الرئيس الأول ما بعد الحداثة

حجم الخط
0

دونالد ترامب يعيش في مزرعة كبيرة في فيرجينيا، قريبا من مزارع ثلاثة رؤساء من الرؤساء الاوائل للولايات المتحدة: توماس جيفرسون وجيمس مديسون وجيمس مونرو. هناك وضع ترامب مزرعته، بمعرفة أو بدون معرفة، في منطقة الآباء المؤسسين لتلك الديمقراطية.
فشل المحللين السياسيين والمؤسسة السياسية الأمريكية، حيث لم يتوقعوا نجاح ترامب في انتخابه مرشحا للرئاسة من قبل الجمهوريين، يُذكرنا بفشل المحللين في إسرائيل الذين لم يتوقعوا فوز نتنياهو في انتخابات 2015. حسب رأينا، السبب يكمن في أن المحللين والمنافسين السياسيين لترامب يفكرون ويعملون في اطار النقاش الحديث والمقبول، في الوقت الذي يكمن فيه سر نجاح ترامب في أنه يخل بشكل فظ بجميع معايير ذلك النقاش.
يمكن وصف النقاش السياسي الحديث على أنه مبني من ثلاث شرائح: الايمان بوجود الواقع الطبيعي والاجتماعي والقدرة على معرفته وفهمه، الليبرالية السياسية، والتصرف بناء على اخلاق اساسية أو على الاقل الادعاء بوجود ذلك.
لقد تحول ترامب إلى نجم في برنامج الواقع الناجح، «المختص»، الذي تم بثه على مدى 12 سنة وشاهده عشرات ملايين الاشخاص. وبما أن برامج الواقع لا تخضع لشروط الواقع، فان حملة ترامب ايضا، إذا كان يمكن تسميتها هكذا، ليست مبنية من خطط قابلة للتطبيق، بل من مجموعة شعارات تخاطب مخاوف مؤيديه: طرد جميع المهاجرين الغير قانونيين (11 مليون شخص)، اقامة جدار على طول الحدود مع المكسيك لمنع دخول مهاجرين آخرين ومنع دخول المسلمين.
إن هجمات خصومه السياسيين تنزلق من فوقه، وترامب يتجاهل الطلب الاساسي للمنطق الحديث للتواصل والمنهجية. إنه يغير مواقفه بسرعة ولا يجد أي صعوبة من وجود تناقضات بينها. من اجل طرد المهاجرين ستكون هناك حاجة إلى اقامة جهاز بيروقراطي كبير في الوقت الذي ينتقد فيه ترامب البيروقراطية الفيدرالية القائمة ويعتبرها كبيرة وغير ناجعة. الكثير من شعارات ترامب الانتخابية تعكس الاستخفاف بمباديء الليبرالية الاساسية في السياسة الأمريكية: عدم التمييز بناء على الدين، حق كل شخص، حتى لو كان متواجدا بشكل غير قانوني، في محاكمة عادلة واحترام الثقافات المختلفة في المجتمع الأمريكي. إنه يعد بأنه سيعيد المباركة التقليدية «ماري كريسماس» بدلا من أمنيات الفصول السائدة حاليا. وهذا من اجل تصفية الحساب ضد الاقليات الغير مسيحية ولا سيما اليهودية.
ترامب يخل ايضا بكثير من مباديء النزاهة السياسية. فهو يقدم ملاحظات جنسية عن النساء، بما في ذلك زوجة منافسه الجمهوري تيد كروز، وهو يعد بتطوير مصادر الطاقة التقليدية للولايات المتحدة ـ النفط والغاز والفحم ـ لتوفير اماكن العمل رغم الضرر الذي يسببه ذلك للبيئة، وهو يدعي أن المهاجرين الذين لا مكانة قانونية لهم هم «مجرمون ومغتصبون»، رغم أنه ليس هناك أي دليل على أن نسبة الجريمة في اوساطهم أكبر من نسبتها في اوساط باقي السكان، إذا لم يكن العكس.
في السياسة الليبرالية الحديثة يتم العمل في اطار الاخلاق والحفاظ على الأدب. الاخلاق تتطلب الفصل بين القوة السياسية والقوة الاقتصادية، حيث إنه من غير هذا الفصل فانه لا مغزى لمبدأ «صوت واحد لشخص واحد». من الواضح للجميع أن هذا المبدأ يوجد بشكل سطحي فقط، لكن ترامب يستخف به بشكل صريح ويتفاخر بأنه «يشتري» سياسيين لتطوير مصالحه الشخصية. ويقول إن خصومه السياسيين تم شراؤهم من قبل المتبرعين لهم. هو ينتمي لمن يشتري وليس لمن يبيع، ويقوم بتمويل حملته الانتخابية من امواله الخاصة.
مؤيدو دونالد ترامي ينتمون إلى طبقة العمال البيض التي تضررت اقتصاديا من الليبرالية الحديثة، ولا سيما الازمة المالية في 2008. هؤلاء المصوتون غاضبون على الدولة الحديثة وعلى المؤسسة السياسية الغير مبالية، حسب رأيهم، بالضائقة ويفضلون مصالح الاجانب والاقليات على مصالحهم. وكما ثبت في الانتخابات التمهيدية، فان حوار ما بعد الحداثة لترامب له قوة جذب كبيرة لهؤلاء المصوتين الذين هناك الكثير منهم اعضاء في اتحادات مهنية، اصبحت ضعيفة أو تفككت بعد انتقال مصانع من الولايات المتحدة إلى العالم الثاني والثالث. إن وزنهم النسبي في اوساط المصوتين في الانتخابات في تشرين الثاني، سيحدد إذا كان الرئيس الأمريكي سيكون هو الرئيس الاول ما بعد الحداثة.

هآرتس 9/6/2016

الرئيس الأول ما بعد الحداثة
ترامب يتجاهل المنطق والمنهجية ويُخل بمبادئ اللعب السياسية الحديثة وهذا هو سر نجاحه
هوريت هيرمان بيلد ويوآف بيلد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية