الذكرى الـ67 للاعلان العالمي وحقوق الانسان العربية الضائعة

حجم الخط
3

يصادف غدا اليوم العالمي لحقوق الانسان، تخليدا لذكرى اقرار الامم المتحدة الاعلان العالمي لحقوق الانسان في العاشر من ديسمبر/كانون الأول 1948. وبرغم مرور قرابة العقود السبعة فما يزال السجال حول هذا الموضوع يحظى باهتمام سكان هذا الكوكب. ويمكن اعتبار انتهاك حقوق الانسان من اوضح تجليات الظلم في النظام السياسي الذي يحكم البلدان. كما يمكن القول ان عقد التسعينات شهد ذروة الاهتمام الايجابي بهذه المنظومة، وتجسد ذلك في عقد قمة فيينا 1993 لتطويرها وتوسيعها لتشمل الدفاع عن المدافعين عن تلك الحقوق.
وبرغم استمرار السياسيين في ترديد الحديث عنها الا انها تراجعت كثيرا وتم تهميشها، وربما أفرغت من محتواها. فحين يتحدث أشد الانظمة قمعا وتسلطا عن هذه المنظومة، وينشىء المؤسسات التي تحمل عنوانها ويعقد المؤتمرات من اجلها، يتضح انها اصبحت العوبة ومادة للمزايدة. واذا كان هذا متوقعا من انظمة القمع، فان مما يبعث على التقزز اقرار حكومات «العالم الحر» بممارسات تلك الانظمة واشادتهم بتلك «الانجازات». يتم ذلك فيما تغص السجون بنازليها، وتتكدس تقارير المنظمات الحقوقية الدولية التي تتضخم وتقدم أشد الصفحات سوادا في مجال الانتهاكات. وبالتالي فحين يدعي البعض بان هذه المنظومة تتحول تدريجيا الى «اكذوبة» او «لعبة» او «اداة» يستخدمها الغرب لترويض شعوب العالم، فقد لا يكون مبالغا او متشائما. كذلك ليس مخطئا من يقول ان الغربيين فشلوا في الالتزام بما روجوه من قيم خلال الحرب الباردة، وما طرحوه من شعارات لترويج نظامهم الرأسمالي الذي ربطوه بمنظومة «الديمقراطية الليبرالية» وحقوق الانسان.
ان من غير الانصاف الادعاء بان كافة دول الغرب تتنكر للمنظومة الحقوقية، فاغلب الدول الغربية، خصوصا الاسكندنافية يتخذ مواقف داعمة لتلك المنظومة، ولكن الدول ذات الصلة الخاصة بالمنطقة خصوصا الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا هما الاكثر تأثيرا في شؤون المنطقة والأقل حماسا للتغيير الديمقراطي والاصلاح الحقوقي. وما تزال الولايات المتحدة مترددة في غلق سجن غوانتنامو، ووفقا للتقارير الاخيرة فان البيت الابيض رفض مؤخرا طلبا من الخارجية بغلق ذلك السجن الذي مورس التعذيب فيه بصور بشعة خصوصا «الايهام بالغرق» الذي اتفقت المنظمات الحقوقية على تصنيفه ضمن اساليب التعذيب المرفوضة. وبريطانيا نفسها لم تقدم موقفا اخلاقيا نبيلا بالتزامها بتلك الحقوق، فاستقبالها المتكرر للحكام المتهمين بانتهاك حقوق الانسان من الكيان الاسرائيلي ومصر والسعودية والبحرين، يؤكد بشكل عملي سياسة ازدواج المعايير والنفاق السياسي. بينما انتقدت وزيرة الخارجية السويدية مارجو والستروم القضاء السعودي لاصداره قرارات الاعدام بحق منتقدي النظام. وتوترت العلاقات بين البلدين حتى بلغت درجة الغاء اتفاق عسكري بينهما. وتنص مذكرة التفاهم الإطارية بين البلدين على تصدير أنظمة عسكرية وتقديم تدريب ونقل للتكنولوجيا لكن وزير الدفاع بيتر هولتكفيست أكد أن الكثير من هذا التعاون لم يعد قائما.
في الاسبوع الماضي قررت محكمة النقض المصرية الغاء احكام الاعدام التي صدرت بحق المرشد العام للاخوان المسلمين وعدد من قياداتهم، واستبدالها بالسجن المؤبد. ومن المؤكد ان حكم العسكر المصري سيحصل بهذا «التنازل» على شهادات تقدير من حلفائه الغربيين، وسيضفي سمة «الاستقلال» على القضاء الذي ما برح اداة بايدي النظام. وليس مستبعدا ان يكون السيسي قد استمع لنصيحة بريطانية خلال زيارته الاخيرة بالغاء احكام الاعدام لكي لا يحرج الاصدقاء الغربيين، خصوصا ان السجن مدى الحياة لا يختلف في آثاره العملية عن الاعدام، ولكنه أقل إضرارا بنظام الحكم، وأقل إثارة للرأي العام ضده. فقرار الغاء احكام الاعدام سيصبح عقارا مخدرا للكثيرين، وليس حلا ناجعا للمسألة الجوهرية: اقامة نظام سياسي مستمد من ارادة الشعب، بدون ان يكون اداة للعسكر، فحكم الجنرالات لا يبني البلدان ابدا بل يحول الآدميين الى ارقام بلا دور او معنى، وبدون حقوق او انسانية. وأحكام الاعدام هذه تواصلت في العديد من الدول الاخرى. وفي البحرين اقرت محكمة التمييز قبل اسبوعين قرار حكم الاعدام بحق شابين ادينوا بتهم الارهاب برغم توفر كافة الادلة التي تحصر ذنبهم بالمشاركة في احتجاجات سلمية تطالب بالاصلاح السياسي. وهناك آخرون محكومون بالاعدام ينتظرون دورهم في الصعود الى المشنقة بعد محاكمات توصف عادة بافتقارها للمعايير الدولية للعدالة.
ما الذي يمكن الاحتفاء به عربيا في اليوم العالمي لحقوق الانسان؟ ثمة حقائق لا بد من تسجيلها: الاولى ان الاسرائيليين من اكثر الجهات المنتهكة لحقوق الانسان، فسجونهم تضم مئات الاطفال وعشرات النساء وآلاف الشباب. كما ان اساليبهم في التعذيب متطورة جدا ومقززة الى درجة التقيؤ.
الثانية: ان ممارسات المجموعات الارهابية اضافت بعدا خطيرا للممارسات التي تنتهك القيم الانسانية والاسلامية. فذبح الابرياء بالجملة وقمع النساء والتفنن في اساليب القتل، وغياب المحاكمات العادلة كل ذلك ساهم في تعقيد المشهد الحقوقي وادخله في دهاليز مظلمة من السادية غير المسبوقة في التاريخ الحديث. ولذلك وصف شيخ الازهر الاسبوع الماضي اعضاء داعش بانهم «بغاة محارِبون لله ورسوله ومفسدون في الأرض، يجب على ولاة الأمر قتالهم ودحرهم وتخليص العالم من شرورهم، وحكم الشرع فيهم محددٌ في القرآن الكريم».
الثالث: ان سجون الانظمة العربية تتوسع واعداد المحتجزين فيها تتصاعد.
الرابع: ان الخبرات الغربية ساهمت في تكريس ظواهر القمع وانتهاك الحقوق واستمرار التعذيب، بدلا من الحد منها. فاصبح التعاطي مع القوانين والمنظمات الدولية المعنية بهذا المجال يقوم على اسس التذاكي، اي التظاهر باحترامها ومسايرتها وانشاء منظمات باسماء توحي بذلك، ولكن بدون تغير حقيقي في انماط التعامل مع المعارضين.
الخامس: ان الغربيين هم الآخرون يمارسون سياسة التذاكي مع العالم، ويسعون لاقناع المجموعات المعارضة بجديتهم في ترويج قيمهم السياسية والحقوقية. ولكن تجارب السنوات الاخيرة تؤكد ان سياساتهم تهدف للقتل المعنوي لتلك المجموعات. فيتم تشجيعها على حصر نشاطها بالسعي لتطوير حقوق الانسان، وان الغرب يستطيع التحرك في اطارها، وليس من مهمته التدخل في انماط الحكم القائمة. وشيئا فشيئا يتم اضعاف الحراكات السياسية، ويتحول قادة المعارضة الى نشطاء حقوقيين، ليصلوا في النهاية الى نفق مغلق، فلا يحدث تغير سياسي ولا تتطور حقوق الانسان. الغربيون يسعون لاقناع قوى التغيير العربية بان بالامكان المواءمة بين الاستبداد واحترام حقوق الانسان، وان الديكتاتوريين يمكن ان يحترموا تلك الحقوق، وهذا امر مستحيل. فما دام الاستبداد حاكما فلن يسمح بالحريات العامة، ولن يتخلى عن السجون والتعذيب وكافة الاساليب الحاطة بالكرامة الانسانية. فهل يمكن ان تحترم حقوق الانسان الفلسطيني في ظل الاحتلال الاسرائيلي؟ انه تناقض لا يستسيغه العقل، لان الاسرائيلي يعرف ان اعطاء الفلسطينيين حقوقهم، ومن ضمنهم فلسطينيون الشتات، سيؤدي لقلب التوازن السياسي لصالح الفلسطينيين. وكذلك الامر بالنسبة للحكام المستبدين. فهم يعلمون ان احترام حقوق الانسان يعني صون الحريات العامة والتوقف عن الاعتقال التعسفي والتعذيب وسحب الجنسية والتنكيل بالمعارضين، وهي اساليب يعتبرها «رادعة» للآخرين، فلو فعل عكس ذلك لتشجع المواطنون على الاحتجاج والتظاهر والمطالبة بتغيير نظام الحكم في بلدانهم. ألا يعرف المستبدون ذلك؟ ان الترويج لمقولة تطوير حقوق الانسان بدون ربط ذلك بالتغيير السياسي المنشود أكذوبة لا تصدقها الوقائع، ولا يستسيغها العقل، ويجدر بمروجيها التخلي عنها وعدم استغفال الجماهير.
في الذكرى السابعة والستين لاقرار الاعلان العالمي لحقوق الانسان يجدر بالنشطاء التأكيد على حقيقة مهمة مفادها ان حقوق الانسان لا يمكن ان تحترم الا في ظل نظام عادل يمنح الشعب حق تقرير مصيره واختيار النظام الذي يريده، ويستند في الحكم لدستور مكتوب يحظى بتوافق مكونات الشعب جميعا. هذه الحقوق لن تحترم ابدا في ظل حكم الاستبداد والديكتاتورية، وبالتالي لا يمكن نجاح العمل الحقوقي الا بموازاة مشاريع جادة للاصلاح السياسي او التغيير. وما عدا ذلك فانما لغط من القول واستهزاء بالعقول وتضحية بالمبادىء والقيم.

٭ كاتب وصحفي بحريني يقيم في لندن

د. سعيد الشهابي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية