«شبه دولة» هكذا وصف الرئيس السيسي مصر في كلمةٍ مذاعةٍ على العلن. لكنه لم يقف عند ذلك وإنما لعلنا جميعاً نذكر أيضاً أنه طالب آمِراً مزمجراً في خطابٍ آخر بألا نستمع لسواه مادحاً نفسه بالطبع بما تتوقعه من أنه لا يكذب إلخ، وفق ما بتنا نستطيع أن نصفه بأنه نمطٌ مكرر يبدأ بالاستعطاف واستجداء المشاعر الوطنية والخوف على مصر وعلينا، ثم ينتهي بالوعيد والتلويح بالعنف، الذي هو في حقيقة الأمر بيت القصيد.
ولأنني لا أنشد الاختلاف غرضاً، فإنني لن أجادل الرجل كثيراً وسأمرر كونها شبه دولة (وإن كنت ربما أختلف وأدقق أنها بقايا دولة، منحطة من الأساس) بل سأزيد على ذلك بأنني سأرى في دعواه السير وراءه مفتاحاً لفهم ما وصلنا إليه من وضعٍ مزرٍ.
فالحقيقة التي تتبين يومياً أننا أمامٍ بلدٍ منهكٍ مفقرٍ، ونظامٍ مأزومٍ ما تني مشكلته تتفاقم، لتشمل السياسة الداخلية والخارجية، بل وجود البلد ذاته ومقدرته على تحمل تلك الكتلة البشرية في ظل مشروع سد النهضة وما قد يؤدي إليه من تصحرٍ .
الملفات المفتوحة تحاكي الجراح الفتاكة: اقتصادٌ منهار وعملةٌ متهاوية القيمة ونقصٌ في السلع الأساسية كالسكر والأرز؛ إرهابٌ يضرب فيسقط شهداء في عمر الزهور مع تنامي الشك في صدق بيانات القيادة أو كونها تدرك ما هي فاعلة، تخبط في التحركات الخارجية عبر عنه أبلغ تعبير التصويت في مجلس الأمن على مشروعين متضاربين لمعسكرين متنافرين في ما يتعلق بالشأن السوري، ما أدى إلى توتر العلاقة مع المملكة العربية السعودية، داعمه العربي الرئيسي والأثقل بحسب شواهد عديدة، وإنه لتقصيرٌ مخلٌ في هذا السياق أن لا نعرض ونتوقف لحديث الصحافي الشديد القرب من النظام مكرم محمد أحمد، الذي كأنه كان يعتب على السعودية تسرعها وعدم تفهمها، على الرغم من رضوخ، وأؤكد رضوخ، النظام المصري بالتوقيع على التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير ( أو ترسيم الحدود البحرية بين البلدين، التسمية «الشيك») قبل هبوط طائرة الملك سلمان. في رأيي أن هذا الحديث الذي ألقاه غاضباً عاتباً لم يلق ما يستحقه، فهو يفضح ذلك التنسيق والحلف السري المعلن المفضوح بين مصر والسعودية وإسرائيل التي سيوكل إليها المهام الأمنية المتعلقة بالجزيرتين.. أمجاد يا عرب أمجاد.
أجل هي شبه دولة، بل دولة ميتة، زومبي، والمشكلة في أنها تدار وفق عقلية الرئيس الذي يطالبنا بألا نستمع لأحدٍ غيره، في بلدٍ مؤسسة الرئاسة فيه كلية القدرة والجبروت ذات يدٍ طولى كما دأب اليسار على وصفها حين كانت الدنيا دنيا وكان اليسار يساراً لا مجرد تكملة شكل ومكسبات طعم ولون من عينة «شعبي ومعارضتي» على رأي المرحوم السادات بهلوان 23 يوليو الزئبقي. وطالما أننا ذكرنا فقيد المساومات والتنازلات والرجعية العربية والعالمية وكامب ديفيد، والتمثيل الرديء أيضاً، فلا يسعنا سوى المقارنة بينه وبين الرئيس السيسي، ذلك الاستدعاء الذي لا أزعم أنني سبقت إليه، وإنما لفت نظري له رفيقٌ عزيز؛ فالرئيس السيسي كفانا مشقة البحث حين أسر لنا بأن السادات جاءه في المنام ونفحه ساعة «أوميجا». كشفٌ وبوحٌ برغبات العقل الباطن.
نجده يتصور أنه من الذكاء والدهاء بمكان بما يسمح له بالضحك على الآخرين، والتحايل عليهم إذا أردنا تسمية الأشياء بأسمائها الصحيحة، كما يحاول أن يرضي الجميع ليأخذ منهم. تصور أن كلمة «مسافة السكة» مقابلٌ كافٍ لدول الخليج العربي وعلى رأسها السعودية التي تتعرض لضغطٍ عنيفٍ من إيران، التي بات نفوذها شبه يحاوطها، والحقيقة أن المسؤولية لا تقع على عاتقه وحده وإنما على ذلك الاحتفاء به من قبل طبقاتٍ وفئاتٍ عديدة تحت تأثير إعلامٍ يحمي مصالح النظام والطبقة الحاكمة، حيث رفعه إلى مصاف المنقذ- المخلص بكل ما قد تحتمله الكلمة من استدعاءاتٍ دينية، فآمن بنفسه. ألم يخلقه الله طبيباً يشخص ويداوي، وقد شهد له بذلك الحكماء والفلاسفة فانعقدت له بذلك ولاية أهل الحجا والحل والعقد؟ هل لنا أن نتصور بعد ذلك أنه سيستمع لنصح بشرٍ فانين، هؤلاء الذين لا يكن لهم أي احترام، بل ولا يراهم سوى «كلمنجية» على دأب سابقَيه، ألا يرى أزلام بطانته يهللون لكل كلمة ويتلقون كل تصريحٍ كالدرر السنية؟ بالطبع هو لا يأبه ولا يستمع لأولئك الذين يملأون السجون ولا يلتفت إلى كون أولئك الطلقاء، وهم كطلقاء قريش بالفعل، هم نتاج سياسة حل المجال العام وسحق الحياة السياسية والتنظيمات وإرهاقها وتقريب الأفاقين وإحاطة كل رئيس برجال «تمام يا ريس». العلاقة قديمة قدم المشكلة.
تبقى مشكلة بسيطة، ألا وهي أنه ومصر ليسا وحدهما في هذا العالم وأن الذين دعموه ليسوا بالغباء الذي يتصوره، بل أن كثيرين منهم أكثر حنكةً ومراساً وخبرةً سياسية، وهم يعرفون بدقة ما يريدون وفيم ينفقون أموالهم. قد دفعوها في مقابل تحجيم حراكٍ ثوريٍ في البلد الأكبر قد يمتد إلى عروشهم فيعصف بها ومن أجل الدعم والتنسق السياسي والعسكري متى احتيجا. وقد ظهرت الحاجة ولم يفِ السيسي بالمقابل، فهو لم يرد ولم يسع للتورط إقليمياً، إذ يدرك أنه لا طاقة له على ذلك، (وقد يحسب ذلك له) إلا أن ذلك لا يسقط ما يحسبه داعموه استحقاقاً، خاصةً تحت وطأة تعثر العمليات العسكرية في اليمن، وانسداد آفاق الحل السياسي في كلٍ من سوريا واليمن وانخفاض سعر النفط، بما لذلك من تأثيرٍ مدمر على اقتصاديات دول الخليج التي يعتمد أغلبها على مداخيله، وبالتالي فإن ذلك المزيج السام من العصاب والبارانويا والحماسة الوطنية التي تصب في الداخل المصري لن يفيد هذه الدول وليس هو ما ننتظره منه مقابل الدعم السخي الذي تم تعميده كـ»أرز».
هكذا هو الحال دائماً، فكل تأجيل وترحيلٍ للأزمات لن يجعلها تتأخر وإنما تتضخم. فسوء الإدارة والفشل يشكلان قاسماً مشتركاً بين كل الملفات.
بالفعل لقد تم استدعاء السيسي، لكن من قبل طبقةٍ ذات مصالح تتعارض مع الثورة وأنفقت على ودعمت كل ما من شأنه أن يغدر بها ولم تجد محيصاً سوى استدعاء أداة العنف الأكبر لديها ليكمل المشروع نفسه بالانحيازات نفسها (ربما فاجأها بتنامي حصة المؤسسة العسكرية). لكن ذلك لا ينفي إفلاس هذه الطبقة وضعفها وجشعها الذي يمنعها من أي مرونة أو حتى تقديم تنازلات، كما لا ينفي غياب الرؤية والتصورات للخروج من الأزمة. لا يعني ذلك أن الحلول منعدمة إنما يعني أن تلك الطبقة لن تقدم عليها وما قاله مكرم محمد أحمد هو تعبير عن السياسة والانحيازات الاجتماعية-الاقتصادية والسياسية الحقيقية، ما وراء الوجاهة والمبادئ. مازالت الملفات مفتوحة والأزمة تتعمق: اقتصاد منهار وإرهاب وقمع سياسي وتفريط في السيادة. الحلقة تضيق حول السيسي( الذي أصبح «كارت» محروقا) والطبقة الحاكمة والسؤال هو: إلى متى يسعفهم الحل التقليدي من الشحن الوطني والمزيد من العنف مطيلاً في عمر النظام؟
كاتب مصري
د. يحيى مصطفى كامل