على سبيل ما قل ودل من التجاوز المنهجي، سنسلم بأن الرؤية الشعرية للعالم، تتضمن في جوهرها دعوة مفتوحة، لتجريب صيغة حياة، متخففة ظاهريا، وإلى حد ما، من قوانين العقل، ومن صرامته المنهجية. إن التفكير عبر مسلك المتعة، يعني الاهتداء إلى حقيقة ما، بصيغة متحررة من صرامة المعايير والقوانين المسكوكة. إنها نوع من الذهاب المباشر بالذات، إلى نواة الفكرة. نواة الحالة، ونواة الشيء، حيث يتحقق ذلك التذاوت، وذلك التماهي الذي يأخذ منحى حسيا، حيث لا تكون الذات مجبرة على أن تصبح موضوع اختبار تجريبي نظري وعلمي، وحيث لا يكون ثمة إحراج، لتمكنها أو فشلها في ضبط أقاليم الدلالة. هنا تكشف الذات عن رغبتها الباطنية، في التلذذ بإدراك حقيقة ما، بعيدا عن تلك المكابدة الفكرية، ودون اللجوء إلى تلك المعادلات النظرية الجاهزة سلفا، التي قد يؤدي سوء توظيفها، وسوء استعمالها، إلى استنتاجات خاطئة. إن تحقق اللذة، قد يشفع للمتأمل وقوعه في خطأ التقييم والحكم. إنها تخلق ألفة يتم من خلالها تعبيد مسالك التواصل الفكري، والحدسي مع الموضوع، ومع الآخر في آن، باعتبار أن الألفة المتفاعلة، هي الحد الأقصى الذي يطمح عقل الكائن إلى تحقيقه داخل فضاءاته وخارجها. عموما إن اللذة المولدة للألفة هي أيضا، وفي مستوى من مستوياتها وجه محايث من أوجه الحقيقة المتعددة. والفكرة حينما لا تستطيع أن ترتقي إلى مرتفعات اللذة، تكون عبئا على المتأمل والرائي. إن الاقتصار على توظيف العقل في التعامل مع الحقيقة، وتبعا لاشتغال منهجيته ضمن ثنائية الشك واليقين، يُحدث حالة من المراوحة تجاه الموضوع. حالة من التردد. من الحذر والبطء، في عملية إصدار الأحكام. وهي منهجية على درجة كبيرة من الأهمية، لكونها مصدر القرارات المعرفية الكبرى، التي يكون الفرد مطالبا باعتمادها في الفهم والإدراك. إلا أن حضور الرؤية الشعرية يشحن هذه المراوحة ، وهذا الحذر بمتعة استثنائية تضاعف من حدة انتباههما ويقظتهما.
إن مسوغات المتعة، ولذة التذوق الشعري، تتميز بلا نهائية أبعادها، متدرجة بقضاياها من البسيط، والجزئي، إلى ما هو إشكالي ومصيري، الشيء الذي يدعونا إلى الإلحاح على الجانب التكويني، والتثقيفي للحواس وللانفعالات، والحدوس. إن سؤال الفرق الكبير القائم بين حضارة وحضارة، وبين شعب وآخر، يستند بالدرجة الأولى، إلى عمق، أو ضحالة المستوى التكويني لهذه المقومات. إن المستوى الثقافي الذي يمكن أن تتميز به العواطف والغرائز، هو التحدي الحضاري الكبير، الذي يواجه الكائن. إن الأمر يتعلق بالقابلية للتهذيب، بما هي قابلية فعلية للانتماء إلى المنتدى /الفضاء الإنساني، فالقابلية هي المرتكز الحقيقي للإبانة على استعداد الكائن، لتبني فكرة الانخراط في مشروع حضاري، وثقافي ما. وغياب هذه القابلية يعني حضور جاهزية تلقائية للانسحاب، لذلك فإن الرؤية الشعرية، هي امتداد لملكة على درجة كبيرة من النضج المعرفي والثقافي، التي تميل إلى اجتراح مسار مغاير عن المسار الذي يجترحه العقل، والمنهج التجريبي، دون أن يفيد بذلك قابليته للانفصال عن مسار العقل. باعتبار أنهما يلتقيان في نهاية المطاف، سوى أن الرؤية الشعرية تتميز بتوحد نكهة مسارها، مع نكهة نهاية مطاف هذا المسار، وهي النكهة التي يمكن توصيفها باللذة والمتعة المعرفية.
إن استبداد الشعري بعقولنا وأحاسيسنا، يظل أكثر من استبداد حقيقة يكون التوجه المنطقي لحمتها وسداها. إن الحقيقة وفي حالة تعارضها مع جمالية الرؤية الشعرية، تصبح عدوتها اللدود، فبقدر ما تتميز الحقيقة ذات المرجعية العقلانية، بموضوعيتها الباردة، بقدر ما تتميز الحقيقة المستنبطة شعريا، بعمقها الذاتي، وبدفئها الحميمي. بمعنى أن الحقيقة، ومهما كانت فرحة بوضوحها وتماسكها، فإن أركانها لا تلبث أن تتداعى أمام سلطة الشعري، الذي يستمد قوته ونفوذه، من تواطؤ الأحاسيس المسكونة بلهب الرغبة، ونداءات النشوة ولذة الشطح، وهي الانفعالات المندرجة ضمن الأحوال، التي تروم التواصل مع حقائقها، عبر مسالك مختلفة عن مسالك العقل. فالشعري المترع بأبعاده الجمالية، يمتلك القدرة على غواية مجموع ما في الجسد من أهواء، كي يوقظ فيها طراوة الطفولة الموغلة في رقادها، تحت ليل الأزمنة القديمة، حيث يكون للجسد الحق في استعادة ذاكرته التاريخية، ذات العمق الحسي والجمالي، الذي يتحقق به، تملك واصطياد فرائس العالم وحقائقه، بكمائن سرية، وأحابيل ملتبسة، لا قِبل للمنطق البارد بها. كما أن الشعري، وبحكم جماليته المركبة، يمتلك أيضا، تلك القدرة الملموسة، على التناسخ في أكثر من رائحة، وفي أكثر من صوت، وهيئة، كي يُحكم طوقه على طيف ما يتوهم أنها الحقيقة، التي لا تتردد في الاستجابة لغوايته، تعبيرا عن قابليتها للتواطؤ مع الرغبة، ومع الشهوة، على حساب تخفيفها من حدة العقل والفكر، اللذين تتم عبرهما متعة الذهاب إلى وهم الحقيقة، واستشراف ظلالها، أي أن الرؤية الشعرية بتحييدها التقني لسلطة العقل، تمد جذورا خفية باتجاه الشهوة والرغبة، اللتين تتماهى عبرهما بشكل أو بآخر، مع الذات المطلوبة، فيكون العقل مجرد ظاهر بارد وباهت، يضمر في طياته العبور الفعلي لحركية لحواس.
إن ما يمكن أن يستأثر بجماع إدراكك هو ضوء الشعري، وليس وهم الحقيقي، هنا تكمن سلطة الخطاب الإبداعي، المزرية في أكثر من مقام، وفي أكثر من سياق، بسلطة خطابات جافة تتذرع بانتهاج عقلانيتها الباردة والباهتة، وهنا أيضا يكمن سر الخطابات الفلسفية والشعرية العالية، التي تعتمد الطريق نفسه، المفضي إلى ما ينبغي تمثله فكرا وإحساسا. إنها طرق المتعة والغواية، حيث ما من شيء قادر ومؤهل لإقناعك، ما لم يكن معززا بما يكفي من الحدوس الشعرية، والإبداعية، دونما تنكر أهوج لأهمية اقتفاء أثر الدلالات المحيلة على مدارج الحقيقة، بكل ما يكتنفها من التباسات مفهومية، باعتبار أن الأمر يتعلق بضرورة وجودية، وإنسانية، تحظى بمقام الأولوية من اهتمامات الكائن، في مختلف المجالات التي يختبر فيها قدرته على الوجود، فكل ما هو موضوع تساؤل بالنسبة للعقل أو الجسد، هو أيضا موضوع تساؤل بالنسبة للحقيقي، الذي تتحدد على ضوئه، مبادرات الأفكار والأفعال.
إن ما يحد من مشروعية الرؤية وقوتها، يكمن في الرأي الشائع الذي يضع كل ما هو منفلت من دائرة الحقيقي، وكل ما هو مُوحِ بانتمائه إلى دائرة الشعري، خارج الاهتمام ، بسبب افتقاره لإواليات تحققه، التي تضفي عليه – في نظر العامة – صفة العقلاني والضروري، وأيضا بسبب خلوه من الميكانيزمات، التي تتشكل بها وخلالها حقائق الأشياء، خاصة أن الجهل بحقيقة ما، يعني سقوط الحق في امتلاك موضوعها، كما يعني افتقارا ضمنيا لإمكانيات التواصل والتفاعل، مع القضايا الملحة على الكائن في حياته اليومية والفكرية. إن الحقيقة، وبالنظر لكونها على هذه الدرجة من الخطورة والأهمية، بالنسبة للرؤية التقليدية خاصة، تكون دائما مهددة بحضور ما هو جميل. إن عنصرا جزئيا وهامشيا، ممتلكا للحد الأدنى من الإثارة والبهاء، يكون كافيا لصرف الاهتمام عن أكثر من حقيقة، مهما كانت أساسية، ومصيرية. وعلى النقيض من الرؤية الشعرية المستقلة بقوانينها، فإن الاستجابة المطلقة لنداء الحقيقة، من وجهة نظر براغماتية، يقتضي حضور شحنة مضاعفة من الشدة والصرامة المنهجية، كما يقتضي تحكما صارما في الأهواء، حيث تبدو الحقيقة، وضمن التوجهات العامة التي تنتظم في سلكها حلقات القيم والمفاهيم، غير قابلة للتجميل، بمعنى أنها تستلزم التجرد من كل هاجس جمالي، ومن كل تلك المؤثرات المزاجية والعاطفية، التي قد تؤدي إلى طمس ملامحها، وبالتالي إلى تصعيد حالة من الجفاء ضدها. باعتبار أن تلقي الحقيقة، يندرج ضمن قوانينه العامة بالنسبة للعامة، إلى جانب اندراجه ضمن قوانينه الخاصة، بالنسبة للخاصة من المهتمين والمتلقين، حيث يستدعي اجتراحه، توافر غير قليل من الخبرة، والمكابدة الفكرية والعقلية، مع الأخذ بعين الاعتبار، حضور تلك الأزمنة التي يتعذر فيها الحديث عن أي مشروع، يضع الحقيقة أمامها كهدف، وكأفق للتفكير وللتأمل، بصرف النظر عن القطاعات التي ينتمي إليها. ضمن هذا السياق تحديدا، تلجأ الأجهزة المتحكمة في توجيه مسارات الحقيقي، إلى توظيف كافة السبل الديماغوجية المعروفة بفجاجتها، من أجل إضفاء نوع من الجمالية الاصطناعية والمنحطة، على كل منتوج مزيف، يراد له أن ينتحل صفة الحقيقة السياسية، والثقافية، أو الحضارية. وهي ممارسة من شأنها تدمير كل المسالك المحتملة، والمقترحة، سواء من قبل الرؤية العقلية الخالصة، أو الرؤية الشعرية، التي يمكن أن تقود البحث بشكل أو بآخر، إلى الوجهة التي يستظل الحقيقي بفيئها.
٭ شاعر وكاتب من المغرب
رشيد المومني