يحلو للبعض أن يسخروا من المتحمسين للثورة من أمثالي، ناعتين إياهم بالانفصام عن الواقع، ساخرين من ضآلةٍ مفترضة أو مزعومةٍ في أعدادهم، وقد يجد أحدهم ضالته في صيغةٍ دارجةٍ تعبر عن وجهة النظر تلك، ألا وهي أننا «نعيش في عوالم افتراضية»، ومن ثم لن يسأم هذا أو ذاك من تكرارها، إذ أن لها وقعاً لا بأس به على الأذن، وقد توحي بشيءٍ من العمق والثقافة لما بها من اختلاسٍ من قاموس الفكر والحداثة وما بعدها.
لا أظن أن ثمة جدلا في كون ثقافة الطبقة الحاكمة في أي مجتمعٍ هي المهيمنة، لما تملكه من شبه احتكارٍ لوسائل الإعلام يوازي وسائل الإنتاج والعنف، خاصةً في بلداننا حيث الميزان مختلٌ للغاية بين الوسائل المرئية والمكتوبة، فلما كان النظام وطبقته شديدي الرثاثة فلا عجب من المستوى المتدني للإعلام المدافع عنهما.
لذلك فإن تلك الأكاذيب عن ضآلة حجم الثوار وعدم وجود أي رؤى لديهم للخروج من سرداب دولة ما بعد الاستقلال، لن تنجح في إخفاء ضوء الشمس الناصع الذي لا ينكره أعمى، المتمثل في نزول ملايين للشارع في حراك يناير الثوري، ولا في مقدرة أولئك المزعومة تفاهة شأنهم، في حشد الملايين طيلة سنين في مليونيات عديدة، ناهيك عن كون الصورة التي نرى عليها مصر الآن، وحال الأحزاب والقوى المدنية فيها، هي نتيجة قمعٍ شديد وصل حد التصفيات لمعارضين، من الإسلاميين خصيصاً، وأحكامٍ شديدة القسوة بالحبس على أتفه أشكال الاحتجاج، والاختفاءات القسرية، بالإضافة إلى تواطؤ من قبل أجهزة الأمن والإعلام بالتعتيم ما أمكن على تلك الاحتجاجات والإضرابات.
في المقابل، فإن لنا كل الحق في أن نسأل من بقي متحمساً للرئيس السيسي ونظامه: في ضوء تعويم الجنيه وما أعقبه من تبعاتٍ كارثية كانهيار قيمته، والتضخم وتردي القدرة الشرائية وشرائح بأكملها تسقط من الكفاف إلى هوة الفقر، والقمع غير المسبوق، والتنازل بالبيع البخس لتيران وصنافير، في ضوء أن الرئيس، رأس حربة الطبقة الحاكمة بنفسه، اعترف بأن مصر «شبه دولة» وبأننا «فقرا قوي»، فإن من حقنا نحن أن نسأل بعلو صوتنا، من الذي يعيش في عالمٍ افتراضي؟ من يشير إلى عري النظام وقبحه، من يصارح الأعور بعواره؟ أم من يعيش في «شبه دولة « متبجحاً بأنها قوة عظمى وأنها صارت مقصد القاصي والداني؟ من يعيش في دولةٍ تكتسب مشروعيتها من الرهان على أمن إسرائيل ودعمها والحفاظ على حدودها، وتتسول رضا جارتها الغنية وعطاياها فتنفحها بجزيرتين لا مثيل لقيمتهما الاستراتيجية، وبذلت فيهما دماء ثم يتشدق «بالكرامة الوطنية»؟
من الذي يعيش في عالمٍ افتراضي؟
والشاهد أن تلك المناوشات بين معسكر أنصار الثورة وأعدائها يدور كثيرٌ منها على وسائل التواصل الاجتماعي، ومع اعترافي بأهميتها، إلا أنها بدورها لا تمثل القطاع الأوسع من الشعب المشغول بالتغلب على حالة الحصار والطحن التي يعيشها، الأمر الذي يحملني على تقرير أن مؤيدي السيسي من الطبقات التي مازالت تملك الرفاهية المادية للدفاع عن سياساته أو مازالت تتشبث بالأوهام هي التي تعيش في فقاعة، في عالمٍ افتراضي نابعٍ من وضعٍ طبقيٍ بالأساس، وما انبنى عليه من تصورات يؤسس لها كمٌ مدهش من خداع الذات المتضخمة في الأساس.
بيد أن الأمانة تقتضي أن نلتمس لهؤلاء العذر، فقد فوجئوا في الست السنوات الماضية بعد عقود غفلةٍ بمدى الانحدار والتدني اللذين انزلقت إليهما الدولة المصرية، وبالتالي فحالة الإنكار تلك دفاعية في الأساس وهروبٌ من الواقع، والأهم من ذلك أنهم معذورون، لأن الرئيس ونظامه من ناحيةٍ، تملقوا ذلك التوق ولبوا ذلك الاحتياج للأمان النفسي والشعور بالرضا عن الذات، عبر التصريحات الملهبة للحماسة الوطنية ومشروعاتٍ (أو الحديث عنها) زعموا أنها عظيمة (بغض النظر عن ثبات عدم جدواها لاحقاً)، أما من ناحيةٍ أخرى، فيبدو أن النظام والرئيس يعيشان هما الآخران في واقعٍ افتراضي.
من الصعب فهم أو تفسير كيف يتحدث عن «شبه الدولة» وأننا «فقرا قوي» ثم يقومون بشراء ثلاث سيارات بتكلفة ثمانية عشر مليون جنيه (تساوي الأربعين بعد تعويم الجنيه) لرئيس مجلس الشعب ووكيليه (هذا غيضٌ من فيض)، ولا كيف يصرفون كل تلك الأموال الطائلة على مشاريع عبثية كمجرى مائي لا جدوى اقتصادية من ورائه؛ أما عن صفقات الأسلحة فحدث ولا حرج، خاصةً أن تغيراً ملموساً لم يلاحظ على أداء القوات المسلحة، وكيف نفسر وجود تلك الأسلحة إذا كان النظام يتنازل بالبيع عن أراضيه وينسق أمنياً مع إسرائيل؟ عما ندافع ومن هو العدو الذي نشتري حاملتي طوافات لمواجهته؟ في رأيي أن تلك الصفقات على الأغلب لا تعدو كونها رشى لجهات ضغطٍ في الدول البائعة لاعتراف بالحكم، وعلى الأغلب لن يخلو الأمر من عمولاتٍ ضخمة لمؤسسةٍ لم يعد شرهها يعرف شبعاً.
يذكرني الرئيس السيسي برائد الفضاء، تراه معلقاً في الهواء، بعيداً عن كوكب الأرض، فاقد الوزن، خارج الجاذبية لا يربطه بمركبته الأم والآخرين سوى ذلك الخرطوم، كذلك حالة الفصام الغريبة التي يعيشها هو ونظامه، إذ منطلقاً من شبه الدولة يحلق هو الآخر في عالمٍ وهمي محاطاً بالأزمات الوجودية التي تتكاثف من حوله من كل جهة في فضاء اللافعل، ولمن لا يعمل بالسياسة أو المجال العام، لا يقدم سوى الوعود والأحلام والتصريحات عن المستقبل المشرق وأهمية أننا «نبقى كده»، من دون أي توضيح.
ربما تدل بعض التصريحات من عينة مصارحته أو اكتشافه بأننا «فقرا قوي» عن كون صورة التردي تصله عن طريق قنواته، إلا أن شيئاً لا يلوح في الأفق ليوحي بأي تغييرٍ في الأداء، أو حتى ببادرة له. ستستمر التصريحات والاجتماعات والغدو والرواح والسجاجيد الحمراء الطويلة، فقط ولا شيء آخر، لتستمر دورة الوهم والأساطير حتى يتمادى التصدع ويضرب العفن أكثر في بنية النظام الصدئة.
ربما كان بعض الثوريين حالماً، فالثورة بنت زواج الحلم مع الواقع والظرف الموضوعي، إلا أنهم بكل تأكيد لا يبارون النظام وأنصاره في الافتراق عن الواقع والعيش في «عالمٍ افتراضي»، لكن كما قالت العرب قديما: «رمتني بدائها وانسلت»
كاتب مصري
د. يحيى مصطفى كامل