ذكرت في مقالي السابق ما أراه وغيري تشابهاً بين الرئيس السيسي والمرحوم الرئيس «المؤمن» أنور السادات أسلوباً وفهماً للسياسة، ويبدو أن الرئيس السيسي يأبى إلا أن يرفدنا بصورة متواترة بقدر ما هي منتظمة بأدلة وقرائن على هذا التشابه؛ فلعل الكثيرين يذكرون ولع الرئيس المؤمن في سني حكمه الأخيرة باللقاءات التلفزيونية (بالذات مع مذيعةٍ بعينها) من إحدى استراحاته حيث كان يسترسل في أحاديث طويلة، فـ»يطخ» ما شاء.
كان ذلك باختصار»كلام مصاطب» وفق التعبير المصري الشائع، أي كلاما في الهواء، يفك به المرء عن نفسه ويروح عنها مستأنساً بصحبة خلانه، حيث قد يسترسل في أحاديث وأقاصيص بلا حرص رافعاً الكلفة، وبدون التزام بأي ترابطٍ منطقيٍ أومنهجيٍ صارم، وبدون التقيد بالحقيقة في أحيانٍ كثيرة مع بعض الشخوص، حيث يستسيغ المتكلم الذي ينعقد المجلس أو»النصبة» حوله الاسترسال مطلقاً العنان لخياله وطموحاته وربما رغباته في التعويض مع الافتتان بالنفس والرغبة في تخليدها وتكريس تصوراتٍ وانطباعاتٍ عنها، تحضرنا في ذلك صور الرئيس السادات وهو في» بيت الأدب» بملابسه الداخلية يقوم بحلاقة ذقنه لخلق انطباع بالعفوية الطبيعية، أو مصوراً من أسفل ممسكاً بعصاه مستحضراً فخار وعظمة تماثيل الفراعنة الخ.
كذلك الحال مع الرئيس السيسي، إلا أنه يفضل المؤتمرات والمناسبات العامة لينصب «المكلمة» فينهمر على رؤوس الحضور ورؤوس من له صبر منا على السماع، كما يلتزم بالبذل وربطات العنق فلا ينوع ويجود كأن يرتدي جلباباً مثلاً كما كان الرئيس المؤمن يفعل، لأن مجمل تسويقه لنفسه يعتمد على التظاهر بالصرامة والانضباط العسكري.
هو يريد أن يبدو نشيطاً ممتلئاً فتوة: فيركب دراجة. هذا هو التجديد والتطوير. بالطبع هناك اختلافات بين الرجلين، إذ يقتضي الإنصاف أن نعترف بأن السادات كان ذا خبرةٍ سياسية (بغض النظر عن رأينا فيها وما شملته من تآمر وإرهاب واغتيالات ) وأنه كان محنكاً لئيماً وأقدر على إخفاء سريرته، ناهيك عن كونه أخف ظلاً، كما أنه، رغم الأزمة الاقتصادية التي فاقمها بانحيازاته وقراراته التي ما زلنا نعيش في تبعاتها حتى اليوم والقطيعة العربية إلا أنه كان يزهو بأنه خاض حرباً تحقق فيها شيء وأنه استعاد (جزءاً من) الأرض، بغض النظر عما قد يكون من خلافات وتباين وجهات نظرٍ في هذا الشأن أيضاً؛ وليس في السيسي شيٌ من ذلك ولا له أن يزهو بأي بادرة إنجازٍ كتلك، على العكس من ذلك تماماً.
لماذا مؤتمر شباب في شرم الشيخ؟
أعتقد أنه سؤالٌ مشروع. أيضاً: لماذا شرم الشيخ وكل هذه التكاليف؟ لا أعتقد أن الرئيس والنظام لديهما إجابات أو تصور واضح في ما يخص اختيار المكان وربما عن السبب. يقيناً أن النظام يعيش أزمة وبات يدرك ذلك وهو بالحديث عن الشباب والمستقبل وما أشبه إنما يبحث عن إسباغ المشروعية على نفسه وربما مأسسة وجوده السياسي في المستقبل بعيداً عن الاعتماد عن الشعبية غير المنظمة التي انتخبت السيسي أو «استدعته» على حد تعبيره. غير أن ذلك لا ينفي أزمته الاقتصادية الطاحنة وبوادر الخلافات بينه وبين أهم داعميه في الخليج؛ كما يبدو أن هناك رغبة حثيثة لدى الأنظمة الاستبدادية في خلق تصورٍ عند الناس بالحركة والنشاط والتواجد، فهو يعقد مؤتمراً هنا واجتماعاً هناك وهكذا، لكن تبقى الرسائل من هذه التجمهرة واضحة: الأزمة الاقتصادية باقية وليس لدى النظام تصور عن كيفية الخروج منها ضمن السياق نفسه من الانحيازات سوى المطالبة بشد الحزام والسياسات التقشفية، مطالبة الشعب بالطبع.
أما النظام ورجالاته من الضباط ومشرعني وجوده من القضاة فلا مساس بهم، ويلزم ذلك بالطبع التكرار المنهجي على المؤامرة من الخارج لتركيع مصر الخ، ولا يتوقف الرئيس أبداً ليشرح لنا كيف يتفق وينسجم ما نسمعه عن علاقات رائعة مع إسرائيل والأشقاء العرب وروسيا والصين وفرنسا وما نراه من صفقات السلاح والدعم المادي ورفع الحظر عن توريدات السلاح من أمريكا وسيارات الهامر المدرعة لمحاربة جماعات العنف الإرهابية في سيناء، كيف يتفق كل هذا مع المؤامرة الكونية؟ وقد صرح الرئيس بلزوم الصمت في ظروفٍ كتلك، أي الأزمة الاقتصادية + المؤامرة، وضرب لنا مثالاً بذلك البلد الصغير الذي نجح وركز على العنف وسيلةً. شكراً لتوضيح النوايا.
مدهشٌ ومزعجٌ أيضاً في آنٍ معاً أن يكرر الرئيس كلاماً غثاً عن»أهل الشر» ومحكماً الله (مع ملاحظة سوء استخدام المفردات كـ»سأحاجيكم»، إلا أن يكون يقصد طرح الأحجيات والألغاز؟) مستدعياً بذلك في مجال السياسة مصطلحاتٍ فات زمانها، قروسطية أو ربما أسبق تستقي من الأساطير والعقائد، تنتفي معها السياسة بمعناها الحديث ونعود بها إلى صراع قوى الخير مع الشر والنور مع الظلام على الحقيقة المطلقة – ما نحن بصدده ليس صراع ملائكة وشياطين، لم يكن أبداً ولن يكون، وإنما صراعٌ سياسي معقد يحتمل تدرجاً في الأطياف، وإن طرحه بهذا الصورة ينذر بمخاطر شديدة.
لقد كان المؤتمر برمته مسرحيةً رديئة هزلية، وإن كانت مكلفة للغاية تم فيها توزيع الأدوار، وعوضاً عن الرئيس ارتدى أحد نواب مجلس الشعب الجلباب ورأينا تبادل حوارات الإطراء واستجداء العواطف الوطنية وتجديد البيعة وما أشبه، بالإضافة إلى بعض الوعود أو التصريحات السمجة من عينة أعطونا قوائم بالمعتقلين لننظر في أمرهم: كارثةٌ الاستخفاف بالناس ومصائرهم لهذه الدرجة وكارثةٌ أكبر لو لم يكونوا يعرفونهم بالفعل وإنما يعتقلون عشوائياً و»العدد والهويات في الليمون» كما نقول في مصر. سوف يضاف هذا المؤتمر إلى سابقه الاقتصادي ومشاريع أخرى كثيرة في انعدام الجدوى لخلق واقعٍ أو صورة موازية تغطي على الفشل والعنف، إلا أن السابق كان يعد باستثمارات تحت عنوان»أبشروا» وهذا ينذر بالفقر والأزمات والتهديد برسالةٍ مقتضبة مفادها»أحذروا»- الأمر بالصمت والصبر فقط.
حل الشعب
ثمة نغمةٌ جديدة ظهرت في خطابات وكتابات القريبين من النظام والمدافعين عنه، ألا وهي أن العيب وأس المشكلة في الشعب المصري، وأن الرئيس رائع وعظيم مرزوءٌ بهذا الشعب الرديء. لم يبق سوى الدعوى بحل الشعب واستجلاب شعبٍ جديد لسيادته ليتفضل ويتكرم ويتنازل بحكمه. الحقيقة أن هذه المقولات ليست جديدة، فهي تدور في أوساط الطبقة الحاكمة ومن قبل بقصصها وسردياتها وتعبر عن رؤيتها منذ وقتٍ طويل، إلا أن الجديد هو التصريح الفاجر بذلك، وبذا نكون قد قطعنا شوطاً كبيراً بين «الشعب المصري لم يجد من يحنوعليه» إلى كونه مصدر الفشل، كأنه هو الذي أهدر المليارات في مشاريع شحيحة الجدوى إن لم تكن منعدمتها، ويصبح من المطلوب أن نجد نحن حلولاً لمشاكلنا الاقتصادية، كأن يقوم مواطن مثلي بإنشاء مصنع للسيارات مثلاً- الحكومة ليس لديها حلول لمشاكل تسبب فيها الناس. وهنا يثور سؤالٌ مهم: كيف يطالب الناس بإيجاد حلول وهم مأمورون بالصمت ومحاصرون بالاعتقال والاختفاء القسري. الأمر الذي يقودنا إلى تلك السمة الأخرى في المؤتمر، فقد كاد يبدو أن أحد أهدافه الأساسية هو تمجيد الرئيس الذي لم يفوت فرصة لم ينأَ فيها عن الافتتان بنفسه المتضخمة في ادعائها التواضع، الأمر الذي حدا به على إطلاق تصريحات وتأكيدات من عينة ثلاجته التي لم تعرف سوى الماء طيلة عشر سنوات فصارت مثار سخرية وتندرٍ واسعين.
الحقيقة ما ذلك سوى تعبيرٍ عن الإفلاس. إفلاس الطبقة الحاكمة على كل الأصعدة وعلى رأسها السياسي والاجتماعي والفكري في بلد المنطق المقلوب والأفكار الملتوية، أو اللامنطق إذا شئنا الدقة والإنصاف. كثيراً ما يتقعر البعض مؤكدين على بداهة ضرورة الابتعاد عن إعادة اختراع العجلة، إلا أننا يبدو أننا في حاجة إلى شيءٍ شبيه في طبيعة العلاقة بين المواطنين والحكومة في العصر الحديث.
حلة جديدة لرسائل قديمة
في المحصلة، لم يسفر هذا المؤتمر عن جديد، وإنما هو محاولة بائسة يائسة للتظاهر بذلك، أما الرسائل والفحوى فقديمان جداً. ليس جديداً أن الرئيس يحب الارتجال وأنه بذلك يفضح ضحالة ثقافته ومفاهيمه الأولية، وقد كان حرياً به أن يمسك لسانه كما طالبه بذلك بعض من تحمسوا له يوماً ما. إلا أنه على قناعة تامة بأنه طبيب الفلاسفة وذو رسالة، فلم يحجم، لم يمنع هذا الألق من أن يعم البرية.
الخلاصة، مع بوادر توترٍ مع داعميه ومموليه الإقليميين وتفاقم الأزمة الاقتصادية فليس لدى النظام أي حلول ولا أقل نية في تقديم تنازلات أو تغيير الانحياز الاجتماعي. ربما بعض المنح والهبات كعبوات مخفضة السعر من السلع الأساسية الناقصة في الأسواق تقوم بتوفيرها القوات المسلحة دون غيرها؛ أما الباقي فتقشفٌ وفقرٌ وعلى الجميع التزام الصمت، وإلا فالعصا والحبس- «العنف» كما شدد عليها الرئيس. ومازال العرض مستمراً.
كاتب مصري
د. يحيى مصطفى كامل