هناك توافق في العنوان بين أجندة الأمم المتحدة التي أطلق عليها أهداف التنمية المستدامة 2030، والتي تم إقرارأهدافها السبعة عشر في قمة عالمية في مقر الأمم المتحدة يومي 25 و27 سبتمبر 2015 والمطلوب تحقيقها خلال 15 سنة، وبين خطة التنمية السعودية الطموحة التي أطلق عليها «الرؤية السعودية 2030» وأطلقت يوم 25 أبريل الماضي والمطلوب تنفيذها في 14 سنة.
فالعام 2030 يجمع بين الخطتين. وهذا العام يقترب كثيرا من المئوية الأولى لإنشاء الملك عبد العزيز آل سعود المملكة التي حدد هويتها بأنها عربية وحدد مالكيها ومؤسسيها بأنهم آل سعود وجعل دستورها القرآن فقط. بين أهداف التنمية المستدامة العالمية وأهداف التنمية السعودية الطموحة تقاطعات عديدة، فهل ستنجح السعودية في تحقيق نهضة تنموية شاملة تدخلها فعلا مصاف الدول المتطورة؟ والجواب بكل بساطة ممكن، ولكن ضمن شروط محددة تمكن البلاد من تخطي عقبات كأداء تتعلق ببنية البلاد وموروثها الثقافي والديني، وطبيعة هويتها وتوجهاتها وتشابك البنيان الداخلي مع قضايا المنطقة، واضطرار البلاد لاستقبال الملايين من العمال والموظفين الأجانب. ومن حيث المبدأ نحن نؤيد أي دولة عربية تعمل على النهوض وبناء الدولة العصرية الحديثة التي تضع مصالح الشعب العليا فوق كل اعتبار وتتجاوز عقدة فوقية الطبقة الحاكمة والتعامل مع الشعب على أنه فائض سكاني لا ضرورة له، وأن الحاكم وحده من يقرر ويحدد ويجني ويعطي ويمنع.
معالم الخطة الطموحة لتحديث المملكة
من المعلومات المتوفرة حول «الرؤية السعودية 2030» يستطيع المتابع للشأن السعودي أن يتبين معالم الخطة التي أقرها ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، التي ستقام على أساس ثلاثة محاور رئيسية: «مجتمع حيوي واقتصاد مزدهر وأمة طموحة».
والرؤية أعدها مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية السعودي برئاسة الأمير محمد بن سلمان، التي بناء على تقارير ودراسات قدمتها مجموعة من الخبراء الاقتصاديين ومراكز البحث ودور الفكر حول كيفية تحديث اقتصاد المملكة، بحيث ترفع نسبة الناتج القومي الإجمالي من مصادر غير النفط من 16٪ إلى 50٪ وهذا يعني رفع المداخيل من مصادر غير نفطية من 163.5 مليار ريـال حاليا لتصل عام 2020 إلى 600 مليون ريال سعودي وإلى ألف مليار ريال بحلول عام 2030، ما يخفف من اعتماد الاقتصاد السعودي على النفط بشكل رئيسي. ويمكن رصد التوجهات والخطوات الأساسية المزمع اعتمادها تنفيذا للرؤية التي من المفروض أن تكون قد نفذت تماما مع حلول عام 2030:
– ستتم خصخصة بعض الشركات الكبرى. وستشمل الخصخصة بيع 5٪ من أسهم شركة البترول العملاقة أرامكو، حيث تقدر قيمة الأسهم التي ستطرح بشكل أولي بـ2 ترليون دولار.
– سيتم جذب الاستثمارات الخارجية عن طريق تسهيل الإجراءات التي من شأنها تشجيع االمستثمرين.
– سيتم توسيع شبكة الاستثمارات السعودية في دول المنطقة، خاصة الدول العربية والإسلامية.
– الاعتماد العالي على التكنولوجيا المتطورة وتكنولوجيا المعلومات، التي تستوعب العدد الهائل من الشباب في المملكة. فنصف السكان في المملكة دون سن الخامسة والعشرين.
– يجري إنشاء صندوق الثروة السيادية الأكبر في العالم والمكون من رأسمال يصل إلى 2 تريليون دولار.
– سيتم إنشاء مشاريع سياحية راقية ومدروسة بعناية تستطيع أن تستقطب أعدادا هائلة من السياح.
– تخفيف إجراءات الحصول على تأشيرة للدخول إلى المملكة.
– ستطرح المملكة نظام «البطاقة الخضراء» خلال السنوات الخمس المقبلة لتسهيل إقامة العمال والموظفين الأجانب وإعطائهم الحق في الاستثمار في البلاد وشراء بيوت والشعور بالاستقرار. ويصل عدد غير السعوديين في البلاد إلى عشرة ملايين.
– سيتم توسيع قطاع التعدين والمناجم ليستوعب نحو 90000 وظيفة جديدة.
– سيتم رفع نسبة مشاركة المرأة في القوة العاملة من 22٪ إلى 30٪
– وسيتم خفض البطالة من 11.6٪ الحالية إلى 7٪.
وقد أعلن الأمير محمد في مؤتمر صحافي أن هذه الخطة قابلة للتحقيق في ظل أسعار النفط الحالية، التي تتراوح في حدود 30 دولار. قد ترتفع الأسعار وتصل إلى 70 دولارا لكنه، كما قال، لا يتوقع انخفاض الأسعار إلى أدنى من مستوياتها الحالية.
العقبات التي تواجه تنفيذ هذه الرؤية الطموحة
مثل هذه الخطة الطموحة تتطلب تعاونا مجتمعيا وتجاوبا عاليا من المواطنين السعوديين من جهة، وتعزيز الثقة في استقرار الأسواق السعودية للمستثمرين الأجانب. وهذا يتطلب درجة عالية من الانفتاح والابتعاد عن ممارسات تقليدية أصبحت عاملا معطلا للتطور المجتمعي في عصر التكنولوجيا والمعلومات. ويقف على رأس العقبات تدخل المؤسسات الدينية في كل صغيرة وكبيرة، وإطلاق الفتاوى التي تنطلق من فكر متزمت لتطال مواضيع اقتصادية واجتماعية وثقافية معقدة، قد لا يفهم منها أصحاب الفتاوى إلا بعض القشور، إذ يحاول بعض رجال الدين أن ينصب نفسه مسؤولا اقتصاديا وأمنيا واجتماعيا وثقافيا وبيئيا، يحلل ويحرم على هواه، بدون مرجعية علمية تسند أقواله بل قد يعتمد على أقوال فقهاء وعلماء أصدروا اجتهاداتهم لزمن غير هذا الزمن، ولمجتمع غير هذا المجتمع ولظروف تختلف كليا عن الظروف التي يعيشها الناس في عصر العولمة.
تتحدث الرؤية عن توسيع مشاركة المرأة، وهذا يتطلب تساهلا عاليا في موضوع إدماجها في العجلة الاقتصادية وتسهيل حركتها وتيسير وصولها إلى رؤوس الأموال وإمكانيات التدريب واكتساب المهارات الإدارية والاقتصادية والمالية، بحيث تحتل دورا قياديا في النهضة الاقتصادية الشاملة. فهل ستكون القيادات الشابة التي تستعد الآن لإدخال المملكة القرن الواحد والعشرين على قدر التحدي وهي تعمل على هذا التحول الجذري، بما يتطلب ذلك من قرارات جادة في موضوع تمكين المرأة والوقوف بحزم أمام المؤسسة التقليدية التي ما زالت تحصر دور المرأة في البيت والسرير، وفي أحسن حالاتها معلمة أو ممرضة. وماذا لو اتخذت مثل هذه القرارات الشجاعة مثل حق المرأة في قيادة السيارة وحقها في رمي النقاب جانبا والاكتفاء بالحجاب وحقها في السفر والتعليم في الخارج والتنقل والاستثمار، بدون موافقة ولي الأمر، وهي ممارسة تنتمي للعصور الوسطى. هل ستمر مثل هذه القرارات مرور الكرام على المؤسسات التقليدية، خاصة المراجع الدينية المتزمتة؟
أما عن العقبات الاقتصادية فقد تعرض الاقتصاد السعودي في الشهور الاثني عشر الماضية إلى نكسة كبيرة بسبب الانخفاض الحاد في أسعار النفط لبلد ينتج عشرة ملايين برميل يوميا. وقد أدى هذا الانخفاض إلى عجز في الميزانية بقيمة 98 مليار دولار في السنة الماضية و87 مليار دولار في السنة الحالية. وقد انخفض احتياطي النقد في المملكة من 746 مليار دولار إلى 616 مليار دولار.
من ناحية أخرى يقف التورط السعودي في أكثر من نزاع محلي مثل المحرقة التي تأكل الأخضر واليابس. فمن المعروف أن التحالف الذي تدخل في اليمن عموده الأساسي السعودية وقواتها الجوية، بينما المشاركة من الدول الأخرى في غالبيتها رمزية. والتدخل السعودي في الشأن السوري كلف السعودية مليارات الدولارات وليس هناك في الأفق ما يشير إلى نهاية هذا النزاع، الذي تورطت فيه السعودية منذ البداية، حيث تبنت بعض الفصائل وبدأت تسلحها وتمولها. أضف إلى ذلك المبالغ الهائلة التي حولتها السعودية لحماية النظام المصري من الانهيار. ولولا المليارات السعودية التي يمكننا أن نقول إنها تبنت الانقلاب على جماعة الإخوان المسلمين لما تمكن نظام السيسي من الصمود كل هذا الوقت، ولو لأسباب اقتصادية بحتة. هذا الدور السعودي المتشعب والمتشابك في كل اتجاه بهدف محاصرة النظام الإيراني والتمدد الشيعي واجتثاث الإخوان المسلمين، قد لا يختفي غدا أو بعد غد وسيبقى يشكل عبئا ماليا ومعنويا كبيرين على المؤسسة السعودية.
من العقبات الأخرى التي يواجهها الأمير محمد في عصرنة الدولة السعودية كيفية تحطيم حالة الركود التي عاشتها البلاد، والتي أنتجت طبقة معينة مستفيدة من الوضع الحالي، خاصة الأعداد الكبيرة للأمراء والأميرات وأبنائهم وذويهم وخدمهم ومساعديهم والأموال الهائلة التي تصرف على متطلباتهم العديدة، ضمن حياة البذخ والإسراف بلا حدود. هذه المؤسسة الكبرى التي تتصرف فوق القانون وبدون أدنى مساءلة أو محاسبة لن يكون من السهل أن تنصاع لمتطلبات الحداثة وبناء المؤسسات وتقنين الميزانية وطرق صرفها ضمن الحد الأدنى من الشفافية، التي تعزز ثقة المواطنين بالمؤسسة الحاكمة. ومن المسلم به أن الإصلاحات المتواضعة في السعودية تأخذ وقتا طويلا لتقبلها. فقد مضت عقود قبل أن يتقبل المواطنون رؤية سيدات في التلفاز أو مشاركة المرأة في الحياة العامة ودخولها المجالس المحلية وصولا إلى مجلس الشورى.
إن رؤية طموحة بهذا الحجم تدخل المملكة إلى عصر التقدم والتنمية الرشيدة وتمكين المواطنين، نساء ورجالا، لا شك أنها تشكل تحديا مصيريا للنظام الذي أسسه عبد العزيز آل سعود قبل مئة عام تقريبا، وبدأ الآن أحفـــاده بإعداد أنفسهم لتسلم المؤسسة الحاكمة بعد أن حكم البلاد ستة من أولاده. فهل ينجح الأحفاد في ما عجز عنه الآباء ويدخلون المملكة عصر العلم والتقدم والمواطنة المتساوية وسيادة القانون والتنمية الرشيدة والتصدي للفساد ومحاسبة الفاسدين ووضع المؤسسة الدينية في إطارها الصحيح، وتمكين المرأة من أخذ دورها في بناء الوطن واقتصاده وأمنه وحريته؟ هذا ما سنراه في السنوات الأربع عشرة المقبلة وهي في عمر الشعوب والدول كرمشة عين أو أقصر.
٭ محاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة رتغرز بنيوجرزي
د.عبد الحميد صيام