الدوحة سبقت دول الخليج في مد جسور التواصل مع طهران

حجم الخط
0

الدوحة – «القدس العربي»: سليمان حاج إبراهيم في الرابع من كانون الأول/ديسمبر 2007، دخل الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد رفقة وفد رفيع المستوى بثقة عالية إلى قاعة مؤتمرات فندق الشيراتون في العاصمة القطرية الدوحة، ليكون أول رئيس إيراني يشارك في قمة مجلس تعاون دول الخليج منذ تأسيس المجلس في عام 1981. المشهد أصاب بعض ملوك وأمراء ورؤساء وفود الدول الخليجية المشاركة في قمتهم التشاورية بالذهول والإرتباك، بعد ان خاطبهم ضيفهم عارضا عليهم التعاون في خطة من 12 نقطة تنص على عقد اتفاق دفاعي مشترك وإنشاء مؤسسات أمنية للتعاون بين ضفتي الخليج للوصول إلى إنشاء منظمة التعاون الأمني. الدعوة التي تلقاها رئيس إيراني، بلاده على خلاف عقائدي وسياسي وأمني مع دول المجلس، خطوة وصفها المراقبون بالتقدمية لأمير قطر السابق، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني.
بعد سنوات من هذا الحدث، بدأت المعادلة في المنطقة تنقلب بوجود زحف من دول مجلس التعاون لتقريب وجهات النظر مع طهران، وجسر الهوة بينهما وإرساء دعائم جديدة على أسس مختلفة عن النظرة النمطية السابقة المستندة على التوجس والريبة. وعلى خلاف الموجة الجديدة التي ضبطت على إيقاعها عواصم خليجية علاقاتها مع الجارة التي تشاركهم مياههم الإقليمية، فإن العلاقات القطرية الإيرانية من وجهة نظر مسؤولي البلدين ذات عمق استراتيجي. ويصف مسؤولو البلدين الروابط بينهما على أنها تستند إلى مصالح اقتصادية مشتركة أساسا، ومبنية على تنسيق سياسي حول بعض القضايا من دون تدخل في الشأن الداخلي، ولا في الخيارات الدولية لأي بلد على حد وصف أغلب التصريحات المتبادلة بين البلدين.
وأعلن مؤخرا مساعد وزير الخارجية القطري محمد بن عبدالله متعب الرميحي في تصريحات من بوشهر حيث زار الجمهورية الإسلامية: «من المتوقع توفير المزيد من أرضية تعزيز العلاقات الإقتصادية بين قطر وإيران». تصريح المسؤول القطري كان متناغما إلى حد كبير مع ما أكده مساعد وزير الخارجية الإيراني الدكتور حسين أمير عبد اللهيان الذي ترأس اجتماع اللجنة السياسية المشتركة بين البلدين التي عقدت اجتماعها الثاني لرفع مستوى العلاقات وتطويرها، وتحدث عن تنامي العلاقات الثنائية بين البلدين. وشدد المسؤول الإيراني في السياق، في إشارة إلى عودة الدفء إلى العلاقات الثنائية، على أن عقد هذا الإجتماع في موعده المحدد يعكس جدية الجانبين لرفع مستوى العلاقات الإقليمية.
وتشير تقارير اقتصادية دولية إلى أن إيران وقطر هما المنقذ الوحيد لمنطقة الخليج من أزمة غاز محدقة، بفضل الاحتياطات الضخمة التي يمتلكها البلدان اللذان يتشاركان استغلال حقل الشمال للغاز في المياه الإقليمية المشتركة، وهو أكبر حقل غاز في العالم، ويحوي أكثر من 50 في المئة من احتياطي إيران الغازي. ويكشف الدكتور محجوب الزويري أستاذ تاريخ الشرق الأوسط المعاصر في جامعة قطر إن العلاقات القطرية الإيرانية تميزت بحيويتها خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، حيث لعب التجانس في المواقف السياسية لا سيما من الحرب على غزة عام 2007، والحرب على لبنان عام 2008، دورا في تعزيز هذه العلاقات. وأشار إلى أن الانسجام النسبي في المواقف من التطورات الاقليمية جعل العلاقة تسير في غالب الأحيان في مسار إيجابي. ويضيف أنه في الوقت الذي كانت المنطقة منقسمة إلى ما كان يسمى محور الاعتدال بزعامة مصر والسعودية والأردن، مقابل ما كان يسمى محور المقاومة والذي شمل سوريا وايران مع حركتي حماس وحزب الله، حافظت قطر ومعها تركيا على موقع وسطي أقرب إلى « المحور بين المحورين». ويؤكد الباحث أنه مع بدء ما يسمى بالربيع العربي تغيرت طبيعة ومسار العلاقات بين البلدين بسبب الموقف من الربيع العربي، وتحديدا مما حدث في سوريا. فإيران اختارت دعم النظام السوري، وقطر لديها موقف من الربيع العربي محوره احترام خيار الشعب. ويشير الزويري إلى أن التباين في المواقف انعكس على العلاقات الثنائية التي يمكن وصفها أنها تمر بحالة من البرود لم تصل حد القطيعة. وفي رده على سؤال حول تأثير التطورات الإقليمية في المنطقة على العلاقة بين البلدين، يؤكد الباحث إلى أن قطر وإيران حافظتا على مسار لا يتأثر بعلاقات كل بلد مع البلدان الاخرى طوال الفترة الماضية، الأمر الذي ينطبق على التحسن المحتمل في العلاقة بين السعودية وإيران، والذي يُستبعد أن يؤثر على مسار العلاقة بين الدوحة وطهران. ويؤكد أن الدوحة تبدو أكثر ميلا لإبقاء الأبواب مفتوحة مع الدول الأخرى ولا سيما الجوار الجغرافي والإقليمي.
من جانبها ترى الباحثة والخبيرة في الشأن الإيراني الدكتورة فاطمة الصمادي في تصريح خاص لـ «القدس العربي» أنه في الأشهر الأخيرة عادت العلاقات القطرية الإيرانية لتأخذ زخما إيجابيا، ويتركز هذا الزخم في الجانب الاقتصادي، بوجود عدد من الاتفاقيات الاقتصادية، واستثمارات ق+طرية، آخرها في مدينة بوشهر، وصفها الإيرانيون بأنها «استثمارات كبيرة». وترى أنه توجد رغبة مشتركة من جانب الطرفين لتجاوز الخلافات وتعزيز التعاون في مجالات عدة، على الرغم من إقرارهما بوجود ملفات حولها خلافات عميقة خاصة فيما يتعلق بسوريا والعراق. وتؤكد الباحثة في «مركز الجزيرة للدراسات»، مما يعزز من فرصة نجاح محاولات إعادة العلاقات إلى مستواها الطبيعي حتى قبل الحراك الخليجي الأخير: «أن قطر قبل الثورة السورية كانت لديها علاقات جيدة مع إيران، وعلى مدى العقود الماضية أي منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، ولم تصل العلاقات بين البلدين إلى حد الخصومة في اختلاف واضح عن عدد من الدول الخليجية الأخرى، وكانت الدوحة أول من دعا إلى أن يكون لإيران دور في ترتيبات حفظ الأمن في منطقة الخليج».
وتشير الخبيرة، التي صدرت لها دراسات متعددة عن الشأن الإيراني وعلاقاتها بدول الإقليم، أن المجال الاقتصادي يبدو هو المرشح لمزيد من التعاون أكثر من المجال السياسي، خاصة في مجال الغاز، حيث تأتي قطر في المرتبة الثالثة في مخزون الغاز بعد روسيا وإيران. وينتج الحقل المشترك بين إيران وقطر الغالبية العظمى من الغاز القطري ونحو 60 في المئة من إيرادات صادراته. ويعد أكبر حقل للغاز في العالم. وتأتي نسبة 80 في المئة من صادرات الغاز القطرية في شكل غاز طبيعي مسال، يصدر نحو نصفها عبر الناقلات البحرية إلى آسيا، كما تصدر قطر الغاز عبر الأنابيب إلى دولة الإمارات العربية وعمان. وهذه الخبرات لا تمتلكها إيران بفعل العقوبات التي فرضت عليها، وإن كان البعض يشكك في لجوء إيران إلى قطر، ويرون أنها ستستعين بخبراء روس لتجاوز القصور في قدراتها في مجال الغاز.
وتؤكد الصمادي أنه بعد توقيع اتفاق جنيف والحلحلة التي شهدها الملف النووي الإيراني، عرضت شركة قطر للبترول مساعدة طهران على تطوير حصتها في هذا الحقل. وإذا ما استمر الانفراج بين إيران والغرب فذلك يعني تخفيفاً للعقوبات سيكون له بلا شك تأثير على العلاقات الاقتصادية بين الجانبين خاصة وأن إيران تحتاج إلى المساعدة في مجال انتاج الغاز، وهي الخبرة التي تمتلكها قطر التي لديها منشآت متطورة على صعيد التكنولوجيا واستكشاف جيولوجيا الحقل. ولكن ذلك كله مرهون بمسألة رفع العقوبات المفروضة على إيران أو تخفيف حدتها. وفي مقاربتها للموضوع تشدد الباحثة على أن هذا التقارب الاقتصادي سيكون فاتحة لتقارب سياسي، على الرغم من عمق الخلافات.
وتضيف أن التطورات الأخيرة ترتبط أيضا بالتوجهات الإقليمية الخليجية، رغم الخلافات التي حدثت بين قطر وعدد من جيرانها. وتشير إلى أن «هناك توجها خليجيا عاما لتحسين العلاقات مع إيران، وهو ما سيترك بلا شك تأثيرا على الملف السوري بدرجة كبيرة. ولدى قطر على صعيد العلاقات السياسية أوراق جيدة في مقدمتها العلاقة مع حماس خاصة مع السعي الإيراني للعودة بالعلاقة مع حركة المقاومة الإسلامية إلى سابق عهدها، وكذلك علاقات قطر الجيدة مع تركيا».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية