الرؤية التركية للاتفاق النووي الإيراني مع الغرب

قد لا يكون من الممكن إعطاء رأي عن الرؤية التركية حول الاتفاق النووي الإيراني مع أمريكا والدول الغربية في معزل عن الظروف غير الطبيعية التي تجتاح المنطقة منذ أربع سنوات تقريباً، وبصورة أكثر تأثيراً بعد مفاجأة «عاصفة الحزم» التي قام خلالها تحالف عشر دول إسلامية بشن حرب على الحوثيين في اليمن، وهم المحسوبون جزءاً من المحور الإيراني الطائفي في المنطقة، فالرؤية لا يمكن حصرها في المستوى النووي الإيراني وأثره على العلاقات التركية الإيرانية، أو ما يمكن أن يهدد تركيا وجوديا من الطرف الإيراني، بقدر المخاوف التي يتم التعبير عنها في المنطقة من السلوك الطائفي، وما يمكن أن يصل إليه الحال فيما لو أصبحت إيران دولة نووية عسكريا، فإذا كانت إيران بقوتها العسكرية التقليدية تجاوزت حدودها الجغرافية عسكريا، وأرسلت جيشها وحرسها الثوري وميليشيات المتطوعين العسكريين والمرتزقة الشيعة إلى أربع دول عربية على أقل تقدير، فكيف إذا أصبحت إيران دولة تمتلك أسلحة نووية؟
وفي مستوى استخدام إيران قواتها العسكرية التقليدية، واحتلالها مباشرة أو عن طريق ميليشياتها الشيعية الطائفية هيمنت إيران على العراق وسوريا ولبنان، وأخيراً احتلت الميليشيات الحوثية الشيعية وبدعم من إيران العاصمة اليمنية واستولت على أجهزة الدولة اليمنية العسكرية والمدنية، بما فيها مباني الوزارات، مما اضطر مجلس التعاون الخليجي الذي كان يدير مبادرة أطلق عليها «المبادرة الخليجية» لحل الأزمة اليمنية عبر التدخل عسكريا بعد رفض الحوثيين الانصياع لقرارات مجلس الأمن وبالأخص القرار 2201 الذي طالب الحوثيين الإفراج عن الرئيس هادي المحتجز لديهم مع رئيس وزرائه خالد بحاح، وتسليم كافة مؤسسات الدولة اليمنية إلى الحكومة الشرعية برئاسة هادي، خلال مدة خمسة عشر يوماً، ولكن رفض الحوثيين الإلتزام بالقرارات الدولية، ورفض دعوات دول مجلس التعاون الخليجي للحوار مع كافة الأطراف اليمنية في الرياض، لإيجاد حل يمني برعاية خليجية وعربية أيدها وزراء الخارجية العرب في أكثر من اجتماع، فرض خيارات عسكرية اضطرارية، أي أن التصرفات الحوثية كانت بعكس مسار الحل السلمي، وواصلت احتلالها للمدن اليمنية، حتى حاولت احتلال مدينة عدن المقر المؤقت للرئيس هادي، مما دفعه إلى طلب النجدة من دول مجلس التعاون الخليجي وانقاذ اليمن من الاحتلال الحوثي، ومن إلحاقها دولة تابعة لولاية الفقيه كما جاء في نداء الرئيس هادي، فكانت استجابة دول مجلس التعاون الخليجي بعمل عسكري مع دول عربية وإسلامية تمثل عملاً مشروعاً في نظر السياسة التركية، وهو ما عبرت عنه وزارة الخارجية التركية يوم انطلاقة «عاصفة الحزم» بتاريخ 26/3/2015.
وجاءت تصريحات الرئيس التركي أردوغان برفض السلوك الإيراني تعبر عن مرارة أليمة من طريقة التفكير الطائفي الذي تحاول إيران من خلاله الهيمنة على المنطقة، مما رفع وتيرة العلاقات بين تركيا وإيران، ولولا وجود الزيارة المقررة سابقاً للرئيس التركي إلى طهران في 7/4/2015 وما تم فيها من تهدئة الانتقادات المتبادلة لكان حال التوتر الآن أكبر وأشد، ومع ذلك فإن الحكومة التركية وفي خضم هذه النزاعات المؤلمة نظرت إلى الاتفاق الإيراني مع الدول خمسة زائد واحد الذي وقع في لوزان بتاريخ 2/4/2015 أنه لا يتعارض والسياسة التركية التي تدعو إلى أخذ إيران وكافة الدول في المنطقة بما فيها تركيا حقوقها في التخصيب النووي للأغراض المدنية والسلمية، فقد أصدرت وزارة الخارجية التركية بيـــاناً بتاريخ 3/4/2015 قالت فيه: «نحن سعداء أن نرى توافقاً على إطار عام لاتفاق نهائي» وأمل وزير الخارجية التركي: «أن تتوصل الأطراف إلى الاتفاق النهائي».
هذا الموقف التركي المرحب بالاتفاق هو موقف ينسجم مع العلاقات التركية والإيرانية وبالأخص ان تركيا كانت قد قامت بدور وسيط في الملف النووي الإيراني عام 2010، إضافة إلى ان تركيا ترى ان الاتفاق النووي الإيراني السلمي سينهي مرحلة الحصار والعقوبات على إيران، مما سوف يفتح مرحلة جديدة وواسعة من التعاون الاقتصادي بين البلدين، فتركيا كانت من أكثر الدول التي تساعد إيران في مرحلة الحصار والعقوبات الاقتصادية الدولية لتجاوز مشاكلها الداخلية، وتأمين لوازمها الاقتصادية الضرورية، وهذا وفر تبادلا تجاريا بين البلدين يقدر بنحو أربعة عشر (14) ملياراً، وفي حالة رفع العقوبات عن إيران يمكن أن تصل إلى ما يزيد عن ثلاثين (30) مليار دولار أمريكي، ولذلك أخذت الأبعاد الاقتصادية مكانة كبيرة في الزيارة الأخيرة للرئيس التركي أردوغان إلى طهران قبل أيام، فالتطلعات الاقتصادية التركية بعد توقيع الاتفاق النووي كبيرة جداً، وبالأخص أن التوجهات بين البلدين تذهب إلى استخدام عملاتهما المحلية، وهذا يرفع من قيمة الليرة التركية في التعامل الاقتصادي الدولي.
وهكذا فإن كل التوترات في العلاقات الإيرانية التركية وتزامنها مع توقيع إيران للإطار المبدئي للاتفاق النووي مع الغرب، فإن الموقف التركي لم يضعها في إطار العداء، ولا في إطار المخاوف التركية من توقيع الاتفاق حتى لو تم توقيعه في نهاية حزيران/يونيو المقبل بنصه المبدئي المعلن، لأن توقيع الاتفاق في صورته النهائية المتوقعة في نهاية شهر حزيران/يونيو أمر غير موثوق أولاً، لأن نقاط الاختلاف الأساسية متضمنة في بنود الاتفاق نفسه، فضلاً عن أن السياسة الأمريكية تلاعب إيران على طريقة القط والفأر، فطالما علق بين يديها، فإنها تفضل ملاعبته كثيراً حتى الإرهاق والاستسلام، ثم تلتهم منه لحمه وتلقي بجلده على قارعة الطريق.
وهذا الرأي عبر عنه وزير الخارجية التركي جاويش أوغلو بعد ترحيبه بتوقيع الاتفاق في إطاره الأولي، وبعد أمله أن يتم توقيعه النهائي، إلا انه قال بعد ذلك:» عندما ننظر إلى المواقف الحالية لإيران ومجموعة 5+1، نرى أن طهران ليست بعد على المسار الذي اقترحناه في عام 2010 (بتخصيب اليورانيوم خارج إيران)؛ لكن نأمل مع الوقت أن تتبعه إيران مع نهاية حزيران/يونيو المقبل».
هذا الموقف قد يفسر بأن هناك معارضة تركية على تخصيب اليورانيوم داخل إيران، وقد يفسر على انه استفسار إن كان ذلك من الاتفاق النهائي أم في إطاره فقط، ولكن لا يعبر عن مخاوف تركية من إيران النووية، لأن اطار الاتفاق قد وضع المشروع النووي الإيراني تحت المراقبة الدولية الدقيقة، وفي الوقت نفسه لو تم السماح لإيران بالتخصيب داخل حدودها لأغراض مدنية وسلمية، فإن ذلك سوف ينسحب على كافة دول المنطقة، وهو ما تقوم به تركيا الآن ومنذ سنوات، فحكومة العدالة والتنمية تسعى إلى زيادة قوتها الصناعية النووية لتوليد الكهرباء والطاقة، وتقوم الآن ببناء مفاعل نووي سلمي في جنوب تركيا (آكوي) واتفقت مع روسيا على بناء مفاعلين نوويين في الأعوام المقبلة في جنوب شرق تركيا.
وفي المجال النووي العسكري فلا طاقة لإيران ان تواجه تركيا في هذا المجال على فرض انتهاكها للاتفاق النووي الإيراني مع الغرب وقامت بإنتاج أسلحة نووية، فهذه الأسلحة لا تستطيع مواجهة القدرات النووية الموجودة في تركيا لحلف الناتو، فيوجد الآن ما بين أربعين إلى خمسين رأسا نوويا في القواعد العسكرية التابعة لحلف الناتو، وأي عدوان لإيران على تركيا يعتبر عدواناً على حلف الناتو والاتحاد الأوروبي، سواء كان هجوما نوويا أو بالأسلحة التقليدية، ولذلك فإن تركيا في هذه المرحلة ترفض أن تدخل دول الشرق الأوسط في سباق تسلح نووي، وتدعو إلى إدخال كل دول الشرق الأوسط إلى وضع مشاريعها النووية تحت إشراف وكالة الطاقة الذرية الدولية بما فيها الدولة الإسرائيلية، حتى تبقى منطقة الشرق الأوسط خارج التورط في سباق نووي أرهق الاتحاد السوفييتي السابق وأزالها من الوجود.

محمد زاهد جول

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية