قيادة منظمة «حماس» في قطاع غزة تواجه في هذه الأثناء برنامجا يوميا مكتظا، مليئا بالتناقضات المتعاكسة. فبعد سنوات من محاولات الركض من قبل «حماس» يبدو أن سلطة الجنرالات في مصر مستعدة الآن لتحسين علاقتها مع المنظمة، الأمر الذي يجد تعبيره في تخفيف ما للحصار المشدد على القطاع. من المفروض أن تنتهي العملية المعقدة للانتخابات في مؤسسات «حماس» في الأشهر القريبة.
إسرائيل تحاول تسريع المفاوضات لإعادة المواطنين الثلاثة المفقودين وجثتي الجنديين الإسرائيليين المحتجزتين في غزة. وفي الخلفية تستمر المنظمات السلفية في إدارة ظهرها لنظام «حماس» من خلال محاولة التحرش بإسرائيل، سواء ًكان ذلك من أجل تصفية الحسابات حول تعذيب نشطائها في غزة، أو الانتقام من التقرب بين «حماس» ومصر، التي تحارب فرع «داعش» في سيناء.
في جميع هذه الخطوات تبرز القوة المتصاعدة للذراع العسكرية لـ»حماس» على حساب الذراع السياسية القديمة، الذي قاد المنظمة في القطاع في السنوات الأخيرة، حتى لو لم ينجح في فرض سيطرته بشكل كامل على النشطاء الإرهابيين.
حسب الأنباء التي نشرتها، في نهاية الأسبوع، صحيفة «الشرق الاوسط» السعودية الصادرة في لندن، فإن الذراع العسكرية تسجل انجازات في الانتخابات الداخلية في غزة على حساب الذراع السياسية.
هذا الإدعاء يناسب انطباعات الاستخبارات الإسرائيلية، ويبدو الآن أن اسماعيل هنية، رئيس حكومة «حماس» في القطاع، سيخلف خالد مشعل في المنصب الأهم، وهو رئيس المكتب السياسي للمنظمة، وإضافة إلى هنية، هناك مرشحان آخران هما عماد العلمي وخليل الحية، اللذان يخضعان لتأثير الذراع العسكرية أكثر من مشعل.
إن زيادة قوة الذراع العسكرية تتم في ظل وجود شخصية جديدة نسبيا في النخبة: يحيى السنوار الذي أطلق سراحه في صفقة شليط في أكتوبر/ تشرين الأول 2011. والسنوار يُوصف الآن على أنه الرجل الأقوى في الذراع العسكرية، الذي استطاع أن يتجاوز بتأثيره ومكانته الشخصيتين الرفيعتين في الذراع، محمد ضيف ومروان عيسى. هناك شخصية رفيعة أخرى هي أحمد الجعبري، الذي وُصف في السابق كرئيس أركان «حماس»، واغتيل على أيدي إسرائيل في القطاع في بداية عملية «عمود السحاب» في نوفمبر/ تشرين الثاني 2012.
منذ ذلك الحين أصبح محمد ضيف هو المسؤول عن العمليات العسكرية، وقد نجا من عدة محاولات للاغتيال. السنوار فاعل أكثر من الناحية السياسية إلى درجة أن المصادر الأمنية في اسرائيل تصفه كرئيس «جناح الصقّور» في القيادة في غزة.
السنوار يبلغ 55 سنة من عمره، ترعرع في مخيم خانيونس للاجئين، وهي المنطقة التي ترعرع فيها محمد دحلان. وكان السنوار من أوائل النشطاء في كتائب عز الدين القسام، الذراع العسكرية لـ» حماس «، التي أُنشئت في بداية الانتفاضة الأولى. في عام 1989 حُكم على السنوار بالمؤبد في إسرائيل بسبب قتله الفلسطينيين الذين اشتُبه في أنهم متعاونون. شقيقه الأصغر، محمد، كان قائداً لمنطقة خانيونس. ومحمد كان على صلة بعملية اختطاف جلعاد شليط في يونيو/ حزيران 2006، التي أدت بعد خمس سنوات إلى إطلاق سراح يحيى.
في سجن «نفحة» جمع يحيى السنوار من حوله نشطاء موالين له، اثنان منهم أُطلق سراحهما معه، وحظيا بمناصب مركزية في الأجهزة الأمنية لـ»حماس»: روحي مشتهى، مسؤول ملف الأسرى، وتوفيق أبو نعيم، رئيس جهاز الأمن الداخلي في القطاع.
السنوار يفرض الخط المتشدد لـ»حماس» أيضا في المفاوضات حول تبادل الأسرى. وبعد إطلاق سراحه في عام 2011 وعد السنوار في مهرجان في غزة بأنه لن يهدأ إلى أن يحرر جميع أسرى «حماس» بالقوة من السجون الاسرائيلية. وحسب التفاصيل التي تسربت بشكل غير مباشر من المفاوضات، يبدو أن السنوار وزملاءه يريدون الحصول على تنازلات كبيرة نسبيا من اسرائيل: في البدء اطلاق سراح 56 من محرري صفقة شليط في الضفة الذين عادت إسرائيل واعتقلتهم بعد اختطاف الفتيان الثلاثة في «غوش عصيون» في يونيو/ حزيران 2014، ومن ثم اطلاق سراح أسرى آخرين.
في بداية الشهر تحدثت وسائل الإعلام العربية عن أن «حماس» رفضت اقتراح اسرائيلي جديد كان من شأنه أن يحدث تقدما في المحادثات. الفلسطينيون الذين التقوا مع السنوار قالوا إنه شخص متطرف حتى قياسا مع منظمته، وهو يتحدث بمفاهيم نهاية العالم والحرب الأبدية ضد اسرائيل.
هآرتس 12/2/2017