في الساعات الأولى من صباح الأربعاء الماضي أفاق سكان العاصمة تونس على حدث مروري مهم.
فقد أعلنت السلطات بشكل مفاجئ وبدون سابق إشعار عن فتح الطريق القريبة من مبنى السفارة الأمريكية، بعد أن قررت غلقها وحظر حركة التجول فيها قبل اربع سنوات، في أعقاب اقتحام حشود غاضبة مجمع البعثة الدبلوماسية وقيامها بتهشيم بعض السيارات والمعدات الموجودة بالداخل، ثم إضرام النار فيها، فضلا عن إلحاق أضرار بالغة بمقر المدرسة الامريكية القريب منه.
وبذلك صارت الطريق بعد كل تلك السنوات سالكة ومفتوحة من جديد أمام سواق السيارات، وتخلص الناس ولو جزئيا من علامات المنع وتقييد الحركة التي طالما صادفوها كلما حاولوا الاقتراب من المكان. وحسبما نقلته وسائل اعلام محلية فقد تمت الخطوة بالتنسيق بين الجانبين التونسي والأمريكي، وجاءت كنتيجة مباشرة للتحسن النسبي الذي شهده الوضع الأمني بالبلد، خصوصا بعد الهزات والضربات العنيفة التي حصلت العام الماضي وأدت إلى هبوط حاد وغير مسبوق في عوائد واحد من اهم قطاعات الاقتصاد وهو السياحة، بفعل النقص الملحوظ في عدد الوافدين. ولكن توقيت القرار لم يكن عملا روتينيا خاليا من الابعاد والمعاني السياسية. ففي اليوم نفسه كان الرئيس الباجي قائد السبسي يحضر في نيويوك جلسة حوار أدارها وزير الخارجية الامريكي على هامش المنتدى الامريكي الافريقي للاعمال، وبدأها بالترحيب الشديد بالضيف التونسي، ثم باستئذان الحضور بالحديث باللغة الفرنسية التي يجيد التكلم بها بناء على ما طلبه منه البعض كما قال، وختمها في الاخير بتوجيه دعوة مفتوحة للشخصيات السياسية ورجال الاعمال الذين كانوا موجودين في القاعة بالقدوم إلى ذلك البلد الافريقي الصغير الذي قد لا يعرفه معظم الامريكان قائلا لهم «نراكم جميعا في تونس». وحين سأل صحافي في جريدة «الشروق» المحلية رئيس تونس وهو في طائرة العودة من رحلته إلى أمريكا عما حققته الزيارة للبلد على المستوى الاقتصادي؟ كان رد قائد السبسي مفتوحا وملتبسا ومليئا بشيء من الغموض وأجابه «المسألة في اعتقادي ليست كم حصلنا فهذا موضوع آخر، لكن استطيع أن اقول إن تونس حققت مكاسب كبرى على الصعيد السياسي، لكن حتى من الناحية التي أشرتم اليها هناك العديد من المكاسب التي تحققت والتي سيقع الإعلان عنها في الإبان». ولم يكن هناك ادنى شك في أن العلاقات التونسية الامريكية بدأت في الشهور الاخيرة تستعيد بعض الدفء والحرارة بعد حالة من الفتور والجمود وحتى التوتر الذي سببه الهجوم على السفارة، الذي اعتبره الباجي حينها موجها بالاساس ضد الدولة والحكومة، أكثر من كونه عملا يستهدف المصالح الامريكية في البلد.
ومثلما يحصل غالبا سواء في حالات الود أو الجفاء الرسميين فلا يبدو أن للامر انعكاسا واضحا ومباشرا على مظاهر الحياة أو ردود فعل الناس ومواقفهم في الشارع. وليس هناك ما يدل على أن التونسيين يشعرون حقا بأن أمريكا تقف إلى جانبهم وتدعمهم بالأفعال لا بالأقوال والعبارات العاطفية الجميلة، كما بات يعتقد قسم واسع منهم وتشد أزرهم في معاركهم الصعبة والمصيرية ضد عدوين لدودين يهددان تجربة انتقالهم الديمقراطي، وهما عدم الاستقرار الأمني والسياسي، وتراجع جل مؤشرات الاقتصاد إلى مستويات متدنية ومخيفة، رغم ما يعلن بين حين وآخر عن توقيع اتفاقات بخصوص تقديم الامريكان ضمانات لتونس حتى تحصل قروض من الاسواق الدولية، أو عن رصدهم هذا العام أكثر من مئة واربعين مليون دولار لدعمها في»المجال الاقتصادي وميادين الديمقراطية والحوكمة والأمن» مثلما صرحت بذلك منسقة المساعدات الامريكية بالسفارة.
فلا أحد يصدق أن القوة الاكبر على وجه الارض تعجز عن تأمين الشروط والظروف المطلوبة لانجاح تجربة قالت مرارا وتكرارا إنها فريدة واستثنائية في محيطها الإقليمي، ولا أحد أيضا ينتظر منها في مقابل ذلك أن تحارب أو توزع الهبات والعطايا وتتعب وتشقى نيابة عن التونسيين، إكراما لعيون الديمقراطية.
ولكن الخيارات تبدو ضيقة ومحدودة، فعلى مدى ستين عاما من عمر الدولة الحديثة حصل تطابق بين استقرار تونس وتقلبات الضفة الشمالية للمتوسط ومصالح وأهواء دولها. ولم تكن هناك إرادة أو رغبة أو حتى طموح للتطلع إلى ما وراء القارة العجوز. فيما عملت فرنسا على تثبيت اقدامها وترسيخ وجودها السياسي والاقتصادي وتعميق سيطرتها الفكرية والثقافية بشكل كامل كان الاوروبيون يبحثون عن منفذ سريع وآمن إلى تونس. وظلت باريس هنا ولاعتبارات تعلقت بالتوزيع الكولونيالي لمناطق النفوذ بمثابة المنفذ الأساسي والمدخل الوحيد تقريبا في نظرهم، لفهم بلد بقي ينظر بانبهار وإعجاب شديدين إلى جيرانه الشماليين الاغنياء، ويعدهم مثالا ونموذجا جديرا بالتقليد. وربما باستثناء السنوات الاولى لستينيات القرن الماضي التي عرفت فيها العلاقات التونسية الفرنسية توترا بالغا وصل حد المواجهة العسكرية فيما عرف بحرب الجلاء عن بنزرت وكانت بمثابة الفرصة الذهبية المهدورة التي ضاعت على تونس حتى تخلص نفسها من قيود فرنسا فإن باقي الفترات كانت رغم حالات المد والجزر تواصلا لعلاقة اعتماد غير متكافئ بين دولة منحت واخرى قبلت استقلالا مجتزءا ومنقوصا، لخصه الرئيس الأسبق بورقيبة بجملته الشهيرة «الاستقلال مع فرنسا وليس عن فرنسا». ولم يكن أحد يتصور أن تكون الديمقراطية بندا ولو ثانويا على جدول أولويات دولة الاستقلال، أو أن يضعها الفرنسيون شرطا للاستمرار في دعم النظام. فقد التقت نرجسية الغرب ونظرته لقصور الشعوب العربية عن إدراكها، مع مناخ الانقلابات العسكرية التي طغى على معظم أرجاء المنطقة وجعلها آخر الاهتمامات. كان هم من مسكوا بالسلطة هو الحفاظ على كراسيهم قبل كل شيء، ولاجل ذلك الهدف فقد كانوا مستعدين لتقديم شتى التنازلات لمن وصفوهم بالاصدقاء فيما كان الهم الوحيد لهؤلاء هو حماية مصالحهم بكل الوسائل المشروعة والمحظورة على حد سواء. ولاجل ذلك لم تكن فرنسا ومن ورائها دول اوروبا ترى حرجا في أن تتستر على المفسدين وتفرش السجاد الاحمر امامهم ماداموا ملتزمين باتفاق ضمني يقضي ببقائهم في عروشهم، مقابل استمرارهم في فسح المجال امام النهم الاستعماري المحموم في ثروات البلد المعروفة والمجهولة. إنها معادلة قامت على أساس أن الاستبداد والفساد في تونس والغطاء والضمان في باريس، رغم أن بعض الاصوات كانت ترتفع بين الحين والاخر للتنديد بتلك الروابط المشبوهة، بدون المجازفة كثيرا بالتعمق فيها وكشف اسرارها وخفاياها، وحتى حين ظن الكثيرون أن الزلزال العنيف الذي ضرب تونس قبل اكثر من خمس سنوات من الان سوف يمحو تلك الصفحة الكئيبة ويزيلها بالكامل ظل الاشكال قائما وبشكل معكوس في كيفية استبدال تلك المعادلة القديمة بأخرى تنبع من تصور أن الديمقراطية في تونس والحماية والضمان في واشنطن. ولأن المنطق السابق نفسه غير قشرته واستبدل ألوانه فلا يبدو أن الديمقراطية تقدر الان على التماسك والثبات بدون دعم خارجي، حتى لو كان وهميا ورمزيا، مثلما لم يكن بمقدور الاستبداد أن يتواصل كل تلك العقود بدون ذلك الدعم السخي والفعلي. وهنا قد لا يعني فتح الطريق القريب من مقر السفارة ودعوة كيري للاستثمار في تونس شيئا، مادام التونسيون غير راغبين أو قادرين على فتح طريق الديمقراطية الصعب والمحفوف بالمخاطر بأنفسهم، ثم الاستثمار فيه بقوة والصبر على جني ثماره ربما اجيالا وقرونا اخرى.
كاتب وصحافي من تونس
نزار بولحية