«الدولة الإسلامية» قد تصبح حقيقة وسط حالة التمزق

حجم الخط
0

عنوان مقالة الكاتبة ميلاني فيليبس في صحيفة «التايمز» البريطانية العريقة مؤخرا كان هجمات الإرهاب بكل ما فيها متصل بالإسلام. تبدأ الكاتبة اليهودية مقالتها بسرد الأعمال الإرهابية من أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ايلول لأحداث مدريد ولندن وممباي إلى الاعتداء على صحيفة «شارلي هبدو» الساخرة في باريس في بداية العام والأحداث الدامية التي شهدتها باريس الأسبوع المنصرم. أحداث تتسم بصفة واحدة هي أن مرتكبيها من الشباب المسلم والهدف نشر الإسلام بخوض حرب ضروس على العالم الغربي باستخدام وسائل إرهابية كالطعن وإطلاق النار وقطع الرؤوس والقنابل البشرية والأحزمة الناسفة. في سياق المقالة تدعي الكاتبة بأن المسلمين من بدأوا العنف في كشمير والشيشان وإسرائيل (لم تذكر المناطق الفلسطينية المحتلة) أو العنف الثقافي احتجاجا على نشر رسوم الكاريكاتير للرسول محمد صلى الله عليه و سلم أو تجريم الإسلاموفوبيا لاعتقاد المسلمين أنفسهم بأنهم ضحايا نظريات القتل و التأمر الضغينة.
بشكل عام ردود الفعل الإسلامية والعربية كانت أغلبها ما يسمى بالانكليزية
(knee jerk reactions) وربط الأحداث الدامية بالإرهاب الفرنسي أيام احتلال الجزائر أو بالإرهاب الغربي في العراق وسوريا والتدخلات الغربية في الدول العربية والاحتلال الإسرائيلي لفلسطين و كأن هذه الأعمال تبرر الاعتداءات الإجرامية التي أدمت باريس.
الإسلام كباقي الديانات السماوية دعا أتباعه للسلام والتعايش والسلم الأهلي والتسامح والمساواة والعدالة والمودة وقبول الآخر ومن يقوم بأعمال إجرامية بحق أناس أبرياء لا يمثل إلا نفسه تماما كحادثة إسقاط الطائرة الماليزية فوق الأراضي الأوكرانية والتي قتل فيها ما يزيد عن مائتين وثلاثة وثمانين راكبا أغلبهم هولنديون و استراليون أو الطائرة الألمانية التي أسقطت عمدا فوق جبال الألب الفرنسية وقتل فيها مائة وخمسون راكبا كلهم أوروبيون، أو عملية النرويج التي قتل فيها مائة نرويجي من رجل نرويجي متعصب ساخط على المسلمين كتعبير سخط على الهجرة الإسلامية وأسلمة أوروبا. فهل لكل هذه الأعمال الإجرامية علاقة بالديانة المسيحية.
القاعدة و «الدولة» لم تكن موجودتين أصلا في العراق وسوريا وليبيا وتونس قبل الغزو الأمريكي للعراق والتدخل الأجنبي في الدول العربية بإسقاط القذافي من قبل الناتو، ومحاولات إسقاط نظام الأسد عن طريق الناتو بشكل غير مباشر باستخدام تركيا لإدخال مقاتلين أجانب إلى سوريا بعد تدريبهم في معسكرات تركية بإشراف أمريكي وتزويدهم بالعتاد والمال وكافة أنواع الدعم اللوجستي. تنظيم «الدولة» اليوم أقوى من الكثير من الدول العربية. الأردن يعاني من عجز في الميزانية بمقدار يتجاوز العشر بلايين وأعتقد بأنه مديون للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومشاريعهم في الأردن ليست خيرية بدون مقابل وأعداد اللاجئين في الأردن بلغت أكثر من مليون ونصف لاجئ يشكلون أكثر من عشرين بالمائة من سكان الأردن. وهناك نية توطينهم محاكاة لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين التي تراوح مكانها منذ أكثر من ستة عقود ونيف، وهذا يشكل أعباء اقتصادية وصحية واجتماعية وبيئية وثقافية على بلد يعاني أصلا من عوز الإمكانيات والبنى التحتية عدا عن مشاكل أمنية. ولدي اعتقاد بأن من السهولة لتنظيم دولي عابر للقارات كتنظيم «الدولة» الإرهابي أن يرسل خلايا نائمة إلى دول الجوار ومنها الأردن على هيئة لاجئين لاستخدامهم وقت الضرورة لاثارة بلابل ونعرات وقلاقل أمنية والأردن يعاني أصلا من مشكلة أردني فلسطيني وشمالي جنوبي وشرقي وغربي تحترق تحت الرماد وتظهر للعيان من فترة لأخرى إضافة لمشكلة البطالة التي تعدت نسبتها الثلاثين بالمائة في بلد أغلب سكانه شباب.
مقارنة بالأردن تنظيم «الدولة» غير مديون بدينار واحد للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي وأي من المنظمات الدولية و التنظيم دولة نفطية قد تطالب يوما ما بمقعد في الأوبك حيث تبيع بمقدار بليون دولار وأكثر سنويا من النفط الخام وهو يسيطر على مساحة واسعة من نصف العراق وثلث سوريا وجيشه كما بدوا أثناء حرق الطيار الأردني الشهيد الكساسبة يتمتعون بلياقة بدنية وتدريب عسكري وتكنولوجي ومعلوماتي واستخباراتي رفيع المستوى وأحداث باريس الأخيرة دلت على أن أعضاء التنظيم على دراية بالمجتمع الفرنسي و قادرين على إرباك أعتى أنظمة الاستخبارات الغربية وحرف بوصلتها بل وتضليلها رغم حالة الاستنفار القصوى بأجهزة الأمن الفرنسية في أعقاب هجوم «شارلي هبدو».
السؤال كيف يمكن لتنظيم البقاء والامتداد رغما عن آلاف الضربات الجوية. الرقة صغيرة فمن يمدها بالكهرباء والماء؟ وكيف يمكن لمدارسها ومشافيها وعياداتها وأنظمتها الصحية الاستمرارية؟ وما مصلحة تركيا بزرع تنظيم «الدولة»؟ ومن هم المعتدلون المدعومون من السعودية وقطر وتركيا والولايات المتحدة الأمريكية؟ وما مصلحة نظام الأسد في بقاء التنيظم، ولمن يبيع البترول الرخيص أحد أهم موارده الاقتصادية، ومقابل ماذا ومن المستفيد من خلق فوضى خلاقة شاملة في أرجاء الوطن العربي والشرق الأوسط وتشويه صورة الإسلام والمسلمين ودمج كل الحركات الثورية التحررية في المنطقة مع حركات إرهابية مصطنعة كالقاعدة و «الدولة» تحت لواء العنف والإرهاب والتمدد الإسلامي بهدف خلق دولة خلافة إسلامية؟ وهل ما يزال البعض في وهم بأن القضية الفلسطينية ما تزال مركزية في صلب اهتمام ووجدان المواطن العربي والمسلم؟
لا أحد يتوقع إعادة الخريطة الديموغرافية والجغرافية لما كانت عليه قبل سنوات ونخشى أن تصبح دولة الخلافة المزعومة حقيقة فعلية وهناك أمثلة كثيرة عن ولادة دول على الرعب والعنف والقتل والمجازر الوحشية والابادة الجماعية والإرهاب الدولي العابر للقارات وإسرائيل ليست آخرها.

الدكتور منجد فريد القطب

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية