صدرت عن دار فضاءات للنشر والتوزيع في الأردن المجموعة القصصية الثانية للقاصة المغربية فاطمة الزهراء الرغيوي، اختارت لها عنوانا دالا «خمس رقصات في اليوم» وتزينها لوحة للفنان المغربي محسن العتيقي.
تقع المجموعة في 94 صفحة من القطع المتوسط، وتتضمن أربعة عشر نصا: وقت قاتل، ثلاث نساء، حقيقة، خمس رقصات في اليوم، رجل لامرأة أخرى، لم يعد ساعي البريد يضحك، العيد، صلاة، سفر، حب أيسر، سمعت، الطعام، جوع، البهلوان يحلم وحيدا.
تطرح المجموعة إشكالات عديدة من قبيل الأسرة، والمرأة، والرجل، والمشاعر، والأحلام، والإحباطات، والموت، والسفر… وهي إشكالات عالجتها المبدعة بعدسة فاحصة جعلتها تغوص في الذات كاشفة عن سؤالها ووجعها بواسطة لغة تتوزع بين ما هو شعري وما هو تقريري وبين ما هو رمزي وما هو عامي؛ وكأن الكاتبة ترفض نسقا لغويا مخصوصا، وتعمد إلى التنويع في لغتها بما يناسب مقام النص الدلالي. ولعل أهم ما يميز هذه المجموعة هي استثمارها لعنصر الذات في علاقته بأسئلة الأنوثة، حيث جعلت معاناة المرأة في مواجهة الإشكالات السابقة المحور الأساس الذي بنيت عليه المجموعة.
تمعن المجموعة في رصد تفاصيل الأنثى؛ وهو رصد يتعدى الجانب المباشر ليغوص في الأعماق الداخلية، سواء في تعلقها بالذات أو بالآخر أو المجتمع، فالرغيوي لا تتخذ من الأنثى بعدا نضاليا تعمد إلى جعله مرجعية أيديولوجية، وإنما تتعامل مع الأنثى في بعدها السردي، فنحن أمام عمل سردي تخييلي يمتاح من الواقع المعيش، ومن حالات اجتماعية قد نصادفها أو سبق أن صادفناها، لكن معالجة الكاتبة لها تمت بطريقة جمالية احترم فيها شرط الكتابة.
إن الكاتبة وهي تسافر بنا إلى تخوم الحكاية جعلتنا نتوهم صدق الحكاية، من دون أن نقدر على مساءلتها لأن المعطى الجمالي فتت المعنى الخطي، لهذا سقطنا في فخاخ محبوكة بمهارة، إن «خمس رقصات في اليوم» تشبه الجذبة الصوفية لأن صاحبتها كانت تعلو بلغتها وأحداثها عن الخطية إلى الرمزية القائمة على استغلال البعد الإشاري للعبارة والجملة والموقف السردي..
وأنا أقرأ هذه المجموعة أحسست بسعادة عارمة تغمرني، أنا الآن أعبر عن سعادتي بما قلته حول المجموعة وفي ما سأقوله، لأنني تورطت ورطة جميلة وأنا أحكي عن مواقف المجموعة، ولأن صاحبتها أنثى وأحداثها رسمت بريشة أنثوية، سأحاول أن أرصد تمثلات الأنثى في المجموعة.
تحاول المجموعة أن تقدم رؤيتها للعالم، وهي رؤية لا تحاول أن تمرر موقفا منها، وإنما هي بالكاد تحاور العالم وتطرح الأسئلة وتتركها معلقة، ربما لأن الإجابة تحيل إلى الموت والراحة، ولأنها تؤمن بالقلق كسبيل للكتابة النوعية، فإن هذا القلق تمثل في نص مركزي في المجموعة هو «خمس رقصات في اليوم»، النص الذي يعالج إشكال الأنوثة في علاقته بثنائية السواد والبياض، التي تكتزن الصراع بين مرحلتي الشباب وبداية انبلاج التجاعيد. وهذه الثنائية تحضر بشكل رمزي في هذا النص عبر انفتاحها على خارج الذات الأنثوية: «طالعها اللون الأبيض لسقف غير متقن الصباغة ومصباح عادي. التفتت إلى جانب السرير باحثة عن ساعتها اليدوية. كان الوقت متأخرا، عمرا ضائعا، وحده الخوف كان يشغلها فنسيت في خضم رعبها أن تعيش».
ينفتح اللون الأبيض في هذا المقطع على الغرفة التي تحتوي البطلة، فالأبيض يطالعها وهي تنظر إلى السقف، الأبيض تسلل من جسد البطلة من شعرها من أهدابها من وجودها لينكتب في السقف، وهو السقف الذي يمنعها من التطلع إلى السماء البيضاء، ويتعلق الأبيض بالزمن، حيث تبحث البطلة عن ساعتها لتتأكد من عمرها، وكأن الزمن يفر منها ينسلت من أصابعها يسافر نحو الغياب، لكنها تحس أن الوقت متأخر ربما هو كناية عن خريفها، خصوصا أنه التصق بتعبير صريح عن ضياع العمر وتعويضه بالخوف الذي أجل هروبها نحو الحياة لتعيش، ولأنها قررت أن تعيش كان عليها أن تبحث عن وصفة تعيد الحياة إليها، والحياة لا تتمثل إلا باستعادة الصورة المثالية للساردة صورة امرأة كاملة ناضجة بدون تجاعيد، تقول الساردة: «تناولت من الطاولة جنب السرير، إناء صغيرا وملعقة. داخل الإناء تراصت حبات سوداء وبنية أوصى بها العشاب. قال إنها تفيد في فك الضيق ومحو التجاعيد وإبعاد العين».
إن استعادة الجسد تحتاج إلى وصفة سحرية تكمن في قلب المسافات واستعادة الزمن الجميل الخالي من التجاعيد والأمراض، وهكذا تتكلف الحبات السوداء والبنية باستعادة الجسد الفتي وتأجيل التجاعيد، إن الحبات السوداء تمثلت مقابل البياض، وكأن السواد هنا سيتمكن من إزالة البياض، خصوصا أن الحكاية تدور في الليل رمز السواد والخطايا والحقيقة، هل ترتكب البطلة خطيئة بالتحايل على الزمن لتستعيد أنوثتها المغيبة والقصية؟
إن الحبة هنا هي السفر عبر الزمن لاستعادة نضارة الجسد وفتوته، هكذا تدمن البطلة على حبات سوداء تتخذ لها مواعيد منتظمة: «خمس ملاعق صغيرة في اليوم. خمس محاولات لتضحك ولتبدو أصغر ولتدرأ عنها العين غير البريئة لناظر متطفل».
إن استعادة الأنوثة المغيبة يتطلب التزام طقس خاص، ينبني على استثمار الأزمنة التي يتوزع إليها اليوم والمنقسمة إلى خمسة، ورقم خمسة بما هو يكتنز دلالات كثيرة، سواء تلك المرتبطة بما هو ديني أو اجتماعي وميتافيزقي أو أنثروبولوجي، خمسة رمز للقداسة ويحيل إلى الشر ودرء خطورته. والقصة التي نحن بصدد فهمها وتأويلها تستعين بدلالات هذا الرقم بشكل موارب، إن الانتظام في أخذ حبات سوداء خلال أوقات محددة هي: الصبح- الظهر – العصر – المغرب – العشاء. هو السبيل لاستعادة الأنوثة، وهي الأوقات الخماسية المشكلة للنجمة بما تستبطن من دلالات التعالي والاستحالة والجمال والرفعة.. إن الأزمنة الخمسة هي الكفيلة باستعادة الضحك واستعادة نضارة الجسد وتجاوز أعين الحاقدين. تتناول البطلة حباتها بانتظام وتشغل آلة التذكر لتستعيد مجدها التليد، حينما كانت لا تحتاج إلى رقم خمسة، ولا تحتاج أن تنظر إلى المرآة كي لا ترى نفسها ولكي لا تتذكر، إن فعل التذكر هو استعادة لزمن هارب، زمن الأنوثة المكتملة بلحظاته المجنونة وتقاطعاته مع الحياة، البطلة تتجاوز حاضرها ولا يسعها سوى أن تؤجل حلمها إلى حين استعادة الأنوثة عن طريق الحبات السوداء، وعن طريق إلغاء الزمن المادي والصعود نحو زمن آخر استعادي داخلي، ولا يسعها سوى أن تتفنن في الهروب بين زمن العشاء والفجر حينما يبدأ اليوم دورته، بين هذين الزمنين ترخي البطلة وجعها ليقودها إلى ما بين الزمنين ،وبينهما تقيم في علبة ليلية تعرض جسدها البراق، جسدها الذي استعاد مجده الغابر، ولكي تنتصر تدخل في نوبات متواصلة من الرقص: «ترقص فتحيا. تلمع عيناها ببريق غريب. وتنسى وتحيا وتنسى.. «. هنا تتخذ البطلة من الرقص وسيلتها للتورط في الحياة ووسيلتها للهروب من الزمن نحو ليل يقدس جسدها ويبارك ترهلاته، ترقص لتعيش لحظتها وتنسى حاضرها الذي يذكرها بجسدها المترهل، لكنها تنتصر على الزمن وتستعيد جسدها المغيب، وتتكرر وصلة الرقص خمس مرات بحجم حبات اليوم، ثم تنزوي إلى ذاتها ترمم جسدها العجوز وتلعنه، وتعود إلى حباتها حبات الحياة.
لقد تمكنت فاطمة الزهراء الرغيوي من صنع عوالم سردية متورطة في الحياة، حيث تقتنص لحظات ومواقف عابرة لا نلتفت إليها إلا على نحو مباغت، لكن الكاتبة تتعقب اللحظة لتقيم داخلها، تحاورها، ثم تنقض عليها لكي تفهمها وتحتويها، ثم تعيد إنتاج اللحظات وفق مرجعياتها الجمالية المتنوعة لتؤسس نصا قصصيا مختلفا.
خمس رقصات في اليوم هو عمل إبداعي متميز يسعى إلى طرح الأسئلة بشكل مفارق وساخر بهدف التنبيه إلى خطورة السؤال، وأعتقد أن من مهام الإبداع أن يتصادم مع واقعه بهدف تغييره لا أن يتصالح معه.
كاتب مغربي
محمد العناز