■ رغم الانتكاسات، يستمر اهتمام الرأي العام في العالم العربي والباحثين بالربيع العربي، فهو منعطف مستمر في حياتهم،
وتختلف الرؤى والآراء بين المتشائمة والمتفائلة بالمستقبل. ويجري كل هذا ضمن أطروحتين، الأولى تعتبر الربيع العربي انتفاضة من أجل الكرامة والعيش الكريم مثل باقي شعوب العالم التي حققت الديمقراطية، بينما تروج الأطروحة الثانية إلى توصيف الربيع العربي بالمؤامرة الخارجية التي تستهدف «الأمة العربية».
عاش العالم العربي لحظة تفاؤل تاريخية في حياته بعد ثورة الياسمين في تونس، عندما سقط الديكتاتور زين العابدين بن علي في يناير 2011، وتهاوت ديكتاتوريات أخرى، ديكتاتورية حسني مبارك في مصر، ثم ديكتاتورية معمر القذافي في ليبيا، وسقوط عبد الله صالح في اليمن. بينما تداركت أنظمة أخرى الوضع ومنها، المغرب والجزائر وموريتانيا والأردن، بإصلاحات سياسية لم تكن جذرية، ولكنها جنبتها مؤقتا تسونامي الانتفاضات. في حين اشترت دول الخليج العربي السلم الاجتماعي بمساعدات اجتماعية ومالية كبيرة للمواطنين في عملية أشبه بتقديم رشوة. وتحول الربيع العربي إلى ربيع دموي في دولة سوريا التي تعيش أسوأ حرب أهلية في القرن الواحد والعشرين تجاوزت حروبا أهلية شهيرة مثل، الحرب الأهلية الإسبانية في ثلاثينيات القرن الماضي والحروب الإثنية في البلقان. ومما زاد من دموية الربيع العربي انفجار الصراع السني- الشيعي. وبعد مرور أربع سنوات على انتفاضة الشعوب العربية، ينظر الى الربيع العربي من زاويتين أو أطروحتين مختلفتين، الأولى ترى فيه موعدا للشعوب العربية والأمازيغية، التي تقطن الرقعة الجغرافية من المحيط الى الخليج، مع الديمقراطية والتحرر، وتذهب الثانية الى اعتبار هذه الانتفاضة مؤامرة خارجية.
وعلاقة بالنقطة الأخيرة، وأمام انتكاسة الربيع العربي، ارتفعت أصوات سياسية وزعماء حكومات ودول يعتبرون الربيع العربي مؤامرة تستهدف العرب وتعمل على تفتيت وحدتهم. وترى في الربيع العربي «عملا شيطانيا» من تخطيط مختبرات مراكز التفكير الاستراتيجي وغرف المخابرات العالمية وأساسا الغربية. وتنطلق هذه الأطروحة من تجارب الماضي. وعمليا، لا تفتقد للأدلة من التاريخ العربي نفسه، وعلى رأس هذه الأدلة اتفاقيات سرية في الماضي منها، سايكس بيكو في العقد الثاني من القرن الماضي لتقسيم العالم العربي بين القوتين الاستعماريتين فرنسا وبريطانيا. ويقول أنصار هذه الأطروحة بتكالب الغرب على العالم العربي للحيلولة دون تحقيق وحدة سياسية تعيد للأمة العربية أمجاد الماضي، واستمرار هذه القوى في استنزاف الموارد الطبيعية في العالم العربي ومنها البترول.
وفي مقالات سابقة في جريدة «القدس العربي» وفي كتاب أصدرناه في اسبانيا بعنوان «ثورة الكرامة» سنة 2012، اعتبرنا الربيع العربي بدء موعد الأمة العربية مع التحرر نحو الديمقراطية مستقبلا، ومع الانتقال من مفهوم الرعايا الى الديمقراطيين. ويقول لنا التاريخ إن شعوب منطقة معينة تتقاسم التاريخ واللغة وحتى المعتقد الديني، عادة ما تشهد في وقت واحد، انتقالا نوعيا نحو الأفضل، كما تعرف انتقالا نحو الأسوأ يكون مؤقتا.
ونبقى في الإيجابي، فخلال العقود الأخيرة، يقدم التاريخ تجارب ديمقراطية جماعية. في هذا الصدد، وقف العالم على انتقال دول جنوب أوروبا، اليونان والبرتغال وإسبانيا من الديكتاتورية العسكرية إلى الديمقراطية خلال السبعينيات. ولاحقا، تابع العالم كيف انتقلت دول أوروبا الشرقية الى الديمقراطية بعدما كانت تتقاسم الشيوعية. وفي عقد التسعينيات شقت دول أمريكا اللاتينية طريقها نحو ديمقراطية حقيقية، بعدما كانت تعيش ديمقراطية الواجهة. وتوجد تجارب إسلامية رائعة تتجلى في تعزيز الديمقراطية في تركيا وإندونيسيا وماليزيا. ولا تقل تجارب الدول الأفريقية احتراما للديمقراطية، فدول مثل السنغال أكثر ديمقراطية من جميع الدول العربية بدون استثناء، شأنها شأن عشرات الدول الأفريقية مع استثناءات. وعندما حاول رئيس بوركينا فاسو كامبوري الخروج عن المنهجية الديمقراطية الجنينية، انتفض الشعب وطرده من الحكم في بداية السنة الجارية. وهذه المسلسلات لم تكن وردية، بل واجهت صعوبات وتواجه حتى الآن صعوبات، لكن الأساسي هو اقتناع المواطنين بجدوى الديمقراطية. وتعمل هذه الدول بروح الانفتاح مع مطالب الشعوب، ومن ضمن الأمثلة، لم تتهم مدريد أي دولة بتشجيع الانفصال في كتالونيا، بل اعتبرته مطلبا للكتالان وإن رفضته قانونيا. واضطرت بريطانيا الى إجراء استفتاء تقرير المصير في اسكوتلندا، وسبقتها في ذلك كندا خلال التسعينيات في حالة كبيك. ولكن عندما تحضر مطالب الحكم الذاتي أو تقرير المصير في العالم العربي، يكون اتهام الخارج هو الخطاب الوحيد، بينما لا يتحدث أحد عن الفساد والديكتاتورية. ولنتساءل: لو كانت سوريا ديمقراطية وتحل مشاكلها بالحوار هل كانت ستصل إلى الوضع المأساوي الحالي؟ الجواب بطليعة الحال لا. ويستحسن النظر الى الربيع العربي بمنظار زمني أوسع، يتعدى السنوات المحدودة الى اعتباره منعطفا أسس ويؤسس لوعي جديد لشعوب العالم العربي، وعي يرسخ فكرة التحرر وهو ما يتحقق حاليا. وعمليا، معظم المواطنين العرب يؤمنون الآن بفكرة التحرر، ويعتقدون بضرورة الديمقراطية باستثناء الحركات الإسلامية المتطرفة. لكن العملية تمتد زمنيا، وهو ما يجعل الأمل في عودة مطالب الشعوب من أجل الحرية والعيش الكريم واردة بقوة، فكل نهضة تتطلب زمنا، لاسيما في ظل دكتاتوريات دموية. في غضون ذلك، وعودة الى وجود مؤامرة، تفيد المعطيات بوجود مؤامرة، وفي الوقت نفسه بوجود تأقلم للقوى الكبرى مع تطورات الربيع العربي.
وعلاقة بالنقطة الأخيرة، تتوفر القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة على عشرات مراكز التفكير الاستراتيجي التي تضع مختلف السيناريوهات للتطورات الدولية، ومنها الربيع العربي. وهذه المراكز وضعت سيناريوهات تتراوح بين نجاح الربيع العربي وانتقال العالم العربي الى الديمقراطية، كما وضعت سيناريوهات بشأن الفشل وعودة الديكتاتورية، وسواء نجح الربيع أو فشل، فالقوى الكبرى تمتلك نسبيا الرؤية الواضحة، وهيأت لكل سيناريو/حدث، وهو ما يجعلها تتأقلم بسرعة مع أي تطور طارئ. فهذه الدول تحافظ على مصالح شعوبها بالدرجة الأولى، بل وفي حالة التعارض تضحي بالقيم بما فيها الإنسانية من أجل هذه المصالح. ومن ضمن الأمثلة، تعاطت الولايات المتحدة مع الديكتاتوريات في أمريكا اللاتينية على حساب القيم والديمقراطية، والآن وبعد التغيير الديمقراطي الذي حققته شعوب المنطقة، تتعامل بمفاهيم مغايرة تقترب من الند للند.
وهذا الاستعداد المسبق والجهوزية لكل تطور أو سيناريو وارد من طرف القوى الكبرى، يفسره بعض المفكرين والسياسيين العرب بوجود مؤامرة معدة سلفا، علما بأن الدفاع عن المصالح هو القاعدة الذهبية في العلاقات الدولية، ولكن توجد مؤامرة استهدفت بالفعل الربيع العربي. ويتعلق الأمر باستراتيجية بعض دول الخليج في التحريض على كل ما هو ديمقراطي منبثق عن الربيع العربي، فقد نهجت استراتيجية تمويل دول عربية فقيرة لتحد من الإصلاحات، ودعمت المؤسسات العسكرية والأنظمة بما فيها الملكية لعودة الاستبداد.
كل مؤشرات التقارير الدولية ومعطيات الواقع تؤكد التفتت السياسي للدول العربية مقابل وجود وحدة في شعارات وبيانات المؤتمرات غير المجدية، وتؤكد تحول التخلف إلى بنيوي خاصة الأمية وفشل التعليم، وتؤكد تفشي الفساد الإداري في أقصى مظاهره الوحشية، وتؤكد انبطاح الأنظمة الحاكمة لقرارات، بل أوامر الدول الكبرى، سواء الغربية أو روسيا، وتؤكد غياب العالم العربي عن صنع القرار السياسي والاقتصادي العالمي.
أمم بهذه المواصفات، وفي ظل تبني أنظمتها أساليب وحشية في مواجهة رغبة شعوبها في التحرر والتطلع للعيش في كرامة، لا تحتاج الى مؤامرة خارجية فهي تعيش المؤامرة الداخلية بامتياز. لكنه في ظل رسوخ التحرر والعيش الكريم الذي يعتبر من انشغالات الرأي العام العربي، سيلتحق العرب مستقبلا بالديمقراطية مثل باقي الأمم.
٭ كاتب مغربي
د. حسين مجدوبي