■ من داخل المستشفى العسكري سمع المشاهدون صوته.. إنه أرفع مسؤول حكومي تنجح قناة تلفزيونية خاصة في الوصول إلى هاتفه الشخصي، بعد مضي أكثر من ساعتين على تفجير غير مسبوق، هز شارع محمد الخامس وسط العاصمة تونس، واستهدف حافلة كانت تقل أفرادا من الحرس الرئاسي.
ولن مقدم البرنامج فضل تركيز استفساراته حول حال المصابين والجرحى، فإن جواب الضيف جاء مباشرا ودقيقا، والأهم من ذلك مطمئنا لجمهور المتابعين. لقد قال بكثير من الثقة والصرامة إن «حالة معظمهم مستقرة، والبعض منهم بإمكانه مغادرة المستشفى والعودة إلى بيته بدءا من الليلة»، لكن الامر الذي لفت الانتباه ساعتها هو أن المتحدث لم يكن رئيسا للحكومة ولا وزيرا للدفاع أو الداخلية، ولا حتى وزيرا الصحة، مثلما كان مفترضا، بل فقط وزيرا للتربية في الحكومة الحالية. ما الذي دفعه بصفته تلك أن يذهب مساء الرابع والعشرين من الشهر الماضي إلى المستشفى ويعود المصابين بعد ساعات قليلة فقط من حصول التفجير، الذي ألقى الرعب والكآبة على شوارع تونس؟ هل كان ذلك تجاوزا فاضحا لمقتضيات عمله، كمشرف على قطاع التربية فحسب؟ أم إشارة لا تحتمل التأويل على استعادة تضامن حكومي صار الجميع يقر بغيابه؟ أم أن الزيارة لا تعدو أن تكون واحدة من مهامه الأساسية كقائد من قادة الحرب المفتوحة، التي أعلنتها السلطات على الجماعات المتشددة؟
قد لا تكون دوافع ناجي جلول للظهور في مثل ذلك التوقيت الصعب معلنة أو مكشوفة بالكامل، لكن الحديث بدأ يدور منذ شهور حول طموحاته التي تخطت حدود الوزارة التي يتولى تسييرها. وما من شك في أن شخصية الرجل وأسلوب عمله منذ استلامه المنصب، قبل ما يقرب العام، كانت بعيدة إلى حد كبير عما اعتاده التونسيون في وزير مكلف بشؤون التربية والتعليم. لقد دخل في صدام قوي وحرب كسر عظم مع نقابات التعليم، كسب في جولاتها الاولى تعاطف الشارع ودعم الإعلام المحلي. واستطاع بهدوئه وبرودة اعصابه وحسن إدارته للصراع المفتوح مع خصومه أن يقلب الطاولة على النقابات ويقف بوجهها متحديا إملاءاتها وشروطها في مرات، ومنحنيا ومستسلما في أوقات أخرى لعواصفها العاتية والهوجاء. وعكس ما فعل اسلافه، فقد حاول جاهدا أن يجلب الرأي العام إلى صفه بشتى الأساليب، بعد أن فهم انه من الضروري إشعار الناس بأن هناك املا حقيقيا في حل مشاكل التربية والتعليم، التي تراكمت وازدادت صعوبة وتعقيدا بمرور الاعوام. لقد استبسل في القيام بحملات تسويقية واسعة لمشاريع إصلاح المقررات والبرامج والمباني واللوائح، وكل ما له صلة بالمدارس بوجه عام. هل كان يبيع آمالا حقيقية قابلة للتحقق؟ أم أوهاما وأفكارا طوباوية بعيدة عن انتظارات آلاف العوائل التي اكتوت بنار جشع وانتهازية المدرسين وانحدار مستوى تعليم ابنائها عاما بعد آخر؟ الأمر الثابت هو أن التونسيين اعتادوا على جولاته المكوكية في المدارس، وبات واضحا أن هناك وسائل إعلام محلية تحرص على متابعة نشاطاته بشكل دقيق، وعلى تنزيل مقاطع فيديو يظهر فيها الوزير مثل «السوبرمان» وهو يطير من مدرسة إلى أخرى، ويصيح بوجه المسؤولين، مشيرا إلى النقائص والأخطاء، ومهددا بمعاقبة المقصرين وطردهم. أما النتيجة العملية لذلك فكانت الصعود الصاروخي في شعبيته بحسب الأرقام التي نشرتها الصحافة المحلية. ففي آخر استطلاع للرأي قامت به مؤسسة «سيغما كونساي» وصحيفة «المغرب» المحلية الشهر الماضي، رأى سبعة وثلاثون بالمئة من التونسيين المستجوبين أنه مؤهل للعب دور سياسي مهم في المستقبل، وهي النسبة الاعلى التي حصل عليها مقارنة مع عدد آخر من الشخصيات السياسية. لكن ذلك لم يضع حدا لتواصل حالة الشد والجذب والتوتر والتصعيد مع الطرف المقابل، أي المدرسين حتى بعد انتهاء أزمة اضرابات العام الماضي، التي حسمت ظرفيا بقرار الوزير بارتقاء كافة التلاميذ مباشرة إلى الصفوف الأعلى، بعد مقاطعة النقابات، ورفضها إجراء الامتحانات. فقبل ايام فقط تحداه كاتب عام نقابة التعليم الثانوي أن يظهر ولو نتيجة واحدة أفضت إليها زياراته الميدانية إلى المدارس معتبرا أن الهدف الوحيد من ورائها هو رفع اسهمه في استطلاعات الرأي. أما جلول فقد رد عند مناقشة ميزانية وزاراته في مجلس نواب الشعب بأنه «مناضل» ولا يحق لاحد أن يزايد على نضاله. وقال في مرات سابقة إن من يستهدفونه يرفضون الإصلاح ويرغبون باستمرار الفساد والرشوة والمحسوبية. لكنه لم يكن الوحيد الذي سعى لترسيخ الانطباع بأنه مسؤول ميداني لا يقبع في مكتبه، بل يتنقل باستمرار لمعاينة المشاكل وفضها، فهناك، على الأقل، وزيران آخران، وهما وزير النقل ووزير الصحة، نجحا بقدر أقل في أن يصنعا لنفسيهما صورة مماثلة أو شبيهة. لقد قدموا انفسهم بشكل أو بآخر على انهم جنرالات الديمقراطية الذين يقفون على خط النار للدفاع عن التجربة التونسية الوليدة، ومحاربة مظاهر الفساد الإداري الخانق ومخاطر الإرهاب الدموي المحدقة بها من كل جانب. وفيما كانت ولادة الجنرالات في عهد الاستبداد محظورة، في ظل وجود جنرال واحد يجمع بين بيديه كل السلطات، ويغيب امام حضوره الكاسح أي اثر ولو بسيط أو رمزي لقادة أو زعماء أو مفكرين، سمح منطق العصر الديمقراطي الذي انساقت وراءه تونس بظهور جيل جديد من جنرالات الديمقراطية الذين قدموا انفسهم على أنهم حماة الحداثة والحضارة والثقافة من الانهيار والضياع. لكن طبيعة المرحلة الدقيقة التي تجتازها البلاد والتركيز المفرط على حرب الإرهاب جعل وزير التربية مرشحا اكثر من غيره من الجنرالات الجدد لتصدر المعركة التربوية والثقافية، التي اعلنتها السلطات، بدون الافصاح عن خططها أو برامجها في ذلك. حتى أن وزير الدفاع أقر بنفسه عند مناقشة ميزانية وزارته في البرلمان بأن «الحرب ضد الارهاب ليست حربا عسكرية أو امنية فقط، بل هي حرب ثقافية بالاساس… وكسبها يتطلب وعي كافة مكونات الشعب التونسي بمحاربة الارهاب ثقافيا، بدءا بالتربية ودور الاطفال والمدارس والجامعات والتكوين الديني». وبالطبع لم يكن جلول ينتظر مباركة أحد لحربه المقدسة، فقد اعلن قبلها بايام عن قراره تعميم النوادي الثقافية والرياضية في كافة المدارس، بدءا من الشهر المقبل، وأكد اكثر من مرة أن طموحه الشخصي هو أن تعود المدرسة إلى عصر بورقيبة، الذي بنى سياساته على التعليم العمومي والمجاني. وحتى يثبت للجميع انه جنرال صارم لا يتهاون أبدا مع العدو ويسعى لملاحقته في كل وقت ومكان، فقد كشف في تصريحات إعلامية أن وزارته «تفطنت إلى أن هناك تلميذة في إحدى المدارس الابتدائية حدثت باقي زملائها من التلاميذ عن الجهاد»، مضيفا انه «تم الاتصال بولي امرها وان والدتها أقرت بأنها لاحظت أن ابنتها دخلت إلى عدد من المواقع والصفحات الجهادية على الانترنت واستمعت إلى منشوراتهم»، قبل أن يضيف بانه «تم ارسال طبيب نفسي للاحاطة بالتلميذة، وان الوزارة ستتولى توفير اخصائيين نفسانيين بكل المدارس وتنبيه الاولياء إلى ما تمثله تلك المواقع من مخاطر على ابنائهم». ورغم انه لا يبدو أن هناك اثارا فورية أوملموسة لنوايا الوزير وجهوده، فإن التساؤل يظل مفتوحا حول مستقبل خطواته ومبادراته وما اذا كانت ستلاقي تتويجها المستحق بأعلى اوسمة يتمناها أي جنرال، وهي السلطة المطلقة؟ كل ما اعلنه حتى الان في البرلمان هو انه بعدما ينتهي من تحقيق هدفه المباشر والوحيد، وهو تطهير الوزارة من الفساد، سوف يعود فورا إلى موقعه القديم للتدريس بالجامعة. لكن العادة اثبتت أن الجنرالات غالبا ما يتعللون بالواجب الوطني القاهر لاستلام الحكم رغما عنهم، وذلك من باب حرصهم على مصلحة الوطن والمواطن مثلما يقولون.
لقد ذكر الرئيس السبسي في خطابه الاخير أن أزمة حزب النداء الحاكم هي «ازمة قيادات» ويبدو أن أزمة تونس هي بالاساس ازمة جنرالات مدنيين انجبتهم الديمقراطية، وتركتــــهم يجـــربون حظهم في قطف ثمارها، ونيل بركاتها بأي ثمن وفي اي مكان، حتى لو كان ذلك داخل المستشفى العسكري ذاته، لأن النتيجة النهائية تبقى في كل الاحوال واحدة.
كاتب وصحافي من تونس
نزار بولحية