان الغرب هو المسيطر المهيمن على مقادير الكوكب.
كتبت من قبل أننا بصدد موسم حصادٍ بالنسبة للأنظمة العربية القمعية والاستبدادية، بدون استثناء، وكذلك الحال بالنسبة للدول الغربية. «كل ما هو صلد يذوب في الهواء»، قالها ماركس من قبل في ظرفٍ ثوريٍ بامتياز كان ينذر بتخلخل وزوال نظامٍ قديم وتخلق وتشكل آخر، وكالعادة فإن ما يذهب يأخذ معه الكثير من نسله ومتعلقاته، أفكاراً وتصوراتٍ عن العالم وبنى فوقية، بلدانا وحدودا، وذلك الماضي الغارب لحظة احتضاره لا يذهب في صمت، وإنما في صخبٍ وعنفٍ يصنع التاريخ ويصبغه بألوانٍ قاتمة. كذلك الحال الآن، فنحن نعيش لحظة ذوبانٍ عارمة، الغرب يتغير ومنطقتنا التي رسمها وشكلها معه، كل تلك الهويات والقوميات المصطنعة قسراً، التي تم الحفاظ عليها بالحديد والنار، كما أنه موسم حصاد على طول وعرض خطوط المواجهة لكل الافكار والعقائد التي تم تشجيعها واعتمادها كوسائل في صراع المصالح للهيمنة على الشعوب وتحريكها وعلى رأسها الإسلام السياسي والقومية العربية التي طال احتضارها.
دوامةٌ أو إعصـــــار يضرب تلك المنطقة من العالم التي نشكل القلب منها، والغرب الذي تداخل معنا وتبادل معنا الأفكار والأديان والتجارة والحروب منذ فجر تاريخنا، والذي كبر بدخول أمريكا على الخط وفي السياق نفسه، دوامة سيدور فيها كل شيءٍ بدوره، الأنظمة والدول والمنظومات الفكرية والعقائد والقوانين، وحتى ما عد حتى الآن ثوابت كالقوانين الضامنة للحريات في بلدٍ يباهي بها (حقاً كان أم باطلاً) كفرنسا، يتصور البعض أن كل شيء مخطط ومحسوب بدقة، ولكنني لا أملك سوى الاختلاف مع هؤلاء، فعلى سبيل المثال فإنني وإن كنت لا أنفي، بل وأؤكد، أن الغرب ( أو أطرافاً منه) تداخلت مصالحه مع الكثير من القوى والجماعات المسلحة التي ترفع شعاراً دينياً في مرحلةٍ ما، وقام بدعمها بالمال والسلاح، فإنه من الثابت أيضاً أن تلك الجماعات في مرحلةٍ ما تخرج عن السيطرة، والأمثلة عديدة ولعل أقربها «القاعدة».
الغرب ليس مسيطراً كما يحلو للبعض في بلداننا أن يتصور في مسوخيةٍ متلذذة، بالتأكيد هو أكثر قدرةً على التغلغل وجمع المعلومات والتحليل لأسبابٍ عديدة تتعلق بالجدية والمنهجية في التناول ومن ثم الاستنتاج، إلا أنه ليس كلي القدرة والمعرفة، النار التي يشعلها أو يزيدها استعاراً قد لا تحرق أصابعه فقط، وإنما قد تهدد كيانه، الغرب قد يخلق المسخ أو يطلقه، لكنه لا يملك بالضرورة السيطرة عليه للأبد، قد «يحضر العفريت» ولكنه لن يستطيع بالضرورة صرفه، كما أن مصالحه الرأسمالية قد تدوس على اعتباراتٍ كثيرة كاستمرار تدفق الأسلحة على المملكة العربية السعودية من ناحية، والصراخ من ناحيةٍ أخرى بضرورة توقفها عن دعم الإرهاب من باب العداء لنظام الأسد، وفي ما مضى خلقت مصالحه الرأسمالية ذاتها كوارث لا سابقة لها في التاريخ كالنازية، والآن يبدو أن العولمة أنتجت إرهاباً «معولماً» بدوره.
الدوامة ستجرف الكثير في طريقها، لا أود أن أبدو متشائماً ولكنني أكاد أجزم بأننا مازلنا في البداية، ولا أعتقد أن أي شخصٍ جاد يستطيع أن يتنبأ بما سيتبقى حين ينتهي ذلك الإعصار، لكنني أستطيع أن أتنبأ بأن منطقتنا ستتحمل تكاليف باهظة، كل ما أتمناه أن نتعلم من أخطائنا، ونحاول بناء مشروع ٍ واقعي قابل للحياة متجاوبٍ مع العصر كما ستتضح صورته.. أجل الغرب مجرم ومتورط بشكلٍ أو بآخر في أغلب مشاكلنا إن لم يكن كلها، ولكننا نتحمل المسؤولية أيضاً، فقد تسلل إلينا من خلال نقاط ضعفنا ونصوصنا وقمع حكامنا وتخلف مشيخات نفطنا، لا بد أن نخرج من تلك العاصفة محتضنين ثورات شعوبنا المشروعة المطالبة بالخبز والحرية والعدالة الاجتماعية، ممحصين تاريخنا وأفكارنا وتراثنا، خاصةً السياسي، مقاربين الإنسانية بدون تنكرٍ أو احتقارٍ لخصوصيتنا التاريخية، لا بد أن ندرك أن العودة إلى الوراء مستحيلة والإصرار عليها حكمٌ بالانتحار والبربرية.
٭ كاتب مصري
د. يحيى مصطفى كامل