الربيع العربي وحالة الخوف والترقب

حجم الخط
4

عندمـا أقدم الشاب التونسي محمد بوعزيزي على حرق نفسه احتجاجا على سوء معاملته في أحد مخافر الشرطة وفرار الدكتاتور بن علي بعد الزحف الجماهيري التلقائي المتعطش للحرية والكرامة سجل التاريخ أول انتصار لثورة عربية بطريقة حضارية سلمية منذ فترة الاستقلال وذلك بتاريخ 14 فبراير/شباط 2011. يومها انبثقت صورة وردية في المتخيل العربي بتصفية الاستبداد والقضاء على الفساد تمتد في أمواج الجغرافيا العربية من المحيط إلى الخليج، وخرجت الجماهير في مصر، واليمن، وليبيا، وسوريا، والبحرين، والمغرب، والأردن…الخ.
وبعد أربع سنوات تعرضت الجماهير العربية لانتكاسة قاسية، حيث غرقت بعض البلدان العربية في مستنقع الحرب الأهلية وتصفية الحسابات السياسية، وكانت أكبر محنة ومأساة في سوريا التي فقدت أزيد من 220 ألف شخص، وتشرد الملايين من المواطنين، وغرق اليمن في حرب طائفية، ومصر، أكبر بلد عربي، لا زالت تصارع من أجل البقاء بعد الانقلاب على حكم الإخوان المسلمين. أما ليبيا فقد تحولت إلى «دولة فاشلة» بعد سقوط نظام معمر القذافي، حيث تتقاتل الميليشيات، وبدأت تتكون جيوب الدولة الإسلامية في درنة وسرت، وأخذت أوروبا تدق ناقوس الخطر وتلوح بالتدخل العسكري على الأراضي الليبية لاجتثاث سرطان الدولة الإسلامية من حدودها الجنوبية، خصوصا بعد ذبح أكثر من 21 قبطيا مصريا على يد تنظيم الدولة.
إنها حالة من الفوضى والاضطراب الأمني الذي يلوح في الأفق مما يعني أن خلالا ما قائم في البنية السياسية و الاقتصادية بل والأخطر في البنية الثقافية لذى الشعوب العربية، قبل الحديث عن عقلية الحاكم العربي الذي يتشبث بالسلطة حتى أخر قطرة من دمه، يجب التركيز أولا على عقلية وثقافة المواطن العربي، التي ساهمت في خلق حالة من الشك حول ماذا يريد.
في رأيي الشخصي، يمكن إرجاع انتكاسة الربيع العربي إلى أربعة عوامل رئيسية، منها ما هو ذاتي ومنها ما هو موضوعي: عوامل جعلت الحاكم والمواطن العربي يعيشان حالة من الخـوف والترقب.
لقد تحولت الحركات الإسـلامية إلى فزاعة تهدد أمن واستقرار المجتمعات العـربية والإسلامية، فقد حاولت الجزائر في بداية التسـعينيات من القرن الماضي الدخول إلى نادي التمدن والديمقراطية من خلال تنظيم انتخابات حرة ونزيهة، كان الفوز فيها للتيـار الاسـلامي بقيادة «جبهة الإنقاذ الإسلامي» عام 1992. تحول ذلك الفوز إلى حرب أهلية طاحنة امتدت عقدا من الزمـن، ولا زالت الجزائر تضمد جراحها. إن عجز القـيادات الإسلامية العربية في الاجتهاد الفكري والنظـري ساهم إلى حد كبير في انتشار ظاهرة التطرف والإرهاب، فهـذه الحـركات الإسـلامية التي تحـصل على حصة الأسد في كل محطة انتخابية عربية، مستغلة بذلك حالة التهميش، الفقر والأمية، لا زالت متموقعة على ذاتها، ولم تجعل من الإسلام قنطرة للحضارة ولا عامل قوة يساهم في التنمية وخلق فرص العغل للعاطلين، بل على العكس من ذلك تماما، جعلت منه بوابة للفتن والاقتتال الداخلي. هذه الحركات الإسلامية هي أمام خيارات هي: إما أن تقبل باللعبة السياسية عن طريق الاجتهاد الفكري الإنساني، وبلورة أفكار إشتراكية من داخل الإسلام ( مثل التركيز على العدالة الاجتماعية ) أو أفكار ليبرالية ( مثل التحرر الاقتصادي وحرية المبادرة وتحرير الأسواق) نموذج «حزب العدالة والتنمية» التركي، أو أن تنضم إلى صف المجاهدين والمتشددين والمتطرفين في العالمين العربي والإسلامي، والأمثلة على ذلك كثيرة: آخرها تنظيم الدولة «داعش» التي خـرجـت من رحم تنظيم القاعدة، وبوكو حرام، وأنصـار الشريعة.
أما العـامل الثـاني فهو مافـيات الفسـاد التي تتحكم وتمسك بالاقتصاد في كل دولة عربية على حدة، وتنشر اقتصاد الريع، وتجارة المخدرات، والإقطاع، وما ينتج عن وضع كهذا من فساد، وتسـيب وعدم احترام القانون، ومثل هذه اللوبيات هي التي تشرف على الأمن وتستطيع التحكم في اللعبة السياسية بكل احترافية وبراعة، وقادرة على خلط الأوراق، وتستطيع أن ترجعنا إلى المربع الأول، كما حصل مع الانتخابات التونسية، حيث مرشحان علمانيان يتنافسان على قصر قرطاج: الأول مناضل حقوقي، الدكتور المنصف المرزوقي، بما يجسده من أمل في تفكيك هياكل الدولة التقليدية، ومرشح أخر محسوب على النظام القديم: باجي قايد السبسي، الذي فاز في أول انتخابات رئاسية في بلد عربي، وكأن الثورة في تونس لم تغير موازين القوى ولم تعط أملا للفقراء الذين كانوا أول ضحاياها.
العـامل الثالث هو دور الأحزاب السياسية العربية والنقابـات في تأطير الجماهير، وما تفرضـه عليها مهمتهـا من اجتهاد فكري، ونـزاهة ونكـران للـذات وتضحية في حـدود المعقول، ما دامت العوامل في التغيير متشابكة ومعقدة، فقد أظهرت الأحزاب العربية التقليـدية عجزها إلى حد كبير في تجديد شرايينها، ولم تحسم في ديمقراطيتها الداخلية، وتحولت إلى مرتع للمنتفعين، وتمارس كل أشكال البيروقراطية والتضليل على جماهيرها مما ولد حالة من القنوط واليأس وعدم الثقة في أوساط الجماهير التابعـة لهـا.
كما عجزت النقابات العمالية ليس فقط في انـتزاع مكاسـب مهمة مثل الرفع من الأجور والتـأمين على الصـحة والسـكن، بل في الاجتهاد الفكـري والمعـرفي من أجل تنويع النظام الاقتصادي القديم واستـبداله بنظـام اقتصادي أكثر تنافسية في ظل عولمة حققت الكثير من المنافع والرفع من الناتج الداخلي المحلي في العديد من بلدان العالم الصاعد.
أما العامل الأخير فهو السؤال الذي يطرح نفسه؟ هل الجماهير العربية التي خرجت مطالبة بالحرية والكرامة تعي المهمة التاريخية الموكولة إليها وتريد أن تدخل القرن الحادي والعشرين من باب التمدن، وتبني الإعلان العالمي لحقوق الإنسان كمرجعية بما يكفله ويضمنه من حقوق سياسية ومدينة، اقتصادية واجتماعية ومساواة بين الجنسين، ودولة القانون؟ أم تريد العودة بنا إلى الوراء.

ناصر الدين جعفر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية