الدولة التي يدافعون عنها

ثمة تصور لدى قطاعٍ متسعٍ يشمل أطيافاً عدة بأن قدراً أوفر من اليقظة الأمنية والتدخل الأعنف والأبكر كانا كفيلين بإحباط ثورة 25 يناير.
وهو تصورٌ لا يقتصر فقط على أنصار مبارك ومستفيدي عصره من دوائر أصحاب المال والأعمال (جلهم لصوص، شرعيون وغير شرعيين) الذين يتكاثفون في حلقاتٍ طفيلية مرتبطة عضوياً به، وصولاً إلى الحلقة الأضيق اللصيقة بالرئيس وأبنائه، وإنما يشمل كل أولئك الذين انطلت عليهم حملة التدليس المسعورة لشيطنة الثورة والانتقام ممن تقدموا صفوفها.
وثمة تصور آخر، يمت للأول بأقوى أواصر القرابة، بأن أخطر ما قد يهدد مصر، شعباً وكياناً، هو تفتت الجيش وانهيار الدولة؛ وكما لا يخفى على أحدٍ أن ثمة دوائر تماس وتداخل بين من ترسخ لديهم كلا التصورين، خاصةً من المنتفعين شحيحي الثقافة ومنعدميها، ممن لا يؤمنون سوى بالتعامل الفظ من حبسٍ وتعذيبٍ وتكسير عظام. غير أن المحزن حقاً أن بعضاً من القوى السياسية والمثقفين الدولتيين (وأقصد بهم المؤمنين بالدولة ودورها المتعالي لا المخبرين المأجورين) يشاطرون المنتفعين ذلك التصور… كلاهما اجتمعا على انتخاب السيسي رئيساً، وكلٌ رأى فيه ما يريد، فالأولون رأوا ودعموا تطابقاً في الانحياز الاجتماعي -الاقتصادي واستمراراً لعهد مبارك، والأخيرون رأوا على ضوء أحلامهم (وأوهامهم) تجسيداً جديداً للمخلص، البطل القادم من قلب المؤسسة العسكرية ليعيد «الدولة» التي كانت، تلك القوية ذات الدور، المتشبثة بالسيادة الوطنية والراعية الداعمة للتحرر والتقدم في محيطها الإقليمي… ليس لديّ أدنى شك في أن رجال المال والأعمال كانوا أدق وأكثر واقعيةً في تصوراتهم، كما هي الحال دائماً مع من تحركهم المصالح المادية التي لا تغلبها الأحلام ولا تقيم لها وزناً…
لكن يبقى السؤال الأهم بدون إجابة، ربما لأنه لا يطرح أساساً بجدية، أي دولةٍ تلك التي يدافعون عنها؟ أين هي من مصالح الناس وهل تستحق البقاء؟ وإذ تظل تلك التساؤلات حالة دائمة وإن توارت في ضجيج الحياة اليومية وصخبها، فإنها تثور بفعل مؤشراتٍ لا ينبغي أن تفوت على أي مراقبٍ للأحداث، واستمرار مسلسل الأحداث الغرائبية بعد أربعة أعوام من الحراك الثوري.
فعلى صعيد المؤشرات هناك قضية التعذيب على يد الشرطة، وأولئك المواطنون الذين قضوا من فرط القسوة والتعذيب الوحشي. بالتأكيد، أمر التعذيب في بلداننا سرٌ معلنٌ أكثر من محطة المطار السري… أمرٌ ليس فيه بالجديد، إلا أنه لم يعد مجرد همهمة على المقاهي أو مقتصراً على جرائد المعارضة أو موضوع رواية، فقد تناولته صحيفة حكومية كـ»الأهرام» في تقريرٍ لها عن الانتهاكات في أقسام الشرطة… يتطلب الأمر قدراً فائقاً (فوق مقدرة البشر في الحقيقة) من السذاجة ليصدق أن ذلك تم انطلاقاً من حرية الرأي والصحافة الجادة، فقد علمتنا أحداث التاريخ أن ذلك الملف يتم فتحه رسمياً واللعب به حين تدعو إلى ذلك الحاجة… حين يقرر الجناح الأقوى والمتنفذ العصف بجناحٍ آخر في السلطة، ولعل المثال الأحضر في الذهن هو ما قام به السادات في هجمته على عبد الناصر وحقبته… والسؤال إذن: ما الذي يُدبر وعلى من ستدور الدوائر بعد إقصاء وزير الداخلية؟
أما في ما يتعلق بالغرائبي والكارثي فحدث ولا حرج. بدايةً، هناك تلك المداخلة لمبارك في برنامج أحمد موسى على قناة «صدى البلد» بمناسبة تحرير سيناء حيث قالها بالفم المليان «أنا لم أفعل شيئاً»، أي أنه لم يجرم ولا يتحمل مسؤولية أي فشلٍ أو قتلٍ أو فقرٍ أو قمع.. ومن يدري، فربما ينطق عن اقتناع، إلا أن ذلك يؤكد فقدانه لأي حدسٍ أو إدراك… وترى ماذا ينبغي أن أشعر وأفكر حين أسمع مداخلةً كتلك، حيث يتيه فيها مبارك كبطل تحرير، لا يقل عن سيمون بوليفار وأرى جميع رموز عهده خارج السجون ليحل محلهم شرفاء وثوار حقيقيون.. أليست تلك قمة الغرائبية؟ وماذا عن غرق مركبٍ في النيل محمل بحوالى خمسمئة طن من الفوسفات… مركب تابع للقوات المسلحة… وحالات تسسم جماعية من المياه في الشرقية، لكن مكان الصدارة بدون منافس هو لذلك الحمار المغوار الذي نجح في التسلل إلى مطار القاهرة ليفاجأ به الجمهور أمام صالة الأنتظار! وإذ ترسخت قناعة والحمد لله لدى المسؤولين بأن الحمار لم يعتمر «طاقية الإخفاء» ولم يجدوا مبرراً لإلصاق الأمر بالإخوان المسلمين (كعادتهم في إلقاء كل بلوى عليهم) فقد قرروا تفريغ شرائط المراقبة لمحاولة تفسير وجود الحمار حيث كان.
هل هذه دولة؟ وهل تستحق الدفاع عنها؟ أسأل مرةً أخرى.
أنتمي لتلك المدرسة التي تفهم «الدولة» كأداةٍ في يد الطبقة الحاكمة، ذات المال والنفوذ، تطوعها لتنفيذ مصالحها في المقام الأول، مستعينة بجهازها البيروقراطي ومحتكرةً أدوات القوة والعنف من جيشٍ وشرطة، واستخبارٍ في العصر الحديث. لعل اللبس والخوف لدى الكثيرين يتولد من خلطٍ بين الدولة ومصر، البلد والناس، وهو ما يستدعي للرد، تلك الأيام عقب انسحاب الشرطة من الشوارع والأقسام عقب ثورة يناير، حيث تكفل الناس بحماية أنفسهم عن طريق لجان شعبية ألقت القبض على المجرمين الجنائيين الفارين الذين أطلقهم الضباط. لقد قام الناس بـ25 يناير بسبب نظام مبارك… وبسبب هذه الدولة، بسبب قمعها وبطشها وفشلها، قد يحلو للبعض هذه الأيام تصوير تلك الكوارث العبثية بكونها نتاج حالة التسيب والفوضى خلال السنوات الأربع السابقة، إلا أن ذلك مبالغة وتجاهل (متعمد في أحيان كثيرة) للمنطق والواقع… إن ما نراه اليوم من انهيارٍ في المرافق وانعدام كفاءة، ما هو إلا حصاد ثلاثين عاماً من التجريف والفشل. المشكلة في هذه الدولة، بجهازها البيروقراطي المتضخم المترهل فاقد المهنية والكفاءة… في أمنها الداخلي الباطش المنفلت من أي ضوابط مهنية أو أخلاقية أو إنسانية… في جيشها الصدئ المركون طيلة ما يربو على ثلاثين عاماً ركن فيها إلى سلام «آخر الحروب» وعقيدته التي انتهجها النظام، الإخصائية المهزومة، المطمئنة بلا سبب، الواثقة في غباء.
بعد طول عطشٍ للاستقرار والأمان (مفتعلة في رأيي في جانبها الأكبر) يسوق النظام حالياً نفسه بقبضته الأمنية في بر مصر (سيناء شأنٌ آخر)، عن طريق لجان المرور المبثوثة، يتعثر فيها المرء كل عشرة أمتار… يكسب شعبيةً بضبط الأمن في الشارع ومشروعات بسيطة ظاهرة لتجميل وجه القاهرة المتهدل… لكن ذلك لا يخفي ارتفاع الأسعار ومصادرة المجال العام والقمع السياسي، وكأن نجاح ذلك التوافق بين فصائل عديدة لإيصال مرشحها، السيسي، رجل الدولة القوي القادم من عصبها الأمني- العسكري، صور لها أن ذلك تفويض بالاستئناف من حيث توقف مبارك. لقد سقط هؤلاء ضحايا تدليسهم فصدقوا فرية المؤامرة الكونية على مبارك ونظامه، لاسيما وأن انكفاء الثورة (وقتياً في رأيي) عزز لديهم قناعاتهم تلك وإصرارهم على المضي قدماً بدون تقديم أي تنازلات حقيقية ذات معنى، وإلا فبم نفسر تلك الشراسة في القمع والإجراءات الاقتصادية المعادية للطبقة العاملة في حق التظاهر وعامة الطبقات الشعبية برفع الدعم بوتيرة ومعدل لم يجرؤ حتى مبارك طول سني حكمه على الإقدام عليه رغم الضغوط؟
عقب اغتيال السادات، في فترةٍ مضطربة، خريف غضبٍ كما عمدها الأستاذ هيكل، فترةٍ حافلة بتياراتٍ سياسيةٍ شتى، جيء بحسني مبارك، نائب الرئيس الثلم الذهن من خارج سياق السياسة وحالة الغضب والقوى الساخطة، من رحم الدولة والمؤسسة العسكرية… رجل بلا تربية سياسية ولا رؤية، ولئن كان ذلك عجيباً وغرائبياً فالأعجب هو استمراره طيلة ثلاثة عقود، أصبح فيها كل غرائبي وعجيب لا يثير الدهشة ولا يتوقف عنده أحد… يسقط جسر أو يحترق قطار فيمصمص الناس شفاههم ويمضون في سبيلهم، ربما ليكونوا الضحايا المقبلين… ثم جاءت ثورة شعبية عارمة… فماذا حدث؟ مرةً أخرى، جيء برجلٍ من خارج سياق الثورة، ينتمي إلى قيادة المؤسسة العسكرية، من رحم الدولة الفاشلة.
مرةً أخرى يخرج الشعب ويعود النظام بدولته… وتستمر الكوارث والعجائب.
أربعون عاماً وخط مصر البياني في النازل…أربعون عاماً والجهاز البيروقراطي يزداد فشلاً… أربعون عاماً من تضخم الأمن وتغوله… أربعون عاماً من انحيازات اجتماعية – اقتصادية همشت وأفقرت القطاع الأوسع… أربعون عاماً من انهيار التعليم والصحة والثقافة… انهيار كل شيء…
أسأل مرةً أخرى: هل هذه دولة تستــــحق البقاء؟

٭ كاتب مصري

د. يحيى مصطفى كامل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية