خلافاً لإسرائيليين كثيرين أنا أعتقد أنه مسموح ليهود المنفى التدخل في الشؤون الداخلية الإسرائيلية. دولة إسرائيل هي دولة كل يهود العالم، وحتى لو كان انتقادهم أحياناً غير معقول، فهو يدل على اهتمامهم. من الأفضل اهتمام سلبي على الاغتراب والابتعاد والذوبان وهي المشكلات الأساسية ليهود المنفى ولنا.
بشكل متعمد استخدمت مفهوم «المنفى»، وليس المفهوم السائد الآن «الشتات». مفهوم الشتات يعطي نوعاً من التحليل الايديولوجي لليهود للعيش خارج وطنهم، حيث أن النتيجة تكون الذوبان الشامل. في بداية الستينيات عاش في الولايات المتحدة حوالي 6 ملايين يهودي، الآن وبدعم مئات آلاف المهاجرين من إسرائيل (ولاجئين يهود من روسيا والكتلة الشرقية الذين فضلوا أمريكا على وطنهم)، المنظمات اليهودية الرئيسية في أمريكا يتعرفون على ليس أكثر من 5.5 مليون يهودي، الذين جزء منهم موجود في الهامش. لو كان يهود أمريكا يتكاثرون مثلما يتكاثر على سبيل المثال القطاع العلماني في إسرائيل، لكان يعيش هناك اليوم اكثر من 15 ـ 18 مليون يهودي، يمكن تقدير أي تأثير كان سيكون لهم في بلاد مولدهم وفي أرض وطنهم. لذلك هذا يسمّى منفى وليس شتاتاً. نعم، في أيامنا الذوبان هو نور المنفى.
رئيس المؤتمر اليهودي العالمي، رون لاودر نشر مقال ـ دعوة هذا الاسبوع في «نيويورك تايمز»، مقال لمواطني إسرائيل. «بسبب سياسة إسرائيل»، ادعى «يتطور خطر لم نعرفه في الماضي: الذوبان، الاغتراب، تقلص دراماتيكي للعالم اليهودي وتآكل خطير للعلاقة مع البيت القومي». هل أنت جدي، يا لاودر؟.
أنا أعتقد مثله أيضاً أن إبعاد الاصلاحات من الساحة المركزية لحائط المبكى، وتحويله من موقع وطني إلى كنيس يسيطر عليه الحريديون، هو خطأ لا يغتفر لحكومة إسرائيل، لكن أن نرى في ذلك أو في تمييزات أخرى تعاني منها الطوائف غير الارثوذكسية في إسرائيل سبباً للانسحاب الجماهيري من صفوف الشعب اليهودي ـ التي وصلت ذروتها قبل عشرات السنين ولا يوجد لإسرائيل تقريبا أي تأثير عليها ـ هذا يمثل تحريضاً واضحاً.
الفشل الأكبر للجالية اليهودية في أمريكا ـ وأحد هذه الإخفاقات الكبرى في تاريخ الشعب ـ هو عدم منع الذوبان، التي انتشرت بصورة لم يسبقها مثيل، والمسؤولية عن هذا الفشل التاريخي تحاول إلقاءها على عتبة إسرائيل (لاودر ليس الزعيم الوحيد الذي يدعي ذلك).
مسألة الذوبان تبدو لي مهمة وحاسمة جداً أكثر من الادعاءات السياسية، التي جزء منها حقيقي وجزء غير معقول، والتي ينشغل بها لاودر أيضاً. مقاله، ليس بسبب مكانته العامة وحقيقة أنه يوجد في إسرائيل من يتفقون مع جزء من ادعاءاته، يقتضي رداً مبدئياً واسعاً، الذي سيحتاجه ذات يوم.
لو أن لاودر حقيقة كان ينوي إدارة حوار مع الجمهور في البلاد وليس أن ينشر لائحة اتهام أخرى شاملة ضد دولة إسرائيل، لكان اختار وسيلة إعلام إسرائيلية. «هآرتس» ربما كانت تعطي له منبراً ووسائل الاعلام الالكترونية كانت بالتأكيد ستجري معه مقابلات موسعة. اختياره لـ «نيويورك تايمز» يدل على رغبته في زيادة الاتهامات المعروفة للصحيفة ضد إسرائيل، وهذه المرة من شخص يحمل صفة محترمة (لكن ينقصها تغطية حقيقية) «رئيس المؤتمر اليهودي العالمي».
هآرتس 22/3/2018
إسرائيل هرئيل