لندن ـ «القدس العربي»: عندما قام عبد الفتاح السيسي بانقلابه ضد الرئيس المنتخب محمد مرسي في 3 تموز/يوليو كان أهم مبرراته هومنع الإسلاميين من اختطاف مصر.
وقام منذ ذلك بحملات قمع طالت الإسلاميين والليبراليين الذين دعم بعضهم انقلابه ليجدوا أنفسهم قابعين في الزنازين نفسها مع قادة وناشطي جماعة الإخوان المسلمين التي صنفها نظام السيسي بالإرهابية.
ومع أنه من الصعب تفكيك خطاب الرئيس المصري الذي يتميز بالتشتت وعدم اكتمال الجمل إلا أن المتابع للقطات المتوفرة على الإنترنت منها خاصة «يوتيوب» يكون فكرة عن خطاب رئيس لا يتميز بالعفوية أو السلاسة ويحاول التلاعب بعواطف المصريين.
وهذه النبرة أو الخطاب هو ما أدى لعودة الحرس القديم وخروج مبارك ونجليه من السجن وعودة الجيش إلى قواعد السيطرة وتخلي الناس عن الثورة التي لم تجلب لهم إلا المشاكل.
وفي ظل الأجواء السياسية التي تمر بها مصر وانهيار الاقتصاد المصري وتزايد هجمات الإسلاميين كثف الرئيس المصري والإعلام من استخدام التعبيرات والتفسيرات الدينية لكل خطوة يتخذها السيسي في محاولة منهم لتعزيز سلطة الرئيس بين الشعب.
فعندما افتتح الرئيس تفريعة قناة السويس في آب/أغسطس وصفها إعلامه بأنها «هبة من الله».
وعندما ذهب المصريون لصناديق الاقتراع لانتخاب نواب البرلمان في كانون الأول/ديسمبر طالب أحد الدعاة المعروفين على التلفزيون الناخبين بـ «طاعة أولي الأمر خاصة القيادة العليا» أي السيسي وأشار له بطريقة غير مباشرة بأنه «ظل الله على الأرض».
وعندما تحطمت الطائرة الروسية في تشرين الأول/أكتوبر وقتل ركابها الـ 224 شجعت وزارة الأوقاف المشايخ على قضاء العطلات في شرم الشيخ لأن الكثير منهم كان ينظر إليه كأرض للإثم. ولاحظ ديكلان وولش من صحيفة «نيويورك تايمز» الطريقة التي يتم فيها استخدام الدين في مصر السيسي من أجل تعزيز سلطة الحكم وقمع المعارضين مشيرا للبيان الصادر عن وزارة الأوقاف المصرية الذي حذرت فيه من النشاطات التي تخطط لها المعارضة في الذكرى الخامسة لثورة 25 يناير 2011 التي أطاحت بنظام حسني مبارك. وحذرت الوزارة من أي نشاطات لأنها ستقود للتخريب والقتل والدمار مما يجعلها «جريمة كاملة».
ومع أن استخدام الدين ليس جديداً على القادة العرب فقد أطلق على الرئيس المصري السابق أنور السادات «الرئيس المؤمن» لكن السيسي ذهب أبعد من الالتزام التقليدي بالدين بل وقدم نفسه كمصلح ديني ودعا إلى «ثورة دينية» من أجل مواجهة التطرف.
قمع لا حوار
ويعلق وولش على أن الثورة هذه لم تشجع على النقاش بقدر ما خنقته وركزت على طرد الدعاة والأئمة غير المسجلين وإغلاق المساجد الشعبية. ويتحدث تقرير الصحيفة عن الجدل الذي أثاره إسلام البحيري عندما هاجم الأزهر ودعا في برنامج تلفزيوني إلى إعادة التفكير بالسنة التي يستخدمها الجهاديون لتبرير العنف وطالب بنقد الكتب القديمة التي يعتمدون عليها. واتهم بازدراء الدين وتشويه سمعة الأزهر.
ويعلق وولش قائلاً إن كلام البحيري بدا وكأنه تطبيق لدعوة السيسي التي أطلقها في كانون الثاني/يناير 2015 من باحة الأزهر وطالب فيها قادته بتطهير الإسلام من الأفكار التي يستخدمها المتطرفون.
وبحسب الصحيفة فمحاكمة البحيري تظهر محدودية مدخل السيسي «لتحديث الإسلام» فالأزهر وإن ارتبط بالحكم منذ أكثر من ستة عقود إلا أنه يحاول الحفاظ على موقعه في العالم الإسلامي كمرجعية دينية أولى.
ولاحظ الباحث ناثان براون، الأستاذ في جامعة جورج واشنطن أن بعض العلماء تعامل مع دعوات السيسي كهجوم على الأزهر وعلق قائلا «بالنسبة لعلماء الأزهر فقد كان هذا مدعاة للدهشة ولم يستسيغوا قيام رئيس وجنرال بالمحاضرة عليهم». ومع أنه من الصعب فهم العلاقة بين مؤسسات الدولة المصرية إلا أن محاكمة البحيري كانت طريقة لإظهار القوة من المؤسسة الدينية التي كانت واضحة في دعمها للسيسي.
فبعد سيطرته على الحكم جلس شيخ الأزهر أحمد الطيب في المؤتمر الذي أعلن فيه عزل مرسي. وبعد ذلك بفترة برر المفتي السابق علي جمعة القمع ضد الإخوان المسلمين الذين وصفهم بأوصاف كان يجب أن لا يتفوه بها رجل دين علاوة على كونه مفتي الجمهورية السابق وقال إن ملائكة السماء تؤيد رجال الأمن والشرطة. ويعلق وولش أن مباركة المؤسسة الدينية للسيسي قد تعطيه نوعاً من الشرعية في نظر الكثير من المصريين لكن هناك العديد من الإشارات التي تشير لمحدودية مدخل السيسي خاصة بين الشباب الذين شاهدوا فترة بعد ثورة 2011 لم يعد فيها للدولة تأثير على الخطاب الديني.
وأشار الكاتب لزيارة نادرة قام بها الشيخ الطيب الشهر الماضي إلى جامعة القاهرة حيث رد على أسئلة الطلاب المتذمرين من إجراءات إدارة الجامعة التي أغلقت كل المصليات وهدمت جامعاً في داخل الحرم الجامعي وأجبرت الطلاب على الصلاة في جامع واحد في محاولة لمنع التظاهرات، ولم تقنع أجوبة الشيخ الطيب الطلاب.
ونقل عن طالبة تعليقها على لقاء الشيخ «هذه وسيلة أخرى للسيطرة» وأضافت «لا توجد ديمقراطية أصلاً والآن يقولون لنا أين نصلي. وتقوم الحكومة بالضغط على الشباب وستنفجر في وجوههم» أي السلطة.
تدجين
ولاحظ وولش كيف تم تدجين الخطاب في حرم الجامعات التي كانت مركز المعارضة. واليوم يتردد الطلاب بالحديث خوفاً من المخبرين فيما يدعم موقف الإدارة بقوة ويرون أهمية في التحكم بالنقاش الديني. ولم يعدم وجود رافضين لكلام الشيخ الطيب، فهو في الحقيقة ليس شيخاً حقيقياً كما قالت أميرة محمد «والجميع يعرفون أن الفتوى جاءت من الرئيس».
وتدافع الحكومة عن الإجراءات التي تراها ضرورية لمكافحة التطرف عسكريا كما في سيناء التي تشهد تمرداً من أتباع تنظيم الدولة وأيديولوجيا من خلال مراقبة النشريات الصادرة عن المتطرفين بلغات عدة. ويرى البعض في التشريعات التي تصدرها الحكومة محاولة خفية للقمع السياسي.
وينقل عن علي قنديل المدرس الممنوع من الخطابة بسبب نقده للطغاة قوله «أي شخص يتحدث يقتل» و»إن لم يقتل يعتقل وإن لم يعتقل يهرب وإن هرب يعتبر خائنا».
ولعل استخدام الديني ضد المعارضين يعكس في النهاية الخوف من أحداث شغب واضطرابات تجري لإحياء ذكرى ثورة يناير ولذلك يجري التجييش السياسي والإعلامي لها في محاولة لإحباط دعوات المعارضين للإنقلاب.
وتمثل مصر بحسب قراءة مجلة «إيكونوميست» المثال الأبرز على مآلات الربيع العربي. ففي العدد الأخير قيمت المجلة حصاد خمسة أعوام مرة من البحث عن الحرية والديمقراطية في العالم العربي والتي انتهت كما تقول بدول فاشلة ومدمرة وديكتاتوريات عادت للتمترس.
وركزت على الوعود الجديدة للثورة المصرية والتي كانت انتصارا مهما للعالم العربي نظرا للثقل السياسي والتاريخي الثقافي لمصر في العالم العربي.
أحلام
وفي القراءة رؤية لطبيعة الحراك السياسي في العالم العربي. وبدأت المجلة رحلتها في «الشتاء العربي» بالعودة لأغنية التونسية أمل المثلوثي «أنا أحرار ما يخافوش، أنا أسرار ما يموتوش، أنا صوت إل ما رضخوش، أنا وسط الفوضى معنى، أنا حق المظلومين..»، والتي غنتها بداية عام 2011 في شارع بورقيبة وأعطت صوتا وأملا للكثيرين من مواطني بلدها. لكن الإطاحة بزين العابدين بن علي في 14 كانون الثاني/يناير تبعته مرحلة صعبة عوق فيها الإرهاب عمليات البناء والإصلاح السياسي.
وفي عام 2015 أصبحت تونس أول دولة عربية «حرة» حسب «فريدم هاوس» المؤسسة الأمريكية التي تقوم بمراقبة الحريات المدنية في العالم. وغنت المثلوثي الأغنية مرة ثانية في كانون الأول/ديسمبر في احتفال تسلم الرباعي الذي رعى الحوار في البلاد وأشرف على دستور عام 2014 ولكن الأجواء تغيرت.
انهيارات
والملاحظ أن الأجواء تغيرت ولا تزال تونس حالة شاذة من بين ست دول عربية انتفضت عام 2011 وطالبت سلمياً برحيل «حكام طول الحياة». ولم يحقق أي منها نهاية سعيدة. فقد انفجر الوضع في اليمن وليبيا واستبدلت الحكومات هناك بميليشيات متحاربة في جزء من البلاد أو معظمها.
وفي مصر عادت الديكتاتورية من جديد فيما تمترس النظام في البحرين وانحدرت سوريا نحو الهاوية حيث تحولت معظم مدنها إلى أنقاض وأهملت أرضها الخصبة وأصبح نصف سكانها نازحون في بلادهم وهاجر الملايين إلى الخارج وقتل مئات الألوف. فباستثناء دول الخليج الثرية والمغرب المزدهر والجزائر المنعزلة منذ 21 عاما فبقية دول العالم العربي لا تبدو في حال جيدة. وفي العراق أصبح جنوبه الشيعي وشماله الكردي منفصلاً عن بقية البلاد ويخضع وسطه لسيطرة «تنظيم الدولة».
ووجد الجزائريون والسودانيون الخارجون من حروب أهلية أنفسهم تحت رحمة أنظمة عسكرية مفترسة وغامضة.
وانقسم الفلسطينيون إلى كانتونين وصاروا أضعف من السابق. وفي الأردن واحة من الهدوء يتم الحفاظ عليها عبر الخوف من الفوضى المنتشرة على حدوده.
مرحلة اليأس
وتقول المجلة إن أحلام الربيع العربي بسياسات تشمل الجميع وحكومات متفاعلة مع سكانها ونهاية للمحسوبية السياسية قد انهارت وحل محلها اليأس «فآبار اليأس قد طفحت». ولم يكن الخليج العربي الثري بمعزل عن التأثيرات فقد انخفضت الوارادت الحكومية بسبب تراجع أسعار النفط وأدت سياسات الهجرة وتقليل اعتماد الدول على العمالة الأجنبية لتناقص التحويلات المالية التي كانت تساعد إخوانهم.
وتواجه هذه الدول ضغوطا ديموغرافية فنسبة 60% من سكان المنطقة هم من الشباب تحت سن الـ 25 عاما. وتظهر أرقام منظمة العمل الدولية زيادة نسبة البطالة في دول العالم العربي من 25% عام 2011 إلى 30% الآن. وتظهر الأرقام تراجعاً في مستويات المعيشة والتعليم والصحة وبطئًا أو جموداً في النمو الاقتصادي.
وأصبحت يد الأمن أشد مما كانت عليه في الماضي وفي كل مكان تعمقت الانقسامات الطائفية والخلافات الطبقية وهو ما منح أرضية خصبة للراديكاليين وتقديم رؤيتهم اليوتوبية عن الحل الإسلامي. وفي المحصلة فلم يجلب الربيع العربي إلا الأحزان. وهذا يستدعي تفسير ما حدث ولكن ليس عبر الرؤية الروسية والإيرانية التي تحمل «الغرب الساذج» مسؤولية انهيار الوضع القائم والتخلي عن الحلفاء في مصر وليبيا.
وترى المجلة أنه من الخطأ التعامل مع الربيع العربي كأحداث منعزلة كل واحد منها يقتضي رداً خاصاً لأن هذا يحرمنا من التعامل مع الواقع التاريخي والمنطقة ككل والإنتفاضات كحدث منسق هز المنطقة كلها وبالتالي التجني على الفاعلين: أي الجماهير التي صرخت «كفى».
وهذا لا يعني أن الربيع العربي نشأ من فراغ، فقد سبقته نذر سابقة من مثل الحرب الأهلية الجزائرية عام 1991 والإنتفاضتين الفلسطينيتين و»ثورة الإستقلال» في لبنان عام 2005 وحتى الثورة الخضراء في إيران فكلها أحداث تعبر عن رغبة المنطقة بالتغيير.
ومن هنا فقد كانت الديمقراطيات العالمية مصيبة عندما تعاملت مع عام2011 كحركة تغيير واسعة وليس كأزمات وطنية منعزلة.
ورأت فيها حركة قوية قد تقود لتغيير ديمقراطي على شاكلة أنظمة الحكم العالمية. ولكن الشارع العربي والغرب معه أساءا تقدير أمرين في السياق العربي وهما هشاشة عدد من الدول العربية وعدم قدرتها على تحمل هيجان شعبي بالطريقة نفسها التي تحملت فيها جنوب أفريقيا الوضع عندما انهار نظام التمييز العنصري. أما الأمر الثاني فهو التصميم الشرس من مؤسسات النظام للحفاظ أو استعادة السيطرة «من كان يصدق قيام المتحدث الهادئ، بشار الأسد بتدمير بلده بدلاً من مغادرة القصر؟». فمثلما لم يكن الربيع العربي مجرد أحداث وطنية كانت الثورات المضادة مسألة دولية أيضا. فقد تلقت القوى المحافظة دعماً من دول الخليج، وكان المثال الأول هو دعم السعودية للبحرين عام 2011 والحملة التي تقودها السعودية في اليمن، فالرياض لا تريد فقط هزيمة الحوثيين ولكن العودة للوضع القائم. ويظل المثال السوري هو أهم الأمثلة على تدويل النزاع حيث تتصارع فيه قوى محلية وإقليمية ودولية مع أنه في الجوهر يظل نزاعاً بين سكان مظلومين ونخبة ضيقة ذات قاعدة طائفية تريد البقاء في السلطة. ولكن المثال الأهم عن فشل الربيع العربي وعودة الحرس القديم يظل في مصر، فقد عاد النظام القديم بدعم من دول الخليج.
تكهنات
في عام 2010 وقبل ستة أشهر من تحول تظاهرات التحرير لانتفاضة اطاحت بمبارك تكهنت المجلة بثلاثة سيناريوهات لمآلات الأحداث في مصر. فقد توقعت ثورة على طريقة الثورة الإيرانية عام 1979 والتي اختطفها الملالي، وقد يحدث تغير على الطريقة التركية في بداية القرن الحالي، وبناء ديمقراطية حقيقية رغم ما شابها من عيوب ولكنها دجنت الدولة العميقة- الجيش، والثالث هو نظام حكم على غرار روسيا بوتين.
ولم تجرب مصر شكلاً واحداً من هذه بل مرت بها جميعاً: فمن ثورة شعبية أطاحت بمبارك إلى حكومة إسلامية حاولت تعزيز مكاسبها وليس مواجهة الدولة العميقة إلى إنقلاب شعبي أدارته قوى النظام السابق أوصل مصر إلى الخيار الروسي في حزيران/يونيو 2013.
وبعد عامين ونصف اكتملت ثورة السيسي المضادة حيث خرج مبارك ونجلاه من السجن وكذا رجال الشرطة المسؤولون عن مقتل مئات المتظاهرين وقتل حوالي 1.000 من مؤيدي مرسي بعد الانقلاب.
وقام رجال السيسي بجهود للتحرش بالشبان ممن يتقنون التعامل مع وسائل التواصل الإجتماعي وسيطرت الحكومة على الجامعات والمحاكم والإعلام. وتمت المصادقة على دستور صمم لتقوية الجيش والرئيس وانتخب برلمان موال للرئيس حيث تدخلت المخابرات في انتخابات عام 2015 لانتخاب الموالين للرئيس والنتيجة إقبال ضعيف على الإقتراع وابتعاد الشباب عن السياسة وهو ما يريده المستبدون.
وهناك الكثير من المصريين ممن يثنون على السيسي الذي خلصهم من الإخوان والثوار. فالاخوان مزقهم قمع الدولة أما المتشددون فيواصلون حملتهم في سيناء إلا أن عملياتهم لم تلق دعماً شعبياً مما يعني عدم اندلاع ثورة جديدة على غرار ثورة 2011.
جدار الخوف
ولكن الجهود لبناء «جدار الخوف» أدت لتنفير السكان من دولة ليست فقط متوحشة وعشوائية ولا تخضع للحساب بل وعقيمة كي تشتري سكوتهم. فالمستثمرون ابتعدوا عن مصر بسبب السياسات الشاذة وقوة الجيش والمخابرات والمحاكم الانتقامية. ولا يزال دين مصر هائلاً ووصل العجز في الميزانية نسبة 10% كل عام منذ 2011. وتعاني العملة من انخفاض في قيمتها وكذا تراجع في السياحة، فأحداث مثل مقتل السياح المكسيكيين ومعالجة ملف الطائرة الروسية كشفت عن عجز الدولة. وترافق كل هذا مع نفاد صبر داعمي السيسي في الخليج الذين قدموا له 30 مليار دولارعلى شكل قروض مخفضة وودائع في البنوك ونفط، ويواجهون أنفسهم مشاكل بسبب انخفاض أسعار النفط. ولم يعد لمصر منقذاً في الانتظار ليخرجها من ورطتها.
ولم يعد أمام هذه الدولة المحطمة الكثير من الخيارات سوى لعبة الانتظار والتعويل على فقدان السيسي سيطرته على الحكم أو انقلاب داخل النظام . ويرى المرشح الرئاسي السابق عبد المنعم أبو الفتوح «الخيار الأرخص هو انقلاب داخل القصر» فالثورات تحتاج لوقت طويل لانها تعبير عن تراكم.
فشل النخبة
وتعتقد المجلة أن ما يظلل العفن في مصر وغيرها هو فشل النخبة العربية في بناء حكومات تتعرض للمحاسبة ونشر التعليم. وفي الوقت نفسه لم تؤد الثورات العربية إلا لإنتاج قلة من القادة والبرامج وعدد قليل من الأفكار.
وفي المقابل انتجت الثورات وضوحاً حول عدد من القضايا مثل الإسلام السياسي وموقع العالم العربي في العالم وقوة الدول والمجتمعات العربية. فقبل وصول الإخوان للسلطة رفعوا شعاراً غامضاً «الإسلام هو الحل» وهو إن عنى نسخة تنظيم الدولة فلن يقبله أحد وإن عنى منح السلطة لقادة الدين الذين لا يتفقون على قضية واحدة فهذا لا يثير الحماس مثلما كشف الإخوان عن أنفسهم كمحافظين طلاب سلطة.
ولا تستبعد المجلة الغرب من مشاكل المنطقة فالكوارث التي حدثت من حرب العراق إلى الرد العاجز على الربيع العربي أقنع الكثير من سكان المنطقة بمنطق المؤامرة. وفي الوقت نفسه كشفت حوادث الخمس سنوات الماضية عن هشاشة العلاقات العربية- العربية رغم عقود من شعارات القومية العربية، كما كشفت عن ضعف الدولة نفسها وضعف سكانها أيضا كما هو الحال في العراق وسوريا، رغم الزعم بأن المسألة الطائفية لم تكن حاضرة قبل غزو العراق أو بداية الربيع العربي.
ومن المفارقة بمكان أن تنظيم الدولة رغم فظاعته ووحشيته يقدم نموذجاً عن الحكم الذي رامته موجات الثورات العربية، لكن مجرد بقاء التجربة رغم الحملة ضده يقدم دروساً للمنطقة.
فبعيداً عن قسوته يقدم التنظيم نموذجاً لا مركزياً في الحكم ويحاول تقديم الخدمات الطبية والإدارية للسكان في مناطقه ويبيع النفط الخام ويجمع الضرائب. ولكن العنصر الغائب هنا وهناك هو احترام حقوق الإنسان والتعددية والمحاسبة أمام القانون. فقد كشف الربيع العربي أن هذه العناصرهي مفتاح النجاح وأهم من الانتخابات الممسرحة أو الإطاحة بالطغاة.
وفي ضوء الهدوء الحذر في تونس ومصر والهدوء الذي سيحل في النهاية على العراق واليمن وسوريا فدروس الماضي تقول إن بناء المؤسسات هو ما يجب فعله. وقد يتعلم العرب من ثورتي 1948 و1968 في أوروبا اللتين لم تحققا في البداية الكثير بل أدتا لردود فعل سلبية.
وكما كتب المؤرخ إي جي بي تيلور فقد كان عام 1848 هو «العام الذي شهد فيه العالم نقطة تحول فشلت في التحول». وفي كلتا الثورتين حدث التغيير وإن متأخراً وعلى يد الجيل الثاني.
إبراهيم درويش