برزت أهميةُ الدين ـ كما يقول برتراند راسل ـ منذ نشأة تاريخ الفكر على الأرض، في حين برزت أهميةُ العلم فجأةً في القرن السادس عشر، بعد فترة من الوجود المتقطع عند الإغريق والعرب.
فالدين أو التديُّن قديمٌ في الإنسان الفرد، وفي المجتمعات الإنسانية، وتتعدد مظاهرُه وَفق طبيعة الدين نفسه، من كونه روحيا، فقط، أم زمنيا، ينطوي على أحكامٍ تنتظم شؤون الحياة، ومن هنا تعززت فرصُ الأحزاب والحركات ذوات المرجعيات الإسلامية في الاشتباك، بل والتنافس، وأحيانا الصدام والتناحر مع السلطات الحاكمة ذوات المرجعيات الأخرى، كما تتعدد تجليات الدين وفق معتنقه، من حيث كيفيةُ تعاطيه معه؛ فالدين الشخصيُّ البحت يمكنه أن يعيش -وفق راسل أيضا- حتى في أكثر العصور علمية، دون أن يعكِّر صفوَه شيء، طالما أنه يتجنب التورط في أية تأكيدات يمكن للعلم أن يدحضها. ويمكن أن نضيف أن الدين المقتصر على الناحية الروحية يمكنه ذلك، أيضا، وإن كان على نحو تأويلي، أو انتقائي. ثمة رأي يرى بأن الربيع العربي شديد الانصياع للدين، ومسار الربيع العربي الفعلي قد يبدو مؤيِّدا لهذه الدعوى؛ فقد بدأ بثورات أو مظاهرات عامة، ثم آلَ إلى سيطرة المتدينين على الحكم، كما في مصر أيام الإخوان المسلمين، وتونس من خلال حزب النهضة، أو على الأرض، كما في سوريا.
وليست هذه الدعوى خاطئة بالمطلق، فالدين، أو الإسلام، وهو دين الغالبية، في العالم العربي، لم يزل الدين الذي يقدسه، ويتأثر به على نحو من الأنحاء كثيرٌ من المسلمين، إذ لم تنجح العقائد والأيديولوجيات الأخرى في الاستقرار والانتشار على نطاق واسع.
ويدل على حضور الدين بقوةٍ ملحوظة مؤشراتٌ عديدة، لعل من أوضحها نتائج الانتخابات عموما في المجالس التشريعية، وفي المؤسسات والنقابات المختلفة، وفي بلدان عربية وإسلامية مختلفة.
لكن السؤال هو عن طبيعة هذا الدين، أو الإسلام الذي (يهيمن) أو الأكثر همينةً؟ وما طبيعة التفسير الذي يرتضيه السوادُ العام من أنصاره والمتعاطفين معه؟
هل هو إسلام (راديكالي جذري انقلابي)؟ أم هو دين (وسطي واقعي إصلاحي)؟
وهل الدين فعلا هو الأكثر حضورا، أم الطائفية مثلا، وهي التمظهر الجزئي للدين على نحو سياسي صراعي، أو توظيفي؟
وكيف يحضر الدين ؟ هل يحضر كاملا أم انتقائيا؟ بما يلزم للغايات المعيشية أو للنتائج والخدمات الاجتماعية الملموسة التي حققها إسلاميون؟
نعم، ليس صعبا الإقرار بتقدم الخطاب الديني وزيادة حضوره سياسيا واجتماعيا، وهذا أمر لم يبدأ في «الربيع العربي» ولكن الإسلام السياسي أصبح أكثر حضورا،عربيا، منذ «الصحوة» و»المد الإسلامي» في الثمانينيات تقريبا. ودخلت حركات إسلامية في صراعات لم تقتصر على الجانب السياسي وأدوات الفكر والجدل، بل تعدَّتْها إلى الصراع الدموي، أو الدعوة إلى «الجهاد» لإقامة الدولة الإسلامية، كما في الجماعات المسلحة في مصر التي أجرت فيما بعد مراجعات فكرية ومنهجية، لكن تبقَّى منها، أو تطور عنها، خطابُ «القاعدة» وما شابهها.
ولكن مع بداية الربيع العربي لم يظهر الخطابُ الإسلامي، وطغت على الشعارات معانٍ عامة ومشتركة كالحرية والعدالة والعيش الكريم…
وكانت النظم المستبدة هي الجامع المشترك بين المنخرطين في الاحتجاجات القوية، وهي الخصم المتفق على ضرورة إزالته. وكان هذا هو ما يلزم الهدم. ولكن مستلزمات البناء، أو حتى متطلبات الحكم تختلف، حيث لا بد من برامج سياسية محدَّدة، ومحدِّدة، فأجريت انتخابات برلمانية في مصر أسفرت عن تفوق واضح للإخوان.
وبمقارنة بين الإخوان المسلمين والسلفيين وحزبهم حزب النور نرى التفوق الظاهر للإخوان عليهم حصول الإخوان على 47% من مقاعد البرلمان المصري، وعلى حصول السلفيين على 25% من مقاعده.
بالرغم من كون حزب النور بدا أكثر اعتدالا على الصعيد السياسي فقبل باللعبة الديمقراطية، ولم يتصلب فيما يتعلق بالتزامات مصر تجاه الالتزامات والمعاهدات الدولية والإقليمية، ومنها كامب ديفيد فقد اقترب كثيرا من الإخوان، وقَبِل بذلك بالتعددية السياسية ..
فمن الممكن أن يُقارَب السلفيون مع الإخوان في التأشير على نوعية الفكر وطبيعة التفسير أو التعاطي مع الإسلام في مصر مثلا.. وكذلك تونس التي كانت النهضة هي الحزب الإسلامي الذي يمثل الإسلام في نظر المؤيدين للخطاب، أو البرامج المتأثرة بالإسلام. وهي حركة قريبة من فكر الإخوان ومنهجهم. فالفكر الديني الذي جذب الناس هو فكر (وسطي) (وذلك بالنظر إلى المواقف الفكرية والسياسية الأولية، بغض النظر عن الأداء السياسي العملي الذي نحا فيما بعد منحى تأزميا حادا).
وبالنظر إلى أن الشيء قد يستدعي مقابله فإن ازدياد القناعات بتنامي الحركات الإسلامية، واحتمال وصول ما يُصنَّف منها في التطرف إلى السلطة عزَّز هواجس القلق لدى مرجعيات وأفراد مسيحيين؛ فقرر بعضُهم أن الأسْلَمَ لهم هو في بقاء نُظُمٍ عُرِفت على الأقل، وعُرِف مداها (المعقول) في حفظ نوع من (الاستقرار) المجتمعي، في مقابل صور منفِّرة وغير منضبطة لا تنفك تُشاع حول تلك الجماعات الموسومة بالتكفير، حتى لبعض المسلمين.
فالمسيحيون، أو قسم منهم شعروا، وبدافع من المُعطى الديني الإسلامي الذي لم ينجُ من تشكلات سياسية مقلقة أو غير واضحة في أقل تقدير بالقلق على وجودهم ومصيرهم.
فهل الالتفاف حول الإخوان ديني أم سياسي؟ الظاهر أن ظهور الإخوان في مصر مثلا، (وكذا النهضة في تونس) هو سياسي أكثر منه ديني، والتأييد لهم شعبيا كان تأييدا سياسيا، ربما بوصفهم الجماعة الأكثر تنظيما، أو الأكثر ائتمانا على السلطة في نظر مَن انتخبهم، مقابل الطرف الثاني الذي لم يقطع على نحو مُطَمْئِن مع النظام الذي ثاروا عليه.
د. أسامة عثمان