الدولة الواحدة لن ترث الدولتين بعد لفظها آخر أنفاسها

حجم الخط
0

الناصرة ـ «القدس العربي»: في 1996 احتل بنيامين نتنياهو ديوان رئاسة الوزراء بعدما تفوق على رئيس حكومة وزعيم أسطوري يدعى شيمون بيريز وكان سر نجاحه الأساسي الهجوم على تسوية الدولتين المعتمد في اتفاق أوسلو. جاء ذلك ترجمة فعلية لرؤيته الأصلية الواردة في كتابه «مكان تحت الشمس». وبعد عودته لرئاسة الحكومة في 2009 بادر لارتداء قناع والتظاهر بقبوله تسوية الدولتين تزامنا مع انتخاب باراك أوباما رئيسا للولايات المتحدة قبل ذلك بعام. وقتها رحبت أوساط اليسار الصهيوني بـ «التغيير الكبير» لدى نتنياهو معتبرة تسوية الدولتين مصلحة استراتيجية لإسرائيل وفي المقابل تعرض لحملات شرسة من قبل أوساط اليمين التي خشيت أن يكون نتنياهو الثاني قد غير جلده وخان جمهور منتخبيه. أمام الحملات الشرسة خرج والد نتنياهو وهو مؤرخ صهيوني متشدد للدفاع عن ولده بالقول للقناة الثانية إن ما أدلى به من تصريحات ليس سوى تكتيك كي يحول دون تصادم إسرائيل مع الولايات المتحدة مؤكدا على أن نتنياهو الابن مصمم على رفض حل الدولتين باعتبار أن الضفة الغربية هي لب «أرض إسرائيل». ومن وقتها ملأ نتنياهو الفضاء تصريحات عن التزام إسرائيل بتسوية الدولتين ولكنه على الأرض لم يقم بخطوة واحدة تدعم صدق نواياه ماضيا في إستراتيجية إدارة الصراع مع الفلسطينيين وكسب الوقت لتكريس حكمه دون قلاقل وعلامات سؤال. فعل نتنياهو ذلك من خلال وضع العصي في دواليب عربة المفاوضات باشتراطات تعجيزية حتى أفرغها من مضمونها وصارت ثرثرة إعلامية حتى ما توقفت بالكامل جراء إصابتها بالشلل. اتهم نتنياهو الفلسطينيين برفض الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية وبرفضهم استنكار «الإرهاب» تارة وبالزعم تارة أخرى أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس غير قادر للتقدم بالمفاوضات بأحسن الحالات.
وعملا بمبدأ إلقاء الكرة في الملعب الفلسطيني من أجل الفوز بالمعركة على الرواية وظف نتنياهو فشل المفاوضات بين السلطة الفلسطينية وسابقيه إيهود براك وإيهود أولمرت للإدعاء بأن الفلسطينيين لا يريدون السلام مهما قدم الاحتلال من «تنازلات». وهكذا تبنى نتنياهو فرية اللاشريك الفلسطيني التي ابتدعها براك بعد انهيار مفاوضات كامب ديفيد 2000. وربما تنبهت السلطة الفلسطينية لضرورة النظر لما تصنعه أيدي نتنياهو من تهويد واستيطان بدلا من سماع ما يلهج به لسانه من ترهات وذرائع وتسويف بيد أنها واصلت ملاحقة «العيار لباب الدار» على أمل استئناف المفاوضات أو إحراج إسرائيل. المؤكد أن العالم حذا حذو الولايات المتحدة واكتفى بضرائب شفوية بدلا من إلزام نتنياهو عبر خطوات فعلية وعقوبات من أجل احترام اتفاق أوسلو والقرارات الأممية وإنهاء الاحتلال. مع انتخاب دونالد ترامب واستخفافه المبطن بتسوية الدولتين وترك الخيار للاحتلال أن يترك احتلاله على غرار مطالبة القط بترك اللبن الماثل أمامه كشف نتنياهو مجددا عن حقيقة أطماعه وموقفه حيال الصراع. واعترف بموقفه الأصلي بتكرار قوله منذ بدء العام إنه ليس مستعدا لإقامة دولة فلسطينية مستقلة تماما، وإن ما يستطيع إعطاءه للفلسطينيين هو ليس دولة كاملة الصلاحيات. وكأنه بذلك يقدم هدية للفلسطينيين. زعم نتنياهو أن ما يستطيع إعطاءهم هو ليس تماما دولة كاملة الصلاحيات، وإنما أقل من دولة ولذلك فإنهم لا يوافقون على ذلك.

حزب الليكود
يعارض حل الدولتين

وجاءت تصريحات نتنياهو الأخيرة بعد توضيح الوزير المتطرف اوفير اوكونيس (الليكود) بأنه خلافا لنتنياهو، يعارض حل الدولتين، وأن هذا هو موقف حزب الليكود. ورد نتنياهو مدعيا أن اوكونيس لا يفهم موقفه في موضوع إقامة الدولة الفلسطينية، وقال له: «أنا متأكد من أنك لو سمعت موقفي بالتفصيل لما كنت ستعارضه». ولم يمر أسبوعان عن قوله هذا حتى قال من استراليا حيث ينهي غدا الإثنين زيارة رسمية لها باح علانية بما يضمر به بتأكيده رفض الدولة الفلسطينية لافتا لقبوله حكم ذاتي فقط متبنيا بذلك ما دعا له أول رئيس حكومة في إسرائيل عن حزب «الليكود» الراحل مناحيم بيغن.
في الواقع نتنياهو ليس العقبة الوحيدة في إسرائيل أمام تسوية الدولتين فنصف الإسرائيليين على الأقل يرفضونها أو يقبلون بها قولا دون أي فعل حقيقي فيما تواصل حكوماتهم المتعاقبة بتسمين الاستيطان الذي تضاعف ثلاث مرات منذ توقيع اتفاق أوسلو نتيجة سياسات فرض الحقائق على الأرض تحت غطاء ساتر يدعى مفاوضات السلام في الشرق الأوسط. وثمة معطيات عربية تواصل تغذية الجشع الإسرائيلي تكمن بانشغال العرب بمسائل داخلية أو تجاهل الاحتلال والتقرب من إسرائيل ضد «العدو المشترك» الجديد، إيران.
ولا شك أن حالة الانقسام الفلسطينية تنطوي على تبعات مدمرة من هذه الناحية أيضا فقد تسببت في لامبالاة العالم بمن فيه أصدقاء الفلسطينيين وانشغالهم بما يلهيهم عن مقاومة الاحتلال وإلزام إسرائيل للتقدم لمائدة المفاوضات وقبول الحد الأدنى من التسويات المتمثلة في حل الدولتين الذي يقضم وطنهم بنسبة 78 ٪. كما كان متوقعا تمضي ماكينة الدعاية الإسرائيلية في توظيف الانقسام الفلسطيني لتبرير موقفها ائتلافا ومعارضة أن تسوية الدولتين غير ممكنة الآن نظرا لعدم نضوج الحالة الفلسطينية لها في ظل وجود دولتين واحدة في رام الله وأخرى في غزة. كما تدلل تجربة الصراع وتجارب أخرى طبعا على أن عمر الاحتلال حينما يكون مجانيا ويقصر نتيجة اضطرار المحتلين إلى تسديد أثمانه المختلفة. على خلفية المعطيات العالمية، الإقليمية والعربية والفلسطينية لا يلوح في الأفق ما ينقذ تسوية الدولتين من الموت السريري والأهم هو حقيقة أن من يظن أن البديل للدولتين هو الدولة الواحدة فإذا كانت إسرائيل غير مستعدة سياسيا لقبول الفلسطينيين جيرانا لها فكيف ستقبل بهم شركاء داخل شقة سكنية واحدة؟ حتى لو رفضت السلطة الفلسطينية التسليم رسميا بهذا السيناريو فإن الواقع سيفرض نفسه عما قريب وسيجدون أنفسهم على طرفي الخط الأخضر في مواجهة إسرائيل الكبرى المعتمدة على نظام فصل عنصري (أبرتهايد) رغم الجزر والإمارات الفلسطينية التائهة في بحره الواسع فهل يستعد أصحاب الحق لبلورة خطة ملائمة للوضع السياسي الناشئ أم سيتركون نهر الأيام يجرفهم إلى حيث ما شاءت مياهه؟

الدولة الواحدة لن ترث الدولتين بعد لفظها آخر أنفاسها

وديع عواودة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية