الدياسبورا العربية الإسلامية وفشل الاندماج الجزئي في أوروبا

حجم الخط
2

كشفت الأحداث الأخيرة التي هزت فرنسا، عن حالة التسيب والترهل المستديم والمتقدم الذي يعرفه وضع الدياسبورا الإسلامية والعربية في بلاد المهجر، لاسيما في الغرب، حتى بات معه سهلا على محركي شطرنج لعبة الصراع الدولي أن يحولها إلى «جوكر» فعلي وفعال في إدارة اللعبة خارج قوانينها وطبيعتها حتى، لفرط بقاء هؤلاء العرب والمسلمين خارج سياق شرط الوجود التاريخي في موزاييك المجتمعات المركبة على أسس الهوية والمصير، بسبب عدم قدرتهم على إفراز فكر تعايشي ينفصل عن جغرافية هوية الوطن الأم، ولا يرتبط بالضرورة في بعض من جزئيات الهوية الثقافية للمكان، وعليه يتضح مدى الفشل الكبير الذي لحق انتلجنسيا الغربة التي كان يفترض، بحكم الحريات والإمكانيات المعرفية التي وفرها لها مكان الاغتراب، أن تكون مصدر انتصار للهوية لا سبب انكسار.
صدام الهوية وهوية الصدام
كيف يمكن فهم حالة الصدام التي سيقت إليها هوية «المهجر» ضد هوية بلد الاستقبال، بعد أزيد من خمسة أجيال في عمر التعايش المكاني؟ هو ذا السؤال الذي كان يتوجب أن يغدو مرتكزا لتفكيك لغز المنقلب الذي آلت إليه العلاقة بين المهاجرين العرب والمسلمين مع غيرهم في بلاد المهجر، إذ رغم ارتياد المدارس العامة والخاصة للبلد ذاته والتحدث اللغة ذاتها والتفاعل الواحد الموحد في الفضاء الاجتماعي، إلا أن مؤشر الصدام بات يتعالى من جيل إلى آخر، ليس في القالب الثقافي والأخلاقي الغربي الشامل فحسب، بل ارتكاس الوعي إلى الخلف مستعيدا ذاكرة الهوية المكانية الأولى، أي تلك التي جاء بها مهاجرو الجيل الأول للفضاء الثقافي الغربي، وهو ما أحدث تشوها في المشهد الثقافي الغربي واضطرابا في مجرى مشروع الهوية العملية في المجتمع ذاته.
أكثر من ذلك، ثمة من ذهب إلى حد إيعاز حركة الانبعاث العنصري التي تعرفها بلدان عدة من أوروبا في السنوات الماضية إلى تنامي ونمو هوية المهجر وتهديدها بإزالة هوية المكان، من هنا يتضح عمق الإشكال الصدامي للهوية ولا يتسطح أمره سوى في أخيلة السذج ممن يتساهلون في ابتلاع الخطاب الإعلامي النمطي الغربي.
ضعف الانتظام المؤسسي المدني
لكن ما الذي حال دون أن تبرز نخب مهاجرة قادرة على التصدي لمبادرة إيجاد مشروع تعايش لا تصادم هوياتي في قطر واحد، لا ينفصل فيه المهاجرون عن جذورهــــم الثقافــية وعمق انتمائهم الثقافي، ويسهم بالمرة في ذوبانهم داخل نسق حركية المجتمع الغربي في أبعادها غير الشخصية؟
لا ريب في أن الأجيال التي تحولت إلى بلاد الغرب في مراحل الهجرة الأولى كانت محملة بأثقال أسئلة الاغتراب التاريخي، وعلى رأسها الهوية بكل أبعادها اللغوية والدينية والإثنية، التي سبقت هجمة الاستعمار إلى بلادها قبل أن يزيد من حدتها فكره الاستئصالي الذي كان يروم إحداث القطيعة بينهم وبين تراثهم الانتمائي، إذ الملاحظ أن معظم البلدان التي تشهد جدلا في الهوية وأسئلة متعلقة بالذات، سواء التاريخية أو القطرية، الدينية منها واللغوية إنما استشاط واستشرى ذلك فيها بفعل مخلفات الفكر الاستعماري، الذي ألقى ظلال أسئلته الوجودية على كيانات لم تكن قد تمثلت تحولات العصر، لاسيما المتعلق منها بخصائص الوجود القطري وإعادة اكتشاف هوية الانتماء المكاني. فالهجرة لدى الجيل الأول لم تكن أكثر من سعي لإيجاد مصادر ارتزاق، في وقت تنوعت فيه حاليا وبات السعي من ورائها يطال اعتبارات عدة، الثقافية والسياسية وغيرها، من هنا تنوعت الاهتمامات بين أفراد الجاليات حتى وصلت حد التضارب، ما حال دون انتظام داخل أطر تعاون فعلية وفاعلة يكون القصد الأول منها إرساء أسس ومعالم ومشاريع الاندماج في مجتمع الهجرة بشكل صحيح وسليم.
توارث الحساسيات القطرية
أكثر من ذلك مأساة في مسار فشل درء هوية الصدام من قبل عرب ومسلمي الهجرة، هو الميراث القطري الصدامي الذي تأسست عليه العلاقات القطرية في بلادهم الاصلية عقب حصولها على الاستقلال، ويبرز ذلك في أرقى تجلياته في الصراع الجزائري المغربي للسيطرة على قيادة التمثيل الاسلامي في فرنسا، وبعض مناطق أوروبا، ما مكن دوائر الاستغلال والاستعلام أن توظف ذلك ابرز توظيف لتزيد من الشرخ الحاصل في جسد الدياسبورا العربية والاسلامية في أوروبا، في ظل الاستئناس الاكاديمي والاستغراق في البحوث السوسويولوجية التي تنزع إليها النخب المغتربة والمتغربة في فرنسا، والتي تعالت في تعاملها كثيرا إشكالية البحث عن توافق هوياتي في بلاد المهجر، وتكفي الإشارة إلى النجاح الكبير الذي عرفه جهد مفكر غير مغاربي وهو طارق رمضان في توحيد كلمة المعتدلين من أبناء الجالية المسلمة بأوروبا للتدليل على خيبة تلكم النخب وفشل الهجرة المغاربية في إنتاج انتلجنسيا تاريخية قادرة على معاودة قراءة التاريخ ومراجعة إشكالات الهوية المرتحلة بما يتيح لأبناء الجالية بالغرب الوصول إلى استيعاب مسألة التعايش القطري وفق أبعاده التعاقدية.
في الوقت الذي تظهر فيه في الجهة المقابلة النخب العلمانية العربية والاسلامية واللامنتمية حتى، غير معنية بإشكالات الهوية المهجرية، طالما أنها تقطع مع ماضيها الانتمائي أفقيا وعموديا، فهي بذلك إذا لم تصطف مع المشروع الرسمي لبلاد الهجرة، تراها في أقاصي تطرفها قد اصطفت مع اليمين المتطرف الداعي إلى التخلص من المطالب «الهوياتية» الخاصة للجاليات بأوروبا وفرنسا على وجه أخص، ويأتي على رأسها بعض الكتاب العلمانيين وممن يرفضون مطالب «الهويات الخاصة» بفرنسا ويشجعونها في بلدانهم الأصلية كدأب المتطرفين من كتاب الحركة البربرية في الجزائر والمغرب. وطبعا أدى هذا التحاشد على مستوى الاصطفاف الهوياتي في الغرب إلى خلق هوية صدام فاقت في ملامح ومستويات ومراحل تشكلها وتفاعلها كل التوقعات، وأنذرت مع مرور السنين بما هو حاصل وبما سيحصل في حال استمر الوضع على ما هو عليه، من إمساك على مستوى الخيال السياسي الذي تمضي عليه العقول من الطرفين كما اشرنا أنتلجنسيا الدياسبورا والغرب ذاته. فإقحام المعالم البانية للوجود السياسي للمجتمع الفرنسي كاللائكية، في مشاكل فرعية متعلقة بطرائق لبس النساء المسلمات والإفتاء وفق هكذا قراءات متضاربة سجالية وجدلية أحيانا، ببطلان ذلك، على النمط الافتائي لبعض المسلمين في قضايا فرعية تحتاج لترشيد وفق السياسة الشرعية أكثر منه استحضارا للمسطرة الفقهية الصارمة، أزّم من حالة الاحتراب الهوياتي الحاصل في الغرب لاسيما في فرنسا تحديدا.
إن فشل انتلجنسيا المهجر في استحضار مشروع اندماج إيجابي أو هوية اندماج تضمن التعايش المكاني دونما اندماج الهوية، قابله فشل المشروع الوطني في القطرية الغربية لتجديد معنى وخطاب الهوية، على أسس تأخذ بعين الاعتبار مرحلة ما بعد الفكر الاستعماري التي كانت سببا في ميلاد ظاهرة الهجرة قبل قرنين من الزمن، وهو ما يعني بالمحصلة أن المسؤولية يتحملها الطرفان، فكما أن الإشكال يظل ذاتيا متعلقا بالعجز عن المساهمة الفكرية في تطوير مفهوم الهوية لما بعد حركة الاستعمار التي كانت مؤسسة لمفهوم القطرية وما استتبعها من مشاريع ثقافية تستوحي منها أبعادها، يظل الأمر كذلك لدى العقل الغربي الذي عجز عن استيعاب معنى الاختلاف والتنوع وفق آلياته الحداثية التي بنى على أسسها كياناته القطرية، كالعلمانية، والمساواة، وغيرها من أبجديات خطاب الحداثة السياسية.

٭ كاتب صحافي جزائري

بشير عمري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية