الدولة المغربية تعترف بخطئها بوصف الريف بالانفصال والخيانة

حجم الخط
12

في ظرف أيام قليلة بدأت الدولة المغربية تعترف بارتكاب أخطاء فادحة في معالجة الحراك الشعبي في الريف، وهذا الاعتراف هو إدراك متأخر بخطورة الوضع المتمثل في النتائج الوخيمة المترتبة عن وصف الريفيين بالانفصاليين والخونة. لكن يبقى التساؤل هل ستكون هناك محاسبة سياسية حقيقية للمتسببين في هذه الأزمة العميقة.
منذ اندلاع الحراك الشعبي في الريف خلال أكتوبر الماضي، روجت أجهزة في الدولة المغربية لفرضية رغبة تيارات ناشطة في الحراك الشعبي في الريف في الانفصال عن المغرب. وتولت أقلام إعلامية معينة ومن يصطلح عليهم بالمحللين الاستراتيجيين الدائرين في فلك المخزن، تعزيز هذه الفرضية وتأكيدها في ندوات ومقالات إعلامية وفي قنوات التلفزيون. وكان المنعطف خلال مايو الماضي، بقيام الأحزاب المشكلة للحكومة مثل، العدالة والتنمية الإسلامي والتقدم والاشتراكية الشيوعي باتهام الحراك الشعبي في الريف رسميا بالانفصال، وساهمت وسائل إعلام أجنبية في نشر تقارير نسبتها إلى المخابرات المغربية، دون تكذيب الأخيرة لهذه الأخيرة.
وقتها ارتفعت أصوات ومنها صوت كاتب هذا المقال، إلى التنبيه إلى أن الدولة تلعب بالنار بلجوئها الى هذه الأطروحة. ومرد ذلك الى سهولة توظيف هذا الاتهام ضد شخص، لكن هناك خطورة بتوظيفها ضد منطقة كاملة، وضد إثنية خاصة، إذا كانت فخورة بتاريخها العريق في مواجهة الغزو الأوروبي طيلة قرون مثل، حالة الريف في مواجهة المستعمر الإسباني. ويكفي أن أكبر هزيمة في التاريخ العسكري الإسباني، خلال القرون الأخيرة، حدثت في الريف المغربي خلال بداية العشرينيات من القرن الماضي، على يد الجيش الريفي بقيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي، حرب أنوال المجيدة سنة 1921.
تلك الاتهامات أججت الحراك الشعبي في الريف، رغم اعتقال الدولة قرابة 200 ناشط سياسي واجتماعي في الحراك، وسيطر الذهول على الرأي العام بعدما لم تقدم الدولة أي دليل على الانفصال، سوى توصل بعض الناشطين وعددهم لا يتجاوز الثلاثة أو الأربعة بمبالغ مالية لا تتجاوز 3000 درهم (300 دولار) من طرف أصدقاء ومعارف لهم. والجميع يتساءل، هل مبلغ 300 دولار سيضرب وحدة وطن؟
والآن بدأت الدولة تعي خطورة الأمر، بعد دخول الحراك شهره الثامن. في هذا الصدد، قال رئيس الحكومة سعد الدين العثماني في حوار مع التلفزيون الرسمي المغربي السبت الماضي، إن اتهام الريفيين بالانفصال كان خطأ فادحا. وبعد مرور يومين، الاثنين من الأسبوع الجاري، يدلي عباس الجيراري وهو مستشار للملك محمد السادس، بحوار مثير مع جريدة «الصباح» مشيرا إلى فشل مؤسسات الدولة، خاصة الحكومة في إيجاد حل للحراك، ولم يحبذ تدخل الملك محمد السادس لأن تدخله لا يضمن نهاية للحراك. كما تساءل عن دور الأحزاب والنقابات التي لم تقدم شيئا حتى الساعة. وعلاوة على الاعتراف بالخطأ، يبقى أخطر ما جاء في حوار المستشار الملكي هو اعترافه بأن تدخل الملك قد لا يضمن حل المشكل، وهذا يعني مباشرة عدم قدرة أو صعوبة كل المؤسسات على إقناع ناشطي الريف بما فيها الملكية. وهذه أول مرة يشير مسؤول الى العجز الشامل لكل مؤسسات الدولة لحل نزاع ذي طابع اجتماعي أكثر منه سياسيا.
وأمام هذا الوضع الخطير، تصبح الدولة مطالبة بفتح تحقيق جدي وعميق حول ما هي الجهة الرسمية التي وظفت وسائل الدولة لاتهام الريفيين بالانفصال، لأن هذا الاتهام هو تلاعب حقيقي باستقرار البلاد. إذ لا تمتلك هذه الجهة نظرة مستقبلية، فكما فشلت في التكهن باندلاع الحراك واستمراره لشهور، ولجأت الى الحل الأمني المتمثل في الاعتقالات، فشلت في رصد الانعكاسات الخطيرة لهذا الاتهام على مستقبل البلاد، لكن الإدراك بالخطورة جاء من جهات رسمية أخرى تحاول الآن تدارك الوضع وتصحيح ما يمكن تصحيحه.
إن سوء تصرف الدولة، أو التيار الأمني المتطرف، بدأ يؤدي الى نتيجة وخيمة على مستقبل البلاد، وهو بدء تبلور خطاب سياسي لدى بعض الريفيين من الجيل الثاني والثالث، الذين يرون في الدولة المغربية قوة استبداد ويفضلون التعاطف مع الإثنية التي ينتمون إليها على وطن اسمه المغرب. هذه الشريحة صغيرة جدا لكن من يضمن المستقبل؟ ومعظم النزاعات الاثنية التي تؤدي الى بروز حركات الاستقلال أو الانفصال تعتمد المظلومية التاريخية، وتساهم أخطاء الدولة في تغذيتها، بل المساهمة الفعالة في تطورها. إن لجوء أطراف أمنية في الدولة المغربية باتهام الريفيين، عمل متهور بكل المقاييس، لأنه صادر عن جهات تؤمن كثيرا بفكر المؤامرة، وتعتقد في تعرض البلاد لمؤامرة من أطراف داخلية وخارجية وتقدم نفسها بمثابة المنقذ للبلاد وللمؤسسة الملكية. متعارف عليه في العلاقات الدولية سعي بعض الدول الى إضعاف أخرى، خاصة تلك المتواجدة في محيطها الإقليمي. ولهذا لا يمكن التعجب إذا كانت الجزائر واسبانيا تفضلان مغربا ضعيفا، وهذا ليس بجديد. لكن في ظل الظروف الحالية، العدو يوجد في الداخل. نعم، المغرب يعاني من الخيانة، لكنها تلك الصادرة عن أشخاص وهيئات ساهمت في تدهور مختلف القطاعات الاستراتيجية للبلاد، وهي التعليم والصحة والشغل وفقدان المواطن للكرامة. هذه هي القطاعات التي تمنح أي دولة القوة أو الضعف في الخريطة السياسية الدولية.
تدهورت هذه القطاعات في المغرب بشكل فظيع، وبتركيزه على أجندة اجتماعية متمثلة في المطالبة بالتعليم والصحة والشغل والكرامة، يكون الحراك الشعبي الريفي قد نبه الدولة الى تصحيح قطار المستقبل، لأن الحراك هو صرخة ضد الخيانة التي يتعرض لها الريف ومجموع المغرب، صرخة ضد الذين جعلوا المغرب في المركز 123 في التنمية البشرية دوليا، وقضوا على كرامة مواطنيه ونشروا اليأس في البلاد.
كاتب مغربي من أسرة «القدس العربي»

الدولة المغربية تعترف بخطئها بوصف الريف بالانفصال والخيانة
 
د. حسين مجدوبي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية