الرؤية الفنية في روايات سعد رحيم… نقد السياسة والمجتمع

حجم الخط
0

بعد روايته «غسق الكراكي» الصادرة عام 2000 والحائزة جائزة بغداد للرواية، يعود سعد محمد رحيم للمشهد الروائي بعملين متميزين. «ظلال جسد، ضفاف الرغبة» الرواية الحائزة كتارا 2016 في فئة الأعمال غير المنشورة، و»مقتل بائع الكتب» المرشحة لبوكر 2017 والصادرة من شهور عن دار سطور في بغداد.
وتعتبر مجمل أعمال سعد رحيم جزءا من مغامرة العرب في الحداثة، ولكن تخريبه للعقل الكلاسيكي لم يكن معزولا، فقد جاء مع زمرة من الشباب الغاضب الذي ينظر بعين الشك للواقع المتردي في ناحيتين: المجتمع والسياسة. ولذلك إن حداثته ليست مثل نتاج الستينيات، فقد كانت أخلاق الكتابة في تلك المرحلة مقياسا للتنبؤ، حتى أنه يمكن اعتبار حداثة جيل الستينيات إرهاصا بالهزيمة التي حضنها العقل العربي.
ما قدمه سعد رحيم مع مجموعة من أبناء جيله كان ثورة على الأشكال المرعية في الكتابة، ولكن مع الاحتفاظ بالمعاني الشائعة نفسها، فنبرة الهجاء والسخط والضياع تتكرر لدى الجميع وعلى عدة مستويات. بنغمة فردية ذات هم خاص، ونغمة واقعية تحاكي الطبيعة وتصورها وهي تغرق في السديم والضباب، وبأسلوب تجزيئي يغلب عليه الغموض والإبهام والتردد أو الشك. ويمكن أن تقرأ هذه الإشكالية في عناوين سعد رحيم، فهي عناوين تركيبية مختلفة مع نفسها. ولكن الأهم من ذلك أنها تهتم بالتعتيم والإلغاز والابتعاد عن المباشرة ما أمكن.
ولا يخلو عنوان من رواياته القليلة بالعدد من مفردة رمادية وغامضة مثل غسق (تدل على الظلام)، شفق (الإضاءة الخافتة)، مقتل (وتشير لجريمة نكراء ولا بد أنها غامضة وتدور من حولها ملابسات يرعاها الشك)، ثم ظلال (الحجاب الذي يحجز النور والانبهار بالمرئيات).
ولو قارنت هذا القاموس الغني بكل أنواع الحجب والتخويف والنهايات المسدودة مع قاموس روايات نجيب محفوظ ستلاحظ الفرق، فنجيب محفوظ يفضل المباشرة والتعيين، وتحديد المكان والشخصية، كما هو الحال في أهم رواياته: «خان الخليلي وزقاق المدق والقاهرة الجديدة»، فهي كلها أسماء لأماكن موجودة ويمكننا العودة إليها في الواقع الفعلي. وقل الشيء نفسه عن بقية رواياته في المرحلة التي أعقبت الثلاثية، مثل «ميرامار وقشتمر والكرنك». فهي أيضا أسماء لندوات واستراحات موجودة في الذاكرة القريبة. وحتى في أكثر أعماله عمومية مثل: «دنيا الله والمرايا» يحاول أن يستعمل السطوح الصقيلة والعاكسة، فالدنيا هي الطرف المقابل للألوهية، والمرايا هي التي تصطاد الحقيقة وتعمل على فضحها.
وأعتقد أن سعد رحيم لم يكن جريئا لهذه الدرجة، فهو يخشى من مكاشفة نفسه، ويهرب من الواقع المريض والمجروح. ويعيد تغليفه بأدوات براقة، كاليوميات والذاكرة الثقافية والسياحة، وكلها أدوات تنتمي للعمالة الثقافية، أو أوهام شريحة فوق خط الوسط، حيث تغلب الأمنيات على الحقيقة، وحيث لا يتبلور قانون المغالبة (الذي عبر عنه الشاعر العربي بقوله: تؤخذ الدنيا غلابا)، والذي رسمت تفاصيله أدبيات المهمشين كعمال التراحيل عند يوسف إدريس، أو البسطاء في كتابات غوركي.
إن العنوان هو تمهيد أساسي للدخول في النص، كما ورد في دراسة لعبد الرحيم مشاهدة، إنه بتعبيره عتبة من عتبات النص، أو بوابة لتدخل منها إلى التفاصيل. وكما أرى هذا هو حال سعد رحيم، فكل عناوينه مركبة من أجزاء. وتتألف من متعاكسات وليس مترادفات، مما يزيد من درجة التحير والتردد. وأهم رواياته «ضفاف الرغبة، ظلال جسد» تستعمل المرئي مع المحسوس. أو ما تلمسه لمس اليد مع التصورات والتكهن. ولكن مثلما هو الظل انعكاس لغيره فالضفاف هي إطار لشيء آخر. ومثل هذا التلازم بين الشيء وغيره يدل على تهيب من الاختيار.
وتستطيع أن تجد قرينة مشابهة في أهم كتابات أنجيلا كارتر، وهي من جيل الواقعية الجديدة، ولنأخذ روايتها «أمسيات في السيرك» على سبيل المثال. إنها رواية عن ملهاة واقعية، وتدور أحداثها بعد حلول الظلام، في المساء، عند الحد الذي يفصل بين الظلام الحالك والضوء المبهر.
مثلما كانت رواية رحيم «ترنيمة امرأة، شفق البحر» تتكلم عن الإنسان اللامنتمي الذي يبحث عن الحقيقة بين أمكنة رمزية تدل على مجتمعات ومستويات من الإدراك، وهي بغداد وروما وتونس، ويجد أن الحقيقة هي في الداخل، أو في أعماق الإنسان، وأنها موجودة في طريقة انتباهه لمعنى المعرفة، فإن كارتر تتكلم أيضا عن امرأة لا تكف عن الدوران مع السيرك الذي تعمل فيه. ومع كل دورة تنتبه لجزء من الحقيقة، وتعتقد في النهاية أن الطبيعة موجودة في وعينا بها، وهي طبيعة متجانسة، ولكن وعينا هو المتبدل والتدريجي. وأن سيبيريا لا تختلف عن بطرسبورغ أو لندن، لأن العالم مجرد سيرك كبير، نحن من يرسم حدوده ونحن من يفسره ويمنحه المعنى.
هذا الإدراك التصوراتي لواقع يتدرج مع وعينا التاريخي بمعنى المعرفة أو معنى الحضارة يبدو مخجلا ودمويا في أعمال سعد رحيم، وموحشا ومفرطا بالقسوة في أعمال أنجيلا كارتر. وعليه لا بد له من إعادة التصميم. وإن اختلاط الأساليب في تصويره وعدم التسلسل والتجزيء والاحتكام للذكريات والنشاط النفسي، وفي المقدمة الأحلام والكوابيس يدل على الرغبة في تفكيك وحدة الواقع (بعكس مبدأ المتصوفة في البحث عن وحدة الوجود) من أجل تركيبه على أساس عادل وأقرب للوعي. وأغرب ما في الموضوع أن تركيب العملين يتبع دوائر متداخلة تتخللها رحلة من الواقع إلى الوعي ثم اللاشعور، وأيضا من الحار نسبيا إلى شديد البرودة والقارس، ويتوازى ذلك مع الانتقال من ثقافة نهارية إلى ثقافة ليلية. فرحيم يبدأ من بغداد وينتهي إلى سراديب وأقبية روما، وكارتر تبدأ من ضباب لندن وتنتهي في جليد سيبيريا.
أعتقد أن الرسالة واضحة، وأن العالم يعود القهقرى، من الصناعة إلى النفس البشرية، ومن الاندماج إلى الانفصال ومواجهة العناصر والرغبات، أو من المدنية إلى الطبيعة. وإذا كانت رموز كارتر من طبيعة مفارقة واغترابية وقاسية، فإن رموز رحيم تدخل في عداد الماهيات، حيث لا توجد صورة ولكن ما ورائيات. فكارتر تتابع نداء الطبيعة لاكتشاف أسرار العبث والتراجيديا في الحياة ورحيم يسير وراء نداء الغريزة والروح، بمعنى أن كارتر تترك الحياة وتأتي إلى حضارة ميتة وساكنة، بينما رحيم يترك الموت والشيخوخة والعجز ويبحث عن طريقة للنشور، ومع أنه دائما يتخبط في متاهات عالمه الخاص الذي يسبح في الظلام والفساد فهو يأمل بالتجدد والانبعاث.

٭ كاتب سوري

الرؤية الفنية في روايات سعد رحيم… نقد السياسة والمجتمع

صالح الرزوق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية