إذا كانت الذائقة السليمة، بقدرتها الحسية والانفعالية، هي المحرك الأساس لتأسيس منطلقات النقد والمشاريع النقدية، في ما بعد، فإنها مثلت الركيزة الأساس للفلسفة، كرؤية وفعل نقدي تمحيصي، خاصة في ما يخص الفلسفة الوجودية، التي نقلت التعبير الفلسفي، من صيغته المجردة القديمة، إلى صيغته الفنية المتمثلة بأشكال التعبير الأدبي وأجناس الأدب الحديث، شعرا ومسرحا ورواية.
ورغم أن هذه النظرة العامة تبدو تبسيطا ممجوجا، إلا أنها كفيلة بأن تضعنا أمام حقيقة واقعة، هي أن الذائقة، كوسيلة تمييز نقدي، هي أيضا وسيلة إنضاج للبؤر التي تمحور حولها جهد الفلسفة الوجودية، بعد خروجه من القوالب البحثية المجردة إلى فضاءات الترويض والتجميل، خاصة في جنس الرواية، الذي بدأ اشتغال حقله الوجودي، الروائي الروسي الكبير، فيودور دستويفسكي.
وفعلا، فقد وفر اتخاذ الفلسفة الوجودية للأجناس الأدبية كوسيلة للتعبير وطرح أفكارها، الفرصة المثالية للاقتراب من تجربة العيش والنفاذ عبرها إلى أدق الأسئلة والمشاكل التي يعانيها الإنسان، والمرارت التي تطارد روحه وانتظاراته، وتعلق عينيه على حبل غسيل، لا يعرف من يمسك بطرفيه، لأنه معلق فوق هوة، تظللها سماء بلا لون؛ والأهم هو أن ما يعلقه حبل الغسيل هذا، متغير الهيئات وبلا ملامح. وما يشغلنا هنا في أمر الذائقة هو مدى أهليتها لإداء دور الأساس أو نقطة الانطلاق التي تبنى عليها الفرضيات النقدية ـ كقاعدة للتفلسف وبناء الرؤية الفلسفية ـ في نسج وتمتين قواعد ومنطلقات الأسئلة التي ترسم وجه المشكلة وأوجه تمظهرها.
فالذائقة العامة، ذائقة أي مجتمع من المجتمعات، هي المرآة التي تعكس ثقافة المجتمع، بعمقها المعرفي والفكري، وتدلل على مستوى نضوج منطلقاته وآفاق تطلعاته، وإذا ما كانت وسائل تعبيره عن مشاكله ـ بالدرجة الأولى ـ قد حققت القدرة على عكس نضوجه الثقافي والقيمّي (في صورتهما الفلسفية)، وأيضا نضوجه النفسي والإدراكي، في الجرأة على الطرح والعرض (السريري)، غير المتردد، وبإرادة ورغبة غير مقموعتين، تحت أي طائلة يفرضها المجموع الاجتماعي، تحت دعاوى المواريث والعادات التي تفرض على الأفراد وتقمع حرياتهم الشخصية.
الذائقة الناضجة هي التي تمنح البناء الاجتماعي أدوات نقدية رصينة ومتوازنة وثابتة (غير إنسلاخية) تؤهله لإنتاج مشروعه الثقافي المستقر وغير القابل للمساومة.
إن المشروع الثقافي لأي مجتمع من المجتمعات هو صورة لذائقته النفسية وطريقة تفكيره وأخذه للحياة.. ومجتمع بلا ثقافة ينتجها عقل رصين، لن تتعدى حدود ذائقته، أزقة حواريه وأسواقه الضيقة وسطوة مؤسساته البيروقراطية، سواء كانت اجتماعية أو إدارية أو سياسية.
والمشاريع الثقافية للمجتمعات لا تنتجها إلا ذائقة ناضجة مؤهلة لإنتاج قواعد ومشاريع نقدية (أدبية ثم ثقافية) تمنح، أولا، إنتاجها الأدبي والفكري ما يستحق من دراسة وحفاوة وتقويم، ثم تمنحه التقييم الذي يؤهله لأن يكون أداة فعل وتغيير وإنضاج لسيرورة العملية الثقافية التي تسيّر المجتمع، ثانيا.
وعندما يحكم الذائقة وضع ثقافي وفكري مختل أو متخلف، يظل المجتمع وتطلعاته محكومين بوضع ثقافي، أقل ما يقال عنه مترجرج أو غير قادر على هضم والتفاعل وقبول الأفكار الجديدة والمتطورة، التي تنتجها بعض عقول أبنائه الكبيرة، التي لا تتوافق مع حالة الركود (النفسي، التي يخلقها الإرث الاجتماعي، عادات وتقاليد) التي يعيشها، والتي هي تمثل قاعدته الثقافية غير المعلنة، أو التي يتجنب الاعتراف بها، ويسعى أعضاء مؤسساته لإدغامها أو تضييع ملامحها كمشكلة تستحق المواجهة والحل.
ولعل حالة المجتمعات العربية خير مثال على ما نقول؛ فالذائقة العربية المحكومة بإرث ثقافي متأرجح ومختل ـ هو سلسلة من العادات والتقاليد والمواريث الاجتماعية ـ تأبى الخروج من أسر هذا الواقع، لأنها ببساطة لا تملك المؤهل الثقافي الذي يساعدها على هضم الأفكار (الثقافية) التي تناقض أو تعاكس قوالبها (النفسية) الراسبة في العقل الباطن، والتي تمثل قواعدها الثقافية الحقيقية.. وهنا أنا لا أتكلم عن المجموع العام وإنما عن النخب الثقافية، التي تتمثل في المجتمعات العربية في المؤسسات الأكاديمية والثقافية السلطوية، على وجه الخصوص.
