واشنطن ـ «القدس العربي»: أثارت محاولة رئيس وزراء دولة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لتعزيز العلاقات مع اليسار الأمريكي نتائج متباينة أثناء نقاش متوتر في مركز أبحاث ليبرالي وسط شكوك في قرار مركز التقدم الأمريكي باستضافة نتنياهو بعد سلسلة من الخلافات بشأن الاتفاق النووي مع إيران وعملية السلام في الشرق الأوسط إلى جانب تعليقاته العنصرية.
وقد عارض عدد من الموظفين في المركز استضافة نتنياهو وقالوا لرؤسائهم ان رئيس الوزراء الإسرائيلي لديه سجل حافل من القمع بشكل يتعارض مع مهمة المركز. كما اتخذ عدد من المتظاهرين مواقع خارج المركز تحت الأمطار قبل ان يجلس الضيف غير المرغوب به في المناقشات، وقال محتج:»كيف يمكن لإسرائيل ان تكون دولة ديمقراطية وهي لا تزال تسن القوانين التمييزية ضد الفلسطينيين؟». أما اثناء النقاش، فقد وصف عدد من المندوبين من «مستودع التفكير» الذي يعد وسيلة إعلامية ليبرالية أحاديث نتنياهو الدفاعية عن المستوطنين بانها كاذبة وغير صحيحة.
وكالعادة، مارس نتنياهو مهارته المفضلة في التحايل عبر القول بانه جاء إلى المركز لدفن الأحقاد، مضيفا انه يعلم ان زيارته كانت مدعاة للجدل إلا انه من المهم التأكيد، على حد تعبيره، ان إسرائيل ما زالت قضية إجماع من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، وتابع بمكر ان المحادثة تخصب الفكر وذلك ردا على سؤال حول السلام مع الفلسطينيين، ومن الواضح ان الإجابة المبهمة تخدم أكثر من غرض مزدوج.
رئيس المركز نيرا تاندين وهو من قدامى المحاربين في إدارة أوباما وكلينتون قال مفسرا اصراره على دعوة نتنياهو بانه يريد المضي قدما لانه يؤمن بان التقدم مستحيل بدون حوار.
وكانت التوترات عالية جدا بين نتنياهو وإدارة أوباما ولكنها تصاعدت في العام الماضي، كما غضب الكثير من الديمقراطيين بسبب خطاب نتنياهو في الكونغرس في شهر اذار/مارس الماضي، وقاطع الكثير منهم الخطاب، ونمت التوترات، أيضا، بعد التوقيع على الاتفاق النووي مع إيران حيث ضغط نتنياهو واللوبي المساند له على الكونغرس لقتل الصفقة.
تصريحات نتنياهو المخادعة يوم الثلاثاء الماضي كانت فرصة للتفكير في الأوساط الديمقراطية والليبرالية حيث بدا رئيس الوزراء الإسرائيلي وكانه قد تخلى عن الخطاب المشبع بالانتقادات ضد الاتفاق وبدلا من ذلك تعهد بالمضي قدما في تنفيذ الاتفاق عبر القول بان الولايات المتحدة وإسرائيل يجب ان تربطا «أقدام إيران على النار» ثم بدأ يكرر مقولاته حول خطر الشبكة الإرهابية الإيرانية وضرورة التعاون بين إسرائيل والولايات المتحدة لردع الإرهاب في المنطقة.
أما أطرف تعليق أطلقه نتنياهو للاحتيال على الوسط الليبرالي فهو قوله أثناء النقاش ان إسرائيل أكثر ليبرالية من الولايات المتحدة لانها تفتقر إلى القيود المفروضة على الناس مثل «مثلي الجنس» في الجيش، وقال بوقاحة منقطعة النظير ان إدارته تدعم «عرب إسرائيل» ومكانتها باعتبارها «الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط».
ولكن نتنياهو لم يتمكن قطعيا من الخلاص من ترديد الأكاذيب عندما بدأ النقاش حول المعاملة الإسرائيلية ضد الفلسطيينين فهو أولا رفض فكرة ان إسرائيل وراء انتكاسة المحادثات وبدلا من ذلك ألقى اللوم على ما سماه بالتعنت الفلسطيني وأضاف ان المستوطنات ليست عائقا أمام السلام، وفي نظرة عنصرية واضحة قال بلا تلعثم بانه لا يوجد تماثل بين المجتمع الإسرائيلي والمجتمع الفلسطيني، وأضاف:»نحن لا نعلم أطفالنا الذهاب لمعسكرات انتحارية، نحن لا نلتهم الأرض».
وعندما سئل حول خطة «ب» في حال وصلت الأمور لحد استحالة التوصل إلى اتفاق سلام مع الفلسطينيين، ظهر نتنياهو بلا استعداد، وعاد إلى مونولوج ضرورة طمأنة أمن إسرائيل، وأضاف أمام جمهوره الليبرالي انه يجب ان تكون لإسرائيل القدرة والسيطرة للدفاع عن نفسها في حال التهديد سوءا عبر ترتيب من طرف واحد أو عن طريق التفاوض.
كيف استقبل الوسط الليبرالي هذه التعليقات؟ الاجابة يمكن مشاهدتها بوضوح في القاعة، رفع حواجب وضحكات مكتومة في غرفة مزدحمة بالصحافيين وخبراء السياسة الخارجية ولكن واشنطن كانت أكثر جدية وهي تستقبل هذه «الأكاذيب» فالبيت الأبيض اعترف بالواقع السياسي الذي فرضه نتنياهو وهو ان قيام دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب إسرائيل لن يكون من اهتمامات أوباما حتى تركه لمنصبه، وحتى لو لم يتمكن نتنياهو من كسب الرقم الليبرالي فقد نجح في القضاء على فكرة ابتعاده عن الولايات المتحدة بغض النظر عن الديناميات السياسية المحلية، وكدليل على الالتزامات بين الولايات المتحدة وإسرائيل، فقد أعلن البيت الأبيض ان الرئيس الإسرائيلي روفين ريفلين سيزور واشنطن في كانون الأول/ديسمبر المقبل وانه سيكون «ضيف الشرف» في حفل «الهانوكا».
المشرعون الديمقراطيون في الكونغرس رحبوا بزيارة نتنياهو، وأرسل عشرات منهم رسالة إلى أوباما لحثه على التوقيع على المطالب الأمريكية في الاتفاقية الأمنية الجديدة بين الطرفين، وعلى الرغم من هذه المكآفات فقد اضطر زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ هاري ريد إلى الدفاع عن الاتفاق النووي مع إيران قبل اجتماع أوباما ونتنياهو، وتأتى هذه التصريحات ردا على اتهام زعيم الأغلبية ميتش ماكونيل بان الاتفاقية لا تطلب من إيران علنا الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود.
الأهم من ذلك كله، قال ريد في تصريح واضح يعبر عن موقف الحزب الديمقراطي ان الولايات المتحدة ستقف دائما مع إسرائيل وان مزاعم توتر العلاقات بين الطرفين هي فقط محاولة من الجمهوريين لدق اسفين داخل الحزب الديمقراطي أما عن الرهان حول موقف الوسط الديمقراطي أو الليبرالي الأمريكي فان الإجابة الوحيدة المؤسفة التي يمكن الحصول عليها هي ان نتنياهو بأكاذيبه ومكره واحتياله أقل نفاقا منهم.