لعل أبرز سمات العراقيين، قدرتهم الكبيرة على تشكيل ذاكرتهم التاريخية بطريقة تحيد التاريخ بوصفه سجلا للأحداث، إذا اعتمدنا المنظور التقليدي، أو بوصفه خطابا يجب موضعته في الإطار السياسي والاجتماعي والثقافي المنتج له. وذلك من خلال إعادة إنتاج هذا التاريخ ليكون رواية ذاتية، وانتقائية، وإلزامية، لا يمكن معها لأية رواية أخرى إلا أن تكون تحريفية.
على مستوى خطاب الدولة/السلطة في العراق، كانت الذاكرة بعد 14 تموز 1958، ذاكرة قسرية تفرضها الدولة من خلال مؤسساتها التعليمية، والإعلامية، والرقابية بمختلف أنواعها، مهمتها شيطنة الحقبة الملكية، ورجعنتها ـ من رجعية، واتهامها بالفساد المطلق، والحكم الأحادي، حتى نسي العراقيون أنها كانت حقبة بناء الدولة الحديثة ومؤسساتها، والتحديث، والحقبة الأقل فسادا في تأريخ العراق الحديث، وأنها على الرغم من نظامها الملكي، كانت دستورية، وذات مؤسسات ديمقراطية، ووفرت حرية الأحزاب والصحافة. وفي مقابل هذه الذاكرة أنتج تاريخ مفترض للدولة/ السلطة قائم على شعارات الزعيم الأوحد، والتقدمية، والديمقراطية، والسلام، التي كانت تتردد أصداؤها في كل مكان.
وبعد8 شباط 1963، ثم18 تشرين الثاني 1963، تشكلت بالعراق ذاكرة قسرية أخرى، تصف الأعوام الخمسة السابقة عليها، بكونها أعوام نظام عدو الشعب، والطاغية، والخائن المجرم، والدكتاتور. وتعيد توصيف الحركات التي قامت بوجه عبد الكريم قاسم، فتصبح مؤامرة الشواف، ثورة الشواف. ويعاد تسمية المتآمرين والرجعيين أمثال رفعت الحاج سري وناظم الطبقجلي ورفاقهما الذين أعدمهم عبد الكريم قاسم بالشهداء. ولا نعود نتذكر ـ رسميا ـ من زمن قاسم سوى مذابح الموصل وكركوك، ومحاكمات المهداوي الشهيرة. واستمرت محاولة تكريس التمييز بين مكتسبات الثورة (قانون الإصلاح الزراعي، وقانون رقم 80 الخاص بالنفط على سبيل المثال) ورجالاتها بوصفهم كانوا أيضا من صانعيها. وتكرر الأمر نفسه بعد 17/30 تموز 1968. وبعد 9 نيسان 2003، بدأت محاولة أخرى لشيطنة النظام السابق، و تسخيف أفكاره و منجزاته، و إظهار رجالاته كلهم بمظهر المجرم القاتل. وصار النظام البائد وكل ما يمت اليه بصلة رمزا لكل ما هو سيئ، وفاشل. وصار من يتحدث عن «منجزات الثورة» التي جعلت الأمم المتحدة تصنف العراق قبل العام 1991، بأنه في بعض مجالات التنمية تجاوز حدود العالم الثالث، وان معدلات الدخل بالقيمة الثابتة وصلت أعلى مستوياتها في ظلهم، وأن هذه المعدلات لم يتم تجاوزها إلى حد اليوم، وأن نسب الالتحاق بالتعليم وصلت في السبعينيات إلى ما يتجاوز نسبة 100 في المئة، يتهم مباشرة بأنه بعثي صدامي من أعوان النظام البائد، وربما اتهم بالإرهاب والتكفير وأشياء أخرى. المتغير هذه المرة أنه لم يعد صراعا سياسيا وحسب، بل أصبح صراعا سياسيا بحمولة طائفية، يستحضر مدونة دينية، وسرديات هوياتية. والكوميدي هنا أن من يتحدث بهذه الحقائق التي لا علاقة لها بديكتاتورية النظام أو دمويته، أصبح بالإمكان الحكم عليه بعشر سنوات بموجب قانون «حظر حزب البعث» بتهمة الترويج لحزب البعث!
الإشكالية الاخطر هنا، أن هذه الذاكرة الانتقائية تجاوزت الدولة/السلطة إلى الشعب نفسه، الجميع لا يتذكر إلا ما يريد تذكره، وينسى، بل ويلغي ما عدا ذلك. نشهد في ذكرى ثورة 14 تموز من كل عام بعد نيسان 2003، مظاهرات وندوات ولقاءات تمجد عبد الكريم قاسم بوصفه الزعيم الأوحد والشهيد ورجل الثورة. وينسى هؤلاء أن الأخير كان دكتاتورا بامتياز، وانه كان المسؤول المباشر عن جرائم ضد الإنسانية في الموصل وكركوك وقرى برزان. وان تاريخ الدم في العراق كان نتاجا مباشرا لحقبته.
في العام 1997، استضاف برنامج كان يقدمه الباحث السوري محي الدين اللاذقاني على إحدى الفضائيات العربية الدكتورة نزيهة الدليمي على الهاتف من ألمانيا، وقد دافعت في اللقاء بحماسة منقطعة النظير عما جرى في الموصل في آذار 1959، من فظائع، وبكلمات قريبة من الكلمات التي وصفت بها صحيفة «اتحاد الشعب» الأحداث حينها، ومن دون أي نبرة مراجعة. ولكن الجميع نسي، أو بالأحرى تناسى هذا كله، وصار يتحدث عنها بعد رحيلها لاحقا بوصفها رمزا للحرية والديمقراطية والسلام، بل قررت الحكومة العراقية إقامة تمثال لها.
في العام 1983 تم ذبح 20 طالبا جامعيا في على طريق الموصل ـ أربيل، وكان القتلة ينتمون إلى أحد الأحزاب الكردية، بقيادة شخص يدعى «أبو ريشة»، والأخير قتل لاحقا في مواجهة مع الجيش العراقي، وبعد العام 2003، تم الإعلان عن إقامة نصب تذكاري باسمه في مدينة كركوك.
و نحن نعرف أن الأحزاب السياسية الإسلامية القائمة اليوم في العراق، كانت تفخر بعملياتها البطولية، مثل تبني إحداها عملية نسف الجسر الرابط بين البصرة والتنومة، واقتحام السفارة العراقية في بيروت بسيارة مفخخة، يعدها البعض أول عملية استشهادية/انتحارية في العالم الإسلامي!!!
وتبني حركة أخرى عملية تفجير وزارة التخطيط في بغداد بسيارة مفخخة يقودها استشهادي/انتحاري، وعملية تفجير أخرى بسيارة مفخخة في المؤسسة العامة للإذاعة والتلفزيون. بل أن إحدى هذه الحركات ما زالت تدون على موقعها الالكتروني عملياتها البطولية، مثل تفجير مبنى دار الحرية للطباعة والنشر، وتفجير مكتب الخطوط الجوية العراقية في شارع السعدون، وتمجد الشهيد البطل قائد عملية الجامعة المستنصرية البطولية، و جميعها كان أهدافا مدنية. لم يقف الأمر عند حد التبني والتمجيد، فهذه الحركات استخدمت نفوذها لتمرير قوانين لمكافأة «انتحارييها» بوصفهم شهداء يستحقون التكريم والرواتب التقاعدية.
والأمر ذاته يتكرر مع النخب السياسية الحاكمة اليوم، فأغلبها كان يؤمن بالعنف، ويمارسه، بوصفه نضالا مشروعا ضد نظام دكتاتوري. ولكنهم جميعا أيضا تورطوا في عمليات ضد أهداف مدنية، وضد مدنيين، و «أيديهم ملطخة بدماء العراقيين»، ولكنهم اليوم ينالون المناصب، والتعويضات، والرواتب، والأراضي السكنية، لمجرد إنهم اليوم هم «المنتصرون» والذاكرة التي بصدد التشكيل اليوم هي ذاكرتهم.
بل وصل الأمر إلى حدود القانون، الذي يفترض انه «قاعدة عامة مجردة»، إذ نجد قوانين لا تجرم الفعل من حيث طبيعته، وإنما تجرم الأفعال من خلال القائمين بها. والمثال الأوضح على ذلك قانون «مكافحة الارهاب» الذي صمم بقصدية صريحة.
بعد دخول تنظيم الدولة/ داعش على الموصل، بدا واضحا أن المنتصرين المفترضين أيضا يريدون ان يفرضوا تاريخهم الانتقائي بفاشية لا تقبل المراجعة! هكذا يجب ان تشكل الجريمة البشعة التي ارتكبتها داعش ضد مجندي سبايكر، والتي لم يصدر حتى اللحظة بيان رسمي يوضح ملابساتها او عدد المغدورين فيها! ذاكرة «وطنية» تذكر الجميع بطبيعة الجرائم ضد الانسانية التي ترقى لأن تكون جرائم حرب التي ارتكبتها داعش، ولكنهم في الوقت نفسه يرفضون رفضا قاطعا، بل ويغطون سياسيا واجتماعيا، على جريمة الإخفاء القسري والقتل خارج إطار القانون التي ارتكبتها مليشيا الحشد الشعبي وبعض الوحدات الرسمية ضد الآلاف من المدنيين النازحين في الصقلاوية والرزازة وغيرها!
لا يمكن أن تكون الانتقائية حاكمة لمجرد أنها ذاكرة «القابضين على السلطة»، وإلا سنكون أمام تسييس للتاريخ وللقانون وللعدالة، وسوف يكرر التاريخ الديكتاتوري نفسه بأشكال مختلفة، ولا يمكن لذلك أن ينتج مصالحة تاريخية حقيقية، مع الذات، ومع الآخر. ولا بد أن يعتذر الجميع، وبلا استثناء، عن تاريخهم العنفي، نظرية وممارسة، وعلى المنتصرين أن يكونوا القدوة في ذلك. حينها، وحينها فقط، ستكون مطالبة الآخرين بالاعتذار مقبولة أخلاقيا.
٭ كاتب عراقي
يحيى الكبيسي