ولنأخذ هنا مثال الكوادر الأكاديمية التي تشتغل في تدريس النقد الأدبي، فهذه الكوادر، التي درست وتدرس المناهج النقدية الأوروبية في الجامعات العربية، لم يمكنها تعليمها الأكاديمي (والكثير منهم تحصل على شهاداته العليا المتخصصة في النقد من الجامعات الأوروبية) من ابتداع مشاريع نقدية من نتاج عقولهم وبما يناسب الثقافة العربية، كنتاج للعقل والتركيبة النفسية العربية. فنحن نرى أستاذ النقد (وهو غالبا ما يستحلي أن يسمي نفسه ناقدا) يدرّس لطلبته مناهج أو مدارس البنيوية والتفكيكية والسيميائية المستوردة، على مقاعد الدرس، لكونها منهاجا مقررا من قبل الوزارة، والأهم لأنه لا يملك غيرها، لأن العقل العربي لم ينتج مشروعا أو منهجا نقديا… بل ولا حتى مجرد رؤية بملامح محددة، نستطيع أن نسميها رؤية نقدية. ولهذا نرى هؤلاء الأكاديميين عندما يمارسون النقد ويطبقونه على نصوص الثقافة العربية، إما أن يطبقوا المناهج الأوروبية، فيأتي شكل النقد فجا غريبا على الذائقة العامة، أو يطبقوا عليها ـ وهذا هو الأعم الأغلب ـ انطباعات ذائقتهم، بإرثها النفسي/ الاجتماعي، الذي عندها سيكشف تهافت هذه الذائقة وتخلفها، لأنها لا تختار للتطبيق إلا أكثر النصوص سطحية، لأنها نتاج الذائقة العامة لمنتجيها أولا، ولتوافقها مع الذائقة الاجتماعية العامة، التي يجد نفسه مجبرا على مراعاتها، ثانيا، لاعتبارات ما أنزل فيها النقد ولا الثقافة من سلطان: فقط لأنها تعكس ثقافته الراسبة في عقله الباطن والجمعي فعلا!
ولهذا نجد أنفسنا أمام مشكلة ثقافية كبيرة، تتمثل في إهمال وإقصاء النزر اليسير من الأعمال الثقافية الكبيرة (في حقل القصة والرواية على وجه الخصوص) التي تنتجها بعض العقول العربية الكبيرة (الشاذة!)، تارة بحجة جرأتها، وأخرى بابتعادها عن الواقع، وثالثة ـ وهذا المضحك المبكي في تخلفه وترديه ـ لعدم انسجامها مع الذائقة العامة و(حرماتها الثقافية). ولنقرب الفكرة، وعلى سبيل المثال، قرأت في مطالعاتي لصباح هذا اليوم، وهو اليوم الثاني من شهر يونيو/حزيران من عام 2014 ، أن رواية «الليالي المنسية» للروائي العراقي تحسين كرمياني، قد منعت من التوزيع في جميع البلاد العربية، وطبعا مثل هذا المنع المشدد لا يصدر إلا بحق رواية جريئة، مبتعدة عن مألوفات الواقع (مستنقع الاجتماعية المحلية)، والأهم، لكسرها القوالب وعدم انسجامها مع الذائقة العامة و(حرماتها الثقافية)… فكيف سنرتقي بالذائقة العامة، التي هي أساس الارتقاء بالمشروع الثقافي وترصينه، والحال هذه؟ والسؤال المهم: من قال إن الذائقة العربية تمتلك من النضج ما يضعها في مرتبة (القداسة) وعدم مساس التطوير، وبأي دليل؟ هل أنتجت الذائقة الإبداعية العربية روايات تضاهي روايات ماركيز أو جيمس جويس أو فرانز كافكا أو ارنست همنغواي، في عمقها الفكري والتثقيفي و(الذوقي)؟ هل أنتجت الذائقة العربية ـ كمرجعية ثقافية هنا ـ مشروعا نقديا نستطيع أن نقول إنه جهد ثقافي و(ذوقي) عربي يكون مرجعا لمشروع ثقافي عربي كبير، ويعكس حالة ثقافية متميزة، بهوية عربية خالصة؟
علينا أن نعترف بأن ثمة إشكالية فكرية/ثقافية تحكم وتتحكم بمصير نمو وارتقاء الذائقة العربية، وأن أسباب هذه الإشكالية، ذهنية/نفسية، تتأتى من عدم نضوج العقل والتركيبة النفسية العربية، بسبب تركيبتها البدوية/الصحراوية، التي تمثل حالة انغلاق في مديات وآفاق التفكير والقدرة على تقبل الجديد والمناقض من الأفكار، وهذا هو ما يمثل حالة الجمود والنكوص أمام اشتراطات حالة التعاطي، مع فلسفات الأشياء، كأطر عامة، والانسجام مع فكرة قبولها.
وتتمحور إشكالية الذائقة العربية في فكرة الرفض المسبق الأصم للأفكار، وأيضا في عدم الإيمان بالأفكار بعد تحولها إلى حقائق؛ وهذا ما أدركه (لورنس) بحسه العميق، بعد أن عاش في جزيرة العرب وخبر الذائقة العربية عن قرب بقوله: «العرب لا يؤمنون بما يدعون إليه». أما أسباب هذه الإشكالية فتعود وتتعلق بالبنية الخاملة للعقل العربي بالفطرة، وبالتالي ـ وهذا ما يترتب على بنية الخمول ـ عدم القدرة على تقبل الأفكار الجديدة، بسبب فقدان رهافة الحس و(ضمور) أدوات التمييز أو القابلية على التعامل معها وهضمها.
* ناقد عراقي
سامي البدري