الديمقراطية في الكويت: انتخابات مجلس الأمة

حجم الخط
0

لا توجد دولة تتحقق فيها الديمقراطية 100% ولكنها تمارس بدرجات متفاوتة حسب قربها أو بعدها من قيم وقواعد الديمقراطية. ومن هنا يمكن القول إن الكويت تتمتع بدرجة معقولة من التجربة الديمقراطية منذ عام 1962 بالمقارنة بدول أخرى في المنطقة العربية ومناطق أخرى في العالم في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتنية.
إن الديمقراطية هي نظام وقيم مثالية لاتتحقق في أعتى الدول الديمقراطية بصورة كاملة، وإنما يحكم على ديمقراطية الدول من حيث قربها من الخط الذي أوله الديكتاتورية وآخره الديمقراطية. فمثلا تتحقق في الولايات المتحدة وبريطانيا قيم وممارسات الديمقراطية مثل تداول السلطة سلميا والمساواة بين الناس أمام القانون وحريات الاعتقاد والتعبير وحكم القانون وغيرها بصورة أكبر من دول أخرى. ومن هنا تتم المقارنة بالمرجعية الأمريكية أو البريطانية. ومع ذلك هناك نواحي قصور شديدة في التجربتين مثل فضيحة التجسس على الهواتف في بريطانيا، وبعض مظاهر التمييز ضد الأمريكيين السود في الولايات المتحدة. وبالرغم من ذلك هناك ميكانزمات تصحيحية في تلك البلدان لكشف الممارسات غير الديمقراطية وغير القانونية حتى وإن أخذت وقتا طويلا.
من هذا المنطلق يمكننا القول إن الكويت تتمتع بتجربة ديمقراطية تحتاج إلى تطوير ولكنها متقدمة عن العديد من البلدان في المنطقة وخارجها. ومن أهم مظاهر الديمقراطية في الكويت: الديوانيات التي يجري فيها النقاش في الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية بحرية، وقد حضرت أحدها. يضاف إلى ذلك حق المرأة في التصويت والترشح للانتخابات منذ عام 2005 عندما وافق مجلس الأمة على تعديل قانون الانتخابات بما يسمح للمرأة بالمشاركة في العمل السياسي وفوز بعض النساء في انتخابات برلمانية سابقة. وتتوج التجربة الديمقراطية بوجود مجلس الأمة المنوط به التشريع والرقابة على أداء الحكومة. وتأتي انتخابات مجلس الأمة في 26 نوفمبر/تشرين الثاني الحالي لتسلط الضوء على دور مجلس الأمة من جانب ومدى وعي الناخب الكويتي في اختيار نواب الأمة من جانب آخر.
حل أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح البرلمان السابق وقال «إن العمل البرلماني انطوى على انتهاك للدستور وللقانون، وتجاوز لحدود السلطات الأخرى، وتدني لغة الحوار على نحو غير مسبوق تحقيقا لغايات قصيرة ضيقة على حساب مصلحة الوطن» وبرر أمير البلاد القرار أيضا بالقول إن مجلس الأمة قد تحول إلى «ساحة للجدل العقيم والخلافات وافتعال الأزمات». إن تدخل الأمير كحكم بين السلطات وفقا للمواد 102 و107 من الدستور الكويتي تساهم في تجنب الكويت أزمات من عدم الاستقرار السياسي باللجوء إلى الناخبين ليكونوا الفيصل في الخلاف بين الحكومة والمجلس.
إن الانتخابات المزمع إجراؤها الأسبوع المقبل تتشابه وتختلف عن الانتخابات السابقة. من أهم أوجه الشبه استمرار قلة عدد المرشحات من النساء. يبلغ العدد في تلك الانتخات 15 مرشحة من أصل 454 مرشحا ومرشحة وكانت 16 مرشحة عام 2009 وفي عام 2012 كان عددهن 24 مرشحة. قد يكون ذلك لأن المجتمع محافظ إلى حد كبير. لقد حاول أعلى رأس في البلاد إعطاء المرأة حقوقها السياسية عام 1999 عندما أصدر أمير الكويت الراحل الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح مرسوما أميريا بمنح النساء كامل الحقوق السياسية، إلا أن المرسوم ألغي بتصويت أغلبية ثلثي أعضاء المجلس في 23 نوفمبر/تشرين الثاني 1999. ومن هنا يجب تشجيع المجتمع على قبول لدور المرأة السياسي من خلال تطبيق كوتا للنساء في المجلس كمرحلة مؤقتة حتى يترسخ الدور السياسي للمرأة. وهذا ما يطلق عليه في أدبيات الأمم المتحدة وأدبيات المرأة «التمييز الإيجابي». ويطبق هذا الإجراء للأقليات في أي مجتمع حتى يتم قبول دور تلك الأقليات كجزء أصيل من تلك المجتمعات. ومن هنا على المجلس المنتخب أن يقوم بطرح الكوتا النسائية لإقرارها في الانتخابات المقبلة. تجدر الإشارة إلى نسبة الناخبات في بعض المناطق تفوق نسبة الرجال، كما أن المرشحات يقدمن برامج وطنية عامة لاتركز على المرأة فقط ولكنها تشمل قضايا الإصلاح الاقتصادي وغيرها من الأمور التي تهم كل المواطنين. تذكر بعض الإحصاءات أن مساهمة المرأة في قوة العمل تفوق الثلث وأكثر من 50% منهن حاصلات على مؤهل جامعي. حان الأوان ليكون هناك تمثيل أكبر للمرأة في الحياة السياسية الكويتية، والكرة في ملعب المجلس المقبل بالإضافة إلى دور الإعلام في الترويج لقدرة المرأة على خدمة المواطن في البرلمان مثلها مثل الرجل. يذكر أن أكبر عدد مقاعد حصلت عليها المرأة في المجلس كان عام 2009 عندما بلغ عدد الفائزات أربعة وهن معصومة المبارك ورولا دشتي وسلوي الجسار وأسيل العوضي.
ومن أهم أوجه الخلاف بين تلك الانتخابات وسابقاتها الأوضاع الاقتصادية الجديدة التي نجمت عن انخفاض أسعار النفط وضرورة أن يتصدى المجلس مع الحكومة لمعالجة الأوضاع الناجمة عن قلة الإيرادات. ولا يوجد سوى خيارين أما تقليل النفقات أو تنويع قاعدة الإنتاج حتى يتم سد الفجوة الناجمة عن انخفاص أسعار النفط. إن المسؤولية مشتركة بين الحكومة والمجلس لإيجاد حل لتلك الظروف الجديدة بما يخدم المواطن الكويتي ويسهم في الاستقرار الاقتصادي. يضاف إلى ذلك هناك تحديات أمنية من جراء التنظيمات المتطرفة مثل تنظيم «الدولة» (داعش) وما حدث من تفجير مسجد الإمام الصادق لهو أكبر دليل على هذا التحدي. ولكن حكمة أمير البلاد ساهمت في تجنب التبعات السلبية لهذا الحادث الإرهابي. ومن هنا على المجلس الجديد أن يضع تلك التحديات الاقتصادية والأمنية على قمة أولوياته والترفع عن الحسابات الشخصية والأيديولوجية في نقاشاته. تجدر الإشارة إلى أن تلك الانتخابات تشهد عودة مشاركة الحركة الدستورية الإسلامية بعد مقاطعة الانتخابات السابقة. إن المرحلة المقبلة تتطلب تكاتفا قويا بين أطياف المجتمع المختلفة من إسلاميين وليبراليين ونساء لأنها مرحلة مليئة بالمطبات الصعبة محليا وإقليميا وعالميا. على سبيل المثال أكد عبيد مشعان الديحاني، وهو مرشح الدائرة الرابعة، على أهمية توحيد الصفوف وتقوية الجبهة الداخلية لمواجهة التحديات التي تحيط بالكويت.
أتوقع أن تفوز المرأة بمقعدين مثلما كان عليه الحال عام 2013، وسيفوز من الإسلاميين بجميع أطيافهم من الحركة الدستورية الإسلامية والسلفيين وغيرهم بعدد من المقاعد قد يصل ما بين 10-15 مقعدا وتذهب باقي المقاعد لمن لهم روابط عشائرية.
يمكن القول إنه إذا تغلبت المصلحة العامة على الأيديولوجية لدي النواب المنتخبين سيستمر هذا المجلس ويكمل مدته الدستورية (4 سنوات). أما إذا سيطرت النزعات الأيديولوجية الضيقة على نقاشات النواب، سيكون مصيره الفشل وحله في مدة أقصاها سنة. أتمنى أن يرقى النواب المنتخبون إلى المسؤولية الموضوعة على عاتقهم في تلك المرحلة الحرجة في تاريخ الكويت والمنطقة ليساهم المجلس مع الحكومة في معالجة الملفات الاقتصادية والأمنية الملحة ووضع مصلحة الوطن والمواطن فوق كل اعتبار.

الديمقراطية في الكويت: انتخابات مجلس الأمة

د. سعيد جوهر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية