من السذاجة أن نظن أن الديمقراطية يمكن أن تولد بمعنى إمكانية أن يتحول شعب عاش كل حياته تحت القمع وعاش حياته لم يفكر لنفسه بل كان يقاد في كل حياته.
من السذاجة ان نظن ان هذا الشعب يمكن أن يتحول الى الديمقراطية بين ليلة وضحاها. إن الديمقراطية ليست مجرد نظام يحكمنا بل أصبح هذا النظام ولطول السنين أصبح أسلوب حياة نعيشها.
إن الديمقراطية يجب ان تبدأ في داخل كل فرد في المجتمع قبل أن تبدأ في السياسة ونظام الحكم. يجب ان نعيش ديمقراطية الأسرة والعائلة ديمقراطية بين الآباء والأبناء ثم تنتقل الديمقراطية لتعاملاتنا اليومية بيننا وبين بعض . إذا شبهنا المجتمع بهرم تكون قاعدة الهرم هي الشعب بمعنى الأفراد والعائلات ثم في قمة الهرم الحكم والسياسة. فإذا اردنا تغير نظام الحكم وتغير السياسة تكون البداية من أسفل الهرم الى اعلى القمة. ولكن إن كنا نعيش ديكتاتورية الأسرة ونريد ديمقراطية الحكم فسيكون هناك صراع مجتمعي على مستوى الأسرة. فالكاتب الكبير نجيب محفوظ والذي أرخ حياتنا في كتاباته وبالأخص الثلاثية كان يكتب عن حياتنا وواقعنا. كلنا نعرف (سي السيد) ونضحك حينما نتذكره لكن الحقيقة المؤلمة هي أننا نعيش في بيوتنا وأشغالنا وواقع تعاملاتنا بمنهج( سي السيد) وهو منهج القمع وهو ما نمارسه مع أسرنا و أولادنا ومع موظفينا وحتى مع اصدقائنا .
انه منهج الرأي الواحد الصواب وهو رأيي أنا. لا يمكن ان نغير أسلوب الحكم القمعي إلى أسلوب ديمقراطي نطبقه في السياسة فقط. علينا ان نبدأ بأنفسنا لنحاول أن نعيش الديمقراطية ثم ستتحول هذه الديمقراطية إلى اسلوب في حياتنا نعيش به ويحكمنا .
إن مشكلتنا مع الديمقراطية في عالمنا أننا نظن أن التغيير يبدأ مع تغيير الحكم . وأنا اقول ربما يكون تغيير الحكم فرصة لتحقيق الديمقراطية مجرد فرصة علينا أن نستخدمها لنبدأ تغيير المجتمع من القاعدة. والسبب في هذا أن الشخص الذي نختاره لبناء الديمقراطية عليه أن يكون عاشها حتى يستطيع أن يقود المجتمع كله الى هذا التوجه. من الأفكار الرائعة ما كتبه العالم التربوي والاجتماعي (بولو فريري ) والمعروف لكل من يعمل في التنمية. كتب (فريري) في كتابه (القمع ومنهج التربية) يقول إن التخلص من الشخص الذي يقمعنا لا يعني التخلص من القمع والإتيان بشخص آخر من وسط شعب عاش في القمع لن ينهي القمع.
إن هذا الشخص الجديد لم يعرف صورة للحكم او الحاكم غير القمع لذلك ورغم أن هذا الشخص كان يقاوم القمع لكنه سيقمع شعبه ولكن برغبة شعبه الذي اختاره. والدليل على ذلك ما نراه من شعوب تعتبر نفسها متطورة وتنادي بل ايضا تتفاخر بديمقراطيتها، ولكن نلحظ كل يوم كيف تتجاهل هذه الشعوب الأقليات التي تعيش فيها ونلاحظ التمييز بسبب الجنس أو اللون أو الدين او حتى أن كل هذا مازال متواجدا ومازالت هيئات داخل تلك الشعوب والبلدان المتقدمة تنادي بالعدالة والديمقراطية والمساواة. والسبب أن هذه الشعوب غيرت قوانينها وتحكمت في سياستها لتحقيق الديمقراطية ولكنها نست تغيير الإنسان والأسرة والمجتمع.
لذلك نحتاج أن نستفيد من التغيير ونبدأ في ارساء وتعميق منهج لحياتنا المجتمعية يقوم على الإختلاف في الرأي لأجل هدف واحد . فالهدف هو حياتنا التي نعيشها في مجتمعنا ولكن اسلوب الحياة او تطبيق هذا الهدف يمكن ان يتعدد. ان الديمقراطية تحتاج الى منهج حياة وليس مجرد تغيير سي السيد.
د. وجدي فكري – محاضر في التربية والمشورة في انكلترا