الرئيس أوباما لا يريد أن يرى

حجم الخط
0

في برنامج «60 دقيقة» الشهير استقبل المذيع المخضرم ستيف كروفت الرئيس باراك أوباما بتاريخ 11 أكتوبر 2015 في حوار وصفه المراقبون بأنّه لم يكن هادئا، خصوصا عند التعرّض للموضوع السوري والتدخّل الروسي.
سأله المذيع: أنت تتحدّث عن تقدّم في الوضع، وهذا ليس من السهولة ملاحظته، والتطوّر الوحيد الّذي نراه هو ارتفاع عدد القتلى واللاجئين، فأجاب أوباما أن المشكلة السوريّة معقّدة جدّا، وأنا أوّل من يعترف بعدم وجود إنجاز كبير.
ويتابع ستيف أنا أعلم أنّك لا تريد الحديث عن هذا. أوباما: لا أنا سعيد بالحديث، ستيف: عندما تحدّثت عن تدريب 5 آلاف ثم لم تجد سوى 5 هذا محرج؟ أوباما: مع كثرة اللاعبين والعنف، فقد تركزت أولويّتي على الدعم الدبلوماسي للمعارضة المعتدلة. ويقفز أوباما إلى ما يظنّ أنّه يرعب الرأي العام الأمريكي فيقول «إنّ ما لن نفعله هو إرسال قوّات للحرب في سوريا، ستيف: قبل سنة في برنامجنا كان هناك خلاف حول أوكرانيا وقلت وقتها عن القيادة الأمريكية يبدو أن بوتين يتحدّى هذه القيادة، أوباما: بأي طريقة… دعنا.. دعنا.. ستيف: نقل قوّات لسوريا من ناحية ومن ناحية ثانية لأوّل مرّة بعد الحرب العالميّة الثانية هناك عمليّات عسكريّة روسيّة في الشرق الأوسط…. أوباما: وماذا يعني ذلك، ستيف: إنّهم يقصفون الناس الّذين نؤيّدهم، أوباما: إذن هذه هي القيادة؟ ستيف: إنّه يتحدّى قيادتك، أوباما: إذا كنت ترى أن إرسال جنود للخارج والخسائر الاقتصاديّة هي قيادة فلدينا تعريف مختلف للقيادة. تعريفي للقيادة هو مكافحة التغير المناخي والمشروع النووي الإيراني، ستيف: أنا لا أقول إنّه يقود إنّه يتحدّى قيادتك أصبح هناك قوّات روسيّة في سوريا، أوباما: ولكن كان الوضع هكذا من قبل فقد كانوا يرسلون السلاح لسوريا، ستيف: ولكنّهم لم يكونوا يقصفون ولم يكن لديهم جنود على الأرض، أوباما: ولكن فعل ذلك ليس مؤشّرا على القوّة، ستيف: هل كنت تعلم أنّه سيرسل قوّات عندما قابلته في نيويورك «قبل أسابيع»؟ أوباما: حسنا نحن نرى، نحن لدينا مخابرات قويّة نحن نراقب. ستيف: إذا أنت تعلم أنّه ينوي ذلك، أوباما: نحن نعلم أنّه يخطط لعمل عسكري حتّى لا ينهار نظام الأسد، ستيف: دعني أقول لك إنّهم يعتقدون أنّك تظهر الضعف وليس القوّة، أوباما: إنت تقول هم ولا تحدّد من، ستيف: سأحدّد إذا أردت أنت، أوباما: حسنا، ستيف: سأسمّي السعوديّة وإسرائيل والكثير من أصدقائنا في العالم والجمهوريين، هل تريدني أن أتابع أوباما: يستلم موضوع الجمهوريين فقط ويعود لإثارة المخاوف الشعبية: وهل تظن أنّنا بإرسال 100 – 200 ألف جندي إلى سوريا نصبح أقوى، هذه إستراتيجية خاطئة، ستيف: هل تعتقد بعد سياساتك أن العالم قد أصبح أكثر أمنا؟ أوباما: أمريكا أصبحت أكثر أمنا لا أعتقد أن سوريا أصبحت أكثر أمنا، ولكن من منظورنا نحن لحماية أنفسنا من الإرهاب ومساعدة حلفائنا نحن بشكل مطلق أقوى».
عند مشاهدة هذه المقابلة ترى الرئيس أوباما وكأنّه محاصر في زاوية ويحاول إيجاد أي تبريرات لسياسة اعترض عليها أغلب خبراء الشرق الأوسط، واستقال من منصبه كل من تعامل معها، كما تراه يتمسّك بمواقفه بعناد غير مفهوم، وبعد أكثر من ثمانية أشهر على هذه المقابلة طرأت عشرات التطوّرات داخل الولايات المتحدة وخارجها ففي شهر ديسمبر 2015 وقعت عمليّة إرهابيّة في كاليفورنيا أسفرت عن مقتل 14 شخصا وفي يونيو 2016 وقعت عمليّة ثانية في فلوريدا أسفرت عن مقتل 50 شخصا، أي أن الذريعة الأخيرة الّتي ارتكز عليها أوباما في دفاعه عن سياسته قد تبددّت تماما، فعبارته في المقابلة أن «أمريكا أكثر أمنا» لم تعد صحيحة، ولا ننسى سلسلة العمليات الإرهابية في باريس في نوفمبر 2015 الّتي أسفرت عن أكثر من مئة وخمسين قتيلا والكثير من الجرحى، وأربعة وثلاثين قتيلا وعشرات الجرحى في بروكسل، عبر سلسلة تفجيرات مارس 2016, والكثير من الحوادث الأصغر حول العالم، والوحدة الأوروبيّة في خطر لأوّل مرّة نتيجة اللاجئين والإرهاب، بينما الرئيس أوباما يُصرح بأن الولايات المتّحدة وحلفاءها أكثر أمنا بسبب سياسته وطريقة معالجته للموضوع السوري.
ظهر باراك أوباما في البرنامج نفسه قبل عام، أي عام 2014 وفي حينها كان تنظيم «داعش» قد اكتسح نصف العراق واستولى على كميّات لا يمكن تصوّرها من الأسلحة، في هذه المقابلة ألقى أوباما اللوم على المخابرات الأمريكيّة لأنّها حسبما قال «قد استخفّت بإمكانيّات «داعش» وبالغت في تقدير قوّة الجيش العراقي، ومن ناحية فشل مشروع تدريب المعارضة المعتدلة ألقى اللوم على البنتاغون، وقال في المقابلة نفسها «إنّه لم يكن مقتنعا بالبرنامج من الأساس». كما ألقى اللوم على الحرب السوريّة الّتي وفّرت أراضي واسعة لا تخضع لحكم أحد والتي أصبحت قبلة للمجاهدين من كل العالم. كان همّ الرئيس في المقابلة إلقاء اللوم على ما حدث من كوارث خلال هذا العام على كل الآخرين باستثناء.. الرئيس أوباما.
ولنتذكّر أنّه قبل عام آخر وبعد استخدام نظام الأسد للأسلحة الكيماوية وقتله مئات الأطفال والنساء في أغسطس 2013 تراجع الرئيس أوباما عن خطوطه الحمراء، واعتبر الكثير من الخبراء ذلك نهاية أي هيبة لرئيس الولايات المتّحدة، ولم ير أوباما ذلك، بل قال بعد سنوات إنّه فخور بقراره ذاك، واعتبر وزير الدفاع الأمريكي وقتها تشاك هاغل أنه تعرض لطعنة في الظهر من البيت الأبيض، لعدم الاستماع إلى نصائحه بشأن خطر تنظيم «داعش»، وأشار إلى أن تراجع الرئيس باراك أوباما عن توجيه ضربة عسكرية إلى نظام الرئيس السوري بشار الأسد في 2013 «أضر بمصداقية رئيس الولايات المتحدة»، على حد تعبيره.
وكان باراك أوباما قد قال حرفيّا إنّ أي نقل أو استخدام للأسلحة الكيميائية في سوريا يشكل «خطاً أحمر» بالنسبة إلى الولايات المتحدة وستكون له «عواقب هائلة», حتى الآن لم أعط أمر التدخل عسكرياً» في سوريا، مضيفاً «لكن إذا بدأنا نرى نقلاً أو استخداماً لكميات من المواد الكيميائية فذلك سيغير حساباتي ومعادلتي».
خلال عامي 2011 و 2012 كانت هناك خلافات واضحة وعلنيّة بين أوباما وأهم مستشاريه من وزيرة الخارجيّة هيلاري كلينتون لوزراء الدفاع بانيتا ورئيس الاستخبارات باتريوس، الّذين تناوبوا خلال هذه الفترة، حول الموضوع السوري حتّى أن الرئيس الأمريكي كان يتظاهر بالانشغال بتلفونه اثناء مناقشة الموضوع السوري، أي أنّه حرفيّا يغلق أذنيه عن كل ما يمكن أن يقال، ويصر على سياسته الّتي أدّت لكل ما نراه اليوم.
ورغم أن كل المضاعفات الّتي حذر منها كل الخبراء في حال لم تتدخّل الولايات المتّحدة لوضع حد للمأساة السوريّة قد حدثت، بل حدث أكثر منها بكثير حتّى أصبحنا أمام عالم جديد مختلف كلّيا عن العالم قبل 2011، ورغم ذلك مازال الرئيس الأمريكي يدافع عن سياساته الّتي أدّت لكوارث لا سابق لها. وعندما قدّم مؤخّرا 51 دبلوماسيّا طلبا للرئيس الأمريكي لتوجيه ضربة لنظام الأسد تجبره على الدخول بالحل السياسي، ويعتبر تقديم موظّفين على رأس عملهم عريضة تعترض على سياسة إدارتهم عملا غير مألوف وقد وصفها بعض الإعلاميّين بالانشقاق عن خط الإدارة، مع هذا أصرّ الرئيس أوباما على مواقفه السابقة وأكد «إنّ استهداف الأسد يعيق حربنا على داعش»، بما يمكن اعتباره صدى لصوت بوتين، حتّى الكاتب المعروف توماس فريدمان الّذي كان من أشد مؤيّدي سياسة أوباما السوريّة خلال الأعوام السابقة والّذي اجتمع معه ساعات طويلة في العامين السابقين، غيّر موقفه مؤخّرا وأصبح من مؤيّدي التدخل لإنهاء المشكلة السوريّة لأنّها قد تؤدّي لانهيار الاتّحاد الأوروبي. إذا قال أحدهم بعد كل هذه السنوات إن الرئيس أوباما لم يكن مع ذهاب الأسد من البداية فبماذا نستطيع أن نردّ عليه؟

٭ كاتب سوري

الرئيس أوباما لا يريد أن يرى

د. عماد بوظو

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية