الربيع مواجها تحديه الأكبر ضد الفساد

حجم الخط
4

حينما يتحول المجتمع من المعارضة السياسية إلى المعارضة المدنية، هل يمكن اعتبار هذا التغير برهاناً على تحقق قفزة نوعية في مسار النضج التاريخي لطلائع ذلك المجتمع. على أنه لا يمكن لهذا التساؤل أن يثبت حقيقة القول كواقع فعلي منذ الآن. وإن كان يرى له ملامح أولية واعدة به عبر الثورات الراهنة ضد الفساد المنبثقة فجائياً بين شوارع بغداد وبيروت.
كان يمكن لكل ثورة على الفساد أن تعقد الآمال الجسام في التغيير السليم والقابل لمنْح شعوبه خطاً عقلانياً في التطور نحو المستقبل الأفضل لأجيالها القادمة، كان يمكن لمثل هذا الحراك أن يُكسِب «الربيعَ العربي» وجَهه المشرق منذ البداية، وأن يقطع الطريق على كل المنحرