القاهرة – «القدس العربي»: أثار استمرار البنك المركزي المصري في رفع السعر الرسمي للدولار أمام الجنيه جدلا واسعا في أوساط خبراء الاقتصاد الذين تباينت آراؤهم، حيث يرى البعض أن هذا القرار «صائب» وسيقضي على السوق السوداء نهائيا، في حين حذّر البعض الآخر من استمرار ارتفاع العملة الخضراء، وتداعيات ذلك على مستويات التضخم، فيما وصف آخرون قرار البنك المركزي بالسماح للدولار بالصعود بهذا الشكل لأعلى مستوياته الرسمية منذ أعوام «بأنه ذبح للطبقة المتوسطة» مؤكدين أنه لن يوقف السوق السوداء حسب ما يزعم المركزي.وقال مصرفيون إن البنك المركزي المصري سمح للبنوك بتوسيع هامش بيع وشراء الدولار ليصل إلى عشرة قروش مقارنة مع الهامش السابق وهو ثلاثة قروش.
وعقب هذه الخطوة المفاجئة بلغ الجنيه المصري في البنوك 7.59 جنيه مسجلا أدنى سعر رسمي على الاطلاق، ويأتي توسيع الهامش بعد سلسلة تخفيضات متتالية في السعر الرسمي للجنيه كان أحدثها يوم الخميس الماضي عندما خفض المركزي الجنيه ثلاثة قروش أخرى ليصل إلى 7.49 جنيه للدولار مسجلا مستوى قياسيا جديدا، ففقد خلال أسبوعين نحو 4.9٪ مقابل سعره أمام الدولار، مقارنة بتراجع الجنيه أمام الدولار بنسبة 2.4٪ خلال عام 2014 بالكامل.
وتتبع مصر أسلوب التعويم المدار في تحديد قيمة عملتها أمام باقي العملات الأخرى، ويعني التعويم المدار ترك سعر الصرف يتحدد وفقا للعرض والطلب مع لجوء المصرف المركزي إلى التدخل كلما دعت الحاجة إلى تعديل هذا السعر مقابل بقية العملات.
ومنذ نهاية 2012، يحدد البنك المركزي قيمة الدولار أمام الجنيه وفقا لسعر بيعه في العطاءات الدولارية التي يطرحها أمام البنوك لتوفير الورقة الخضراء لتلبية احتياجات السوق.
زيادة الفجوة
وقال الدكتور عبد الرحيم البحطيطي، الخبير الاقتصادي وأستاذ الاقتصاد الدولي بجامعة الزقازيق، لـ»القدس العربي» إن «البنك المركزي مرغم على رفع السعر الرسمي للدولار بسبب ضغط السوق عليه، لأنه لكي يضمن البنك المركزي ثبات الدولار لابد وان يضخ ما يكفي من دولارات وذلك لحدوث توازن بين العرض والطلب والبنك المركزي لا يملك ما يكفي من الدولارات لسد فجوة ارتفاع الدولار وانخفاض الجنيه، لأن ضخ الدولارات في السوق سوف يؤثر على الاحتياطي لديه، فمن الطبيعي ان يحدث أمر من اثنين إما أن يزيد البنك المركزي حصيلة مصر من الدولارات، وهذا الأمر يحتاج إلى الكثير من الجهد والوقت وترتيبات أخرى، والأمر الثاني هو أن يسمح البنك المركزي للدولار بالزيادة حتى يعبر عن قوى العرض والطلب ويمتص الطلب على الدولار، والبنك المركزي الآن يحاول توحيد سعر الدولار لأن لديه سعرين للدولار وهو السعر الرسمي والسعر في السوق السوداء واختلاف الأسعار يعمل على التضليل والتشويش على اتخاذ القرار الاقتصادي للمستورد والمستثمر، فلابد ان يكون هناك توحيد لسعر الصرف وهذا يفرض على البنك المركزي ان يحرر سعر الصرف ويتركه لقوى العرض والطلب».
وعن ايجابيات وسلبيات هذا القرار، قال الدكتور عبد الرحيم «أي قرار اقتصادي له تأثير على البعد الطويل والقصير الأجل، فعلى المدى القصير من الواضح ان الدولار سوف يزيد والجنيه سوف ينخفض وهذا سوف يعطي حالة من عدم الثقة في الاقتصاد، ويؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع المستوردة ومؤشر غير جيد لوضع الاقتصاد المصري، ولكن إيجابياته تتضمن في انه سيعبر عن السعر الحقيقي ويخفف من الضغط على احتياطي البنك المركزي، كما انه عند ارتفاع سعر الدولار سوف يجعل هناك ترشيدا للاستيراد بسبب ارتفاع سعر السلع وخاصة وان المستهلك لا يجاريه في الطلب عليها بسبب ارتفاع سعرها».
العجز في الميزان التجاري
من جانبها قالت الدكتورة شيرين الشواربي، الخبيرة في البنك الدولي، ومساعدة وزير المالية سابقا، لـ»القدس العربي»، «ان سبب زيادة سعر الدولار يرجع إلى العجز في الميزان التجاري مما يؤدي إلى زيادة الطلب عن العرض في السوق التي تؤدي إلى الزيادة في السعر، وكان هذا منعكسا في السوق السوداء، فإما ان يقوم البنك المركزي بالدفاع عن الجنيه بأن يضخ من احتياطي الصرف الأجنبي، وهذا لن يحدث لان الاحتياطي قليل ويكفي لثلاثة أشهر فقط ، أو يرتفع سعر الدولار أو الاثنان سويا وهو ما يحدث الآن فهناك جزء دفاع وجزء رفع للأسعار، بالإضافة إلى ان الأداء الاقتصادي استمر ضعيفا جدا لفترة طويلة وسعر الصرف لم يعكس هذا لفترة طويلة وهذا منطقي جدا، ولهذا تأثير إيجابي فقط على المصدرين. ولكن السؤال هو هل هذا يساعد على زيادة الصادرات أم زيادة أرباح بعض المصدرين؟ وما زالت هناك مشكلة كبيرة في عجلة الإنتاج في مصر وفي النهاية فإن سعر الصرف يعد مرآة للأداء الاقتصادي».
وأضافت «انه لابد من زيادة الإنتاج والتصدير وان يكون الإنتاج قابلا للتنافس وجيدا وعلى جودة عالية حتى نستطيع ان نمر من هذه الأزمة بسلام، فلابد من مساندة الجنيه حتى ينعكس هذا على الاقتصاد ويتجه نحو الصعود حيث النوعية والكمية».
خطوات إصلاحية
وقال الدكتور بلال خليل، نائب رئيس الشعبة العامة للصرافة، «إن البنك المركزي ينتهج خطوات إصلاحية من شأنها أن تحقق توازنًا بين أسعار الدولار والجنيه، وأن ارتفاع أسعار الدولار يصب في صالح أصحاب الأعمال» مشيرًا إلى «أن الدولار ربما يصل إلى 8 جنيهات» ، وناشد المواطنين بعدم إدخار الدولار لحين ارتفاع سعره، وأن تكون عمليات شراء الدولار من أجل الحاجة فقط، قائلًا: «الأشخاص الذين يدخرون الدولار لحين ارتفاع سعره سيتكبدون خسائر فادحة».
ندرة السيولة المتاحة
وأرجع الدكتور فخري الفقي، المستشار السابق لصندوق النقد الدولي، في تصريحات رفع سعر الدولار إلى ندرته، إضافة لتوصيات مسؤولي صندوق النقد الدولي خلال زيارتهم الأخيرة لمصر، حيث طلب البنك من الحكومة الالتزام بتطبيق المادة 8 من الاتفاقية المنظمة للدول الأعضاء بالصندوق، التي تنص على ضرورة المرونة في سعر الصرف مع توحيده، بعد أن وجد أن مصر بها أكثر من سعر، إلا أن رفع البنك المركزي سعر الدولار في السوق الرسمية كان له بالغ الأثر السلبي، لأنه أعطى انطباعاً سلبياً بأن الدولة لديها ندرة في السيولة المتاحة من الدولار يترتب عليه أن الفترة المقبلة ستشهد ارتفاعات في سعره.
وحذر الفقي ، من أن خطورة هبوط سعر الجنيه أمام الدولار هي في الموجة المتوقعة في الارتفاعات المقبلة في أسعار السلع والخدمات، ما يرفع معدلات التضخم لتتجاوز 12.5٪ وقد تصل إلى 13٪، وقال إن الارتفاعات في أسعار الدولار ستنتج عنها زيادة قيمة مخصصات الواردات السلعية بالموازنة العامة للدولة بنحو 2 إلى 2.5 مليار جنيه لتصل إلى 32.5 مليار.
مواقع التواصل الاجتماعي
من جهته قال محمد طه، نائب رئيس بنك القاهرة،عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي الفيسبوك «إن تحريك الدولار مقابل الجنيه، كان ضرورة، على خلفية تحرك السوق، والطلب المتزايد على العملة الأمريكية محليًا، وبالتالي كان حتميًا أن يسمح البنك المركزي بزيادته، حسب مؤشرات لديه كسلطة نقدية».
وأكد المهندس ابراهيم العربي، رئيس غرفة القاهرة التجارية، عبر صفحته على الفيسبوك «أن ما فعله البنك المركزي برفع الدولار هو محاولة لتقريب السعر الرسمي بالبنوك والسعر في شركات الصرافة».
وأكد الخبير الاقتصادي حسن هيكل، عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، «أن تخفيض سعر الجنيه وإلغاء الدعم بدون بدل بطالة وبدل تضخم وتأمين صحي، يقضيان على الطبقة المتوسطة في مصر» ، وأشار إلى «أن تخفيض الجنيه وإلغاء الدعم بدون بدل بطالة وبدل تضخم وتأمين صحي، وحتى لو فيه كروت ذكية لتــوزيع سلع، يعد ذبحًا للطبقة المتوسطة».