الدولة الكردية: الحلم المشتت

حجم الخط
2

بدايةً نحن لسنا ضدّ إرادات الشعوب في تقرير مصائرها، ولكن نطرح هنا تحليلاً لموضوع الاستفتاء الذي تنوي حكومة إقليم شمال العراق طرحه في أيلول/ سبتمبر الجاري. يقول مسعود البارزاني رئيس الإقليم في تصريح له عام 1999 ((لا نحن طلبنا الانفصال ولا الظروف ناضجة لذلك))، فهل أصبحت الظروف الدولية والإقليمية مهيأة لقيام دولة كردية في شمال العراق؟
على مرّ التاريخ لم تكن العلاقات الكردية مع الحكومات العراقية المتتابعة على وفاق، فقد كان الصراع العسكري هو السمة الغالبة لتك العلاقات، منذ أول حكومة هاشمية في عهد الملك فيصل الأول، حيث قام الضابط الكردي بكر صدقي عام 1937 بأول انقلاب في المنطقة العربية، ضد الحكومة العراقية بهدف إقامة دولة كردية ولكن لم يُكتب له النجاح، حيث اغتيل قبل أن يحقق حلمه. وكان التدخل الدولي في الصراع الكردي – العراقي، حاضراً بقوة، بدءاً من مساندة الإنكليز للحكومة العراقية ضد تمرد الأكراد بقيادة الملا مصطفى البارزاني في 8 أب/أغسطس 1945، وتمّ احتلال منطقة الزيبار عسكرياً وكذلك احتلال منطقة بارزان، يُذكر بأن الملا البارزاني أسس حزبه ((الحزب الديمقراطي الكردستاني)) عبر موافقة وزارة الداخلية العراقية عام 1960. وكان الملا البارزاني قد شارك مع قاضي محمد في محاولة إقامة دولة كردية في إيران ((جمهورية مهاباد)) حيث كان الملا يتولى وزارة الدفاع فيها، ولكن تمّ وأدها في عام 1949 حيث لم تعش سوى تسعة أشهر. وجاء التدخل الإسرائيلي ليدخل على خطوط الصراع بين الأخوة الأعداء (الأكراد والعرب). لقد وقف الاتحاد السوفياتي مع الأكراد ضد حكومة بغداد في ستينيات القرن الماضي رداً على المجازر التي ارتكبت بحق الشيوعيين وعلى مذابحهم بحق التيار القومي في ثورة عبد الوهاب الشواف.
واستمر الصراع حتى حرب الخليج الثانية (1991)، حيث وفرت قوات التحالف الدولي آنذاك للأكراد الملاذ الأمن (بروفايد كمفورت). وفي فترة حكم عبد الكريم قاسم (1958- 1963)، وخليفته الأخوين عبد السلام وعبد الرحمن عارف، لم يعترف للأكراد بأي حقوق تذكر. وقد عاد البارزاني من موسكو بناءً على برقية من عبد الكريم قاسم إلى بغداد… وفي العام 1960 بدأ الملاّ مصطفى البارزاني بالحرب ضد عبد الكريم قاسم، والذي ردّ في 11 أيلول/ سبتمبر1961 بغارات جوية على منطقة بارزان. عندها أعلنت القاهرة معارضتها للحرب، وكان رئيس الوزراء العراقي آنذاك (1966) عبد الرحمن البزاز قد طرح بتاريخ 29 حزيران/ يونيو 1966 مشروعاً جدياً لحلّ المشكلة الكردية – والبزاز شخصية قومية عربية ناصرية مدنية تولت رئاسة الحكومة العراقية في ذلك الوقت- وقد قبل البارزاني تلك المبادرة، ولكن ما لبث أن أُطيح بالبزاز على أيدي الرئيس عبد الرحمن عارف، وجنرالاته الذين اجتمعوا على نقل السلطة من العسكريين إلى المدنيين. وقد ساهم أنصار (عارف) مع البعثيين وحركة القوميين العرب والناصريين في انقلاب 8 شباط (1963). وتمّ إعدام قاسم؛ وإعلان النظام الجديد عن حلٍّ للقضية الكردية في العراق. ونستطيع القول إنّ الأكراد والحكومات العراقية، كانت علاقاتهم تتجه من الخصام إلى الوئام، ومن المعارك إلى التحالف، فعندما يجد كلا الطرفين موقفه قوياً يهاجم الآخر. وقد كانت مشكلة الحدود العراقية – الإيرانية سبباً مباشراً في الدعم اللامحدود للحركة الكردية من قبل إيران، بزعامة الشاه محمد رضا بهلوي وحليفتهُ الولايات المتحدة الأمريكية أثناء رئاسة كل من الرئيس ريتشارد نيكسون الذي قدم للملاّ مصطفى البارزاني مبلغ (20) مليون دولار.
يُذكر أنّ مصطفى البارزاني كان يعيش في منفاه السوفيتي لمدّة 12عاماً، الذي فرّ إليه إثر انهيار جمهورية مهاباد (في شمال إيران)، وشارك البارزاني في قيام تلك الجمهورية إلى جانب قاضي محمد قبل أكثر من عشر سنوات من تاريخ ثورة تموز/يوليو 1958 في العراق.
وعلى الرغم من ذلك يقول صَدَّام عن الأكراد:(( الكردي إذا وعد صدق في وعده)). لقد تتالت اتفاقات الهدنة ووقف النار والمقترحات الحكومية لحلّ المسألة الكردية، من خلال رئاسة عبد الكريم قاسم (1958) وعبد السلام وعبد الرحمن عارف (1963-1968) وأحمد حسن البكر (1968-1979) وصدام حسين (1979-2003) حيث تحالف صدام حسين مع الأكراد، وسحب البساط من تحت أقدام خصومه حين وقع مع الملا مصطفى البارزاني اتفاقاً في الحادي عشر من آذار/ مارس 1970، يقضي بمنح المنطقة الكردية حكماً ذاتياً في إطار الجمهورية العراقية، وكانت الحكومة العراقية قد أعطت الأكراد حقوقاً لا يستهان بها من خلال بيان 11 آذار/ مارس 1970 الشهير الذي أعطى للأكراد حق إقامة حكم ذاتي للمنطقة الشمالية من البلاد. ضمن نطاق الجمهورية العراقية، وحسب قانون الحكم الذاتي بمواده الـ 15، في مقابل قطع الملا مصطفى البارزاني العلاقة مع إيران ودول أخرى أرادت اللعب بالورقة الكردية. حيث نصت المادة الأولى من قانون الحكم الذاتي على أنّ:
آ- تتمتع منطقة شمال العراق بالحكم الذاتي وتسمى المنطقة حيثما وردت في هذا القانون.
ب- تحدد منطقة الحكم الذاتي حسب قيود إحصاء 1957 و 1958.
ج- تعتبر المنطقة وحدة إدارية واحدة ولها شخصية معنوية تتمتع بالحكم الذاتي في إطار الوحدة القانونية والسياسية والاقتصادية للجمهورية العراقية.
د- المنطقة جزء لا يتجزأ من أرض العراق ، وشعبها جزء لا يتجزأ من شعب العراق.
وفي المادة الثانية:
آ- تكون اللغة الكردية لغة رسمية إلى جانب اللغة العربية في المنطقة.
ب- تكون اللغة العربية إلزامية في جميع مراحل التعليم ومرافقه.
ج- يخضع التعليم في جميع مراحله في المنطقة للسياسة التربوية والتعليمية العامة للدولة.
وحُدِدَتْ مدة أربع سنوات لتنفيذ المعاهدة كاملة. وقد أقيمت الاحتفالات بالمعاهدة التي أنهت الصراع بين الأكراد والحكومة المركزية في بغداد. وجاء في المعاهدة أيضاً أن يكون هناك نائب كردي للرئيس، وأن يكون هناك نواب في المجلس الوطني العراقي حسب عدد الأكراد. فكان (الكرديان) طه محيي الدين معروف نائباً للرئيس وعدد من الوزراء مثل الوزير عبيد الله البارزاني وغيرهم من الأكراد.
ومن أجل بيان 11 آذار/ مارس 1974 صدر القرار 247 بتعديل الدستور العراقي المؤقت بحيث أضيفت إلى المادة الثامنة فقرة جديدة.
( حَ- تتمتع المنطقة التي غالبية سكانها من الأكراد بالحكم الذاتي وفقاً لما يحدده القانون ).
لكنّ الاتفاق مُني بالفشل حين أرسلت بغداد من حاول اغتيال الملا مصطفى في عقر داره. وعادت الاضطرابات إلى المنطقة الشمالية من العراق، والتي يتواجد بها الأكراد، فقام صدام بحركة بارعة بالالتفاف على تمرد الأكراد حين عقد اتفاقا مع شاه إيران عام 1975، بمباركة الرئيس الجزائري الأسبق الراحل (هواري بومدين) تخلّى العراق بموجبه عن جزء من شط العرب لإيران، مقابل أن توقف طهران دعمها لأكراد العراق، بتوجيه من الولايات المتحدة الأمريكية أثناء رئاسة ريتشارد نيكسون ووزير خارجيته هنري كيسنجر والذي زار بغداد سراً واجتمع مع صدام حسين (نائب البكر) لمناقشته حول اتفاق الجزائر قبل أن يتم توقيعه؟! حيث انتهى التمرد الكردي وغادر البارزاني العراق إلى موسكو ومن ثم إلى أمريكا ومات هناك وحيداً(1975). وقد قام الجيش العراقي بحملة قاسية إثر انهيار المفاوضات بينهما في نهاية الستينيات، حيث وقف السوريون يومها مع العراقيين ضد أكراد شمال العراق.
وقد كان صدام قبل أن يصبح رئيساً عام 1979 مسؤولاً عن مسألة الأكراد، ولعب دوّراً أساسياً من جانب بغداد في عملية التسوية مع الأكراد، لقد كان صدام حسين عندما تولى الرئاسة عام 1979 صلباً في مواجهة كثير من القضايا، وقد بلغت صلابته في أحيان كثيرة حد القسوة وقوة الإرادة الأقرب إلى الاستبداد والتعنت والاستعداد للمجازفة والتهور وبلوغ الهدف مهما كان الثمن، وامتزج كل ذلك بغموض خطر. لقد قاد صدام صراعاً وتفاوضاً مع الأكراد، كان يتصرف حسب ميزان القوى الإقليمي والدولي، فقد هادن الأكراد عندما غزت جيوشه الجرارة الكويت في 2 أب/ أغسطس 1990، وكان زعماء الأكراد يستنجدون بصدام حسين عندما يشتد القتال بينهم، ولكنّهم قادوا تمرداً ضده في آذار/ مارس عام 1991 عندما لاحظوا أنّ قواته أصبحت مُنهَكَة. وفي عام 1996 دخلت قواته إلى شمال العراق بطلب من مسعود البارزاني للوقوف ضد جلال الطالباني أحد زعماء الفصائل الكردية في الشمال.
يقول السياسي والصحافي الروسي (يفغيني بريماكوف) حول سياسة صدام التفاوضية مع الأكراد:(( في أوائل عام 1970 حين أخذ ميكانيزم المفاوضات مع الأكراد في العمل وحانت خطة توقيع اتفاقية الصلح، قال صدام حسين فجأة: لا أستطيع توقيعها، فهل هناك ما يضمن عدم قيام الأكراد ببدء الحرب مجدداً؟ أجبته لا توجد ضمانات بهذا. ولكنّ الأكراد إذا انتهكوا الاتفاقية بينما تلتزم بغداد بشروطها فإنهّم حينئذ سيدخلون الحرب بدون أي تأييد من الاتحاد السوفياتي، والكثير من القوى الدولية الأخرى، فهل هذا عديم القيمة؟)).
يقول الكاتب الصحافي السوري غسان الإمام: «إنّ بعض مساعدي صدام قالوا لي مراراً: إنّ صدام كان مستعداً في التسعينيات لقبول دولة كردية مستقلة في شمال العراق، لكنّ مسعود البارزاني رفض ذلك بعد مفاوضات مع الأمريكيين». اليوم يبدو أن الأكراد في شمال العراق لديهم ضمانات من تحت الطاولة من الأمريكيين، لا بل يقول مسعود البارزاني بأن الأمريكيين هم من شجعنا على الانفصال عن الدولة العراقية.
أمَّا أهم المعوقات بالنسبة للدولة الكردية الموعودة فهي أنها لا يمكن أن تعيش دون الحيز العربي المجاور وحتى الإقليمي (تركيا- إيران) لنرى قطر في الحالة الخليجية أُربِكتْ خططها الاقتصادية قرارات الحصار التي فرضت بحقها وهي تملك من الإمكانات ما يفوق عشرات المرات ما يملكه إقليم شمال العراق. وستقف تركيا ضد الاستفتاء المزمع إجراؤه في الخامس والعشرين من أيلول/سبتمبر الجاري. ربما سيؤجل للعام المقبل بضمانات مكتوبة حسب القادة الأكراد 19/8/2017) وما يؤكد ذلك تصريح المسؤولين الأتراك بأن الاستفتاء في شمال العراق سيؤدي إلى نشوب حرب أهلية في العراق. والجدير ذكره أنّ تركيا تعتبر شمال العراق ضمن الخريطة التركية، حيث أرادت منذ عام 1920 الاحتفاظ بولاية الموصل العراقية (الدولة التركية مازالت تخصص من ميزانيتها السنوية كل عام ليرة واحدة تركية تأكيداً على تركيتها)، والتي تضم محافظات (كركوك- السليمانية- أربيل- دهوك).
على الأكراد التفكير بحذر تجاه دول الجوار المحيطة بهم وتجاه حكومة المركز، حيث هناك مخاطر جمّة تحيط بهم والاستقلال أو حتى الاستفتاء لا يمكن أن يمر دون تعقيدات مع تلك الدول.
هناك مشاكل بين حكومة المركز والإقليم حول (سنجار، خانقين، سهل نينوى)، والإقليم لا يمكن أن يقطع علاقاته مع المركز، هناك الطاقة والتجارة وهناك الأهم العلاقات الاجتماعية التي لا يمكن لأحد إلغاءها. وهل القيام بالاستفتاء يخالف الدستور العراقي؟ ومن يخالف الدستور؟ بغداد أم أربيل؟

صحافي وكاتب سوري

الدولة الكردية: الحلم المشتت

عبد الرحمن مظهر الهلوش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية