الديمقراطية العربية الميتة!

حجم الخط
1

قد يكون من باب التجاوز وربما التعسف الحديث اليوم عن موت الديمقراطية العربية، لأنها، وببساطة شديدة، لم تكن على قيد الحياة في يوم من الأيام. فالديمقراطية هي جملة من القواعد التي تحتاج إلى شروط مناسبة تضمن تنفيذها.
وإذا ما غابت مثل تلك الشروط، فإن كل ما تم تنفيذه من قواعد أريد إقناعنا عنوة بأنها تدخل تحت مظلة مفهوم الديمقراطية، هو مجرد لغو وعبث وتزييف لذلك المفهوم وتجن عليه. فالديمقراطية ابتداء، التي تعني في جوهرها الحرية في الاختيار السياسي وفي الوصول إلى السلطة وتبادلها بصورة سلمية تعبر عن الإرادة الحقيقية للناس وفق دستور ديمقراطي حقوقي منصف صاغه الشعب حقاً، تستوجب تمتع البلد الذي يريد ممارستها بالحرية والاستقلال بشكل حقيقي.
لذلك فإن جميع التجارب «الديمقراطية» البائسة التي مورست في هذا البلد العربي أو ذاك وهو تحت سيطرة الاحتلال البريطاني أو الفرنسي، كما في مصر مثلا، لم تكن تحمل من الديمقراطية إلا اسمها. فالقوات المحتلة المتحكمة بمصادر القوة هي التي كانت إلى حد بعيد تصمم تلك التجارب وتعيّن لها حدودها ومداها ونتائجها، بل وهويات الشخصيات والأطراف السياسية التي يمكن أن تلعب فيها دورا مؤثرا فعلا. أما بعد استقلال البلدان العربية من ربقة الاستعمار العسكري المباشر، فلم يختلف الأمر كثيراً، ببساطة شديدة أيضاً، لأن تلك البلدان لم تستقل أبداً بالمعنى الحقيقي للاستقلال في واقع الأمر، بل ظلت تابعة حتى هذه اللحظة للهيمنة السياسية والاقتصادية للقوى الغربية العظمى، التي ما تزال تتدخل بأشكال مختلفة، لا تخلو من الفجاجة والعنف العسكري في عديد من الحالات، لمحاصرة مجرد التوجهات والبذور الديمقراطية الواعدة في البلدان العربية، على ندرتها، ودهسها.
وحتى إذا ما تناسينا شرط وجوب تمتع البلد بالاستقلال الحقيقي حتى يكون بمقدوره ممارسة الديمقراطية بشكل يتجاوز الشكليات الفارغة المضمون، فإنها، أي ممارسة الديمقراطية، تستلزم توافر شرط آخر مهم، يتمثل في عدم وجود فئة حاكمة منزهة عن المساءلة تتمتع بسلطات مطلقة أو شبه مطلقة، وتحتكر أهم مصادر القوة العسكرية والسياسية والاقتصادية والتشريعية، بحيث تستطيع أن تفرض إملاءاتها قسراً على كل التيارات التي تود المشاركة في العمل السياسي. وبحمد الله الذي لا يحمد على مكروه سواه، لا يوجد بلد عربي واحد تقريباً لا توجد فيه مثل تلك الفئة المستبدة، التي لا يمكن أن تقبل، بصورة طوعية، بوجود أي نظام ديمقراطي حقيقي فيها. لأن وجوده يعني فناءها الحتمي وخسارتها المؤكدة لمصادر القوة التي تراها حقاً أصيلاً من حقوقها التي لا مجال لمناقشتها بشأنها أو منازعتها عليها.
وحتى إذا ما تغاضينا عن ذلك الشرط، وافترضنا جدلاً أن الفئات الحاكمة المتحكمة في البلدان العربية ستثوب إلى الرشد وتقرر طائعة مختارة ان تتنازل عن مصادر القوة التي سطت عليها وأن تعيدها للشعب، لصالح إقامة أنظمة ديمقراطية حقيقة، فأين هي القوى السياسية المؤهلة اليوم، أو في المدى المنظور، حتى تكون أهلاً لإقامة مثل تلك الأنظمة وتفعيل واحترام قواعدها جدياً؟! إن الديمقراطية تحتاج إلى ديمقراطيين لممارستها، والأغلبية الساحقة ممن يتشدقون بالحديث عن الديمقراطية والدعوة إليها على الساحة العربية اليوم، لا يفتقرون إليها كثقافة وممارسة وحسب، بل إن الكثيرين منهم قد تورطوا هم وتياراتهم السياسية في جرائم ومذابح واغتيالات ومؤامرات وخيانات تستوجب في أضعف الإيمان تغييبهم في السجون إلى يوم يبعثون. فأي ديمقراطية هذه التي يمكن أن يمارسها أقوام ما تزال أيديهم ملوثة بدماء خصومهم السياسيين، مهما اختلقوا من مبررات، ستظل أبداً هشة وباطلة، لتبرير جرائمهم النكراء؟!
ما الحل إذن إزاء ذلك الواقع الذي يبدو أسود مسدود الأفق؟ وهل كتب علينا في الأمة العربية أن نحرم للأبد من التنعم بأنظمة ديمقراطية تعيد إلينا الإحساس بشيء من الإنسانية والأمن والأمل والكرامة؟ الحل في زعمي كنا قد بدأنا نضع أقدامنا على بدايته مع اشتعال ثورات الربيع العربي، التي نلاحظ بوضوح صارخ تحالف قوى الاستعمار القديم الجديد مع الأنظمة العربية التسلطية مع معظم التيارات السياسية الانتهازية من أجل إجهاضها. إن النجاح في إقامة أنظمة ديمقراطية حقيقية يستلزم تحالف الشعوب العربية، التي أشعلت فتيل الثورات، وبما يتجاوز المنطق القطري الضيق والمريض، ضد تلك الفئات الطفيلية الثلاث مجتمعة: القوى الاستعمارية الغربية وربيبتها الصهيونية؛ والأنظمة المتسلطة الدائرة في فلكها، والتيارات السياسية الانتهازية.
طرح مثل هذا الحل كان يمكن أن يوصف بأنه مجرد تنظير مستحيل تماماً يغوص في الطوباوية قبل أن نشهد ثورات الربيع العربي، لكن تلك الثورات أثبتت أن بإمكان الشعوب العربية السير على طريق الديمقراطية. لكن الإشكالية تكمن في أن ذلك الطريق لا يمكنه، مع الأسف الشديد، إلا أن يكون خطراً وشاقاً ومعبداً بالدم والتضحيات والمعاناة. فلقد وصلت الأمم الغربية إلى ما وصلت إليه من أنظمة ديمقراطية حرة بعد قرون مديدة من الصراعات والمخاضات الدامية، ومن السذاجة وربما الخداع ترويج الاعتقاد بأن الأمة العربية يمكن أن تصل إلى إقامة مثل تلك الأنظمة بصورة هادئة ودية، بسبب وجود تلك القوى الطفيلية الثلاث التي سبقت الإشارة إليها، والتي ستستميت وتتوحش وتمارس أفظع صور القمع كما أثبتت التجارب للدفاع عن وجودها وامتيازاتها.
في ضوء ما تقدم، فإن على الإنسان العربي أن يختار طريقة ومعسكره. فهل يختار أن يريح رأسه على هون وينيم ضميره فيسير مصفقاً في ركاب كرنفالات مبهرجة مصطنعة تحاول إخفاء جثمان الديمقراطية الميتة ومحاكاة نماذج زائفة منها؟! أم ينتفض للدفاع عن حقه وحق أولاده من بعده في بعث الروح في أنظمة ديمقراطية حقيقية تضمن له ولهم الحرية والكرامة؟! الاختيار الثاني هو الأصعب والأعقد والأبهظ ثمنا قطعاً، إذ سيكون طـريقـه طويـلاً وشائـكاً وملتبسـاً ومضرجاً بالدم.
فصاحبه لن يضطر وحسب إلى مجابهة تلك الفئات الطفيلية المسعورة المذكورة، بل سيجد نفسه مجبراً أيضاً على الأغلب على الاشتباك مع إخوة له انطلقوا وهم يسعون إلى رفع راية قيم الحرية والكرامة والاستقلال التي يسعى هو نفسه إلى التفيؤ بظلالها. لكنهم ضلوا الطريق وأغوتهم شياطين الإنس والجن لتبني مقولات خرقاء مشوهة للدين، أو للدفاع الأعمى عن مصالح ومخططات تدميرية مشبوهة، فباتوا يشكلون تهديداً مرعباً لمثل تلك القيم التي يقولون إنهم يناضلون من أجلها. فكم هو صعب الاختيار، وكم هو مأساوي أن يكون المرء قد ولد عربياً في هذا الزمان!

د. خالد سليمان
أكاديمي عربي مقيم في كندا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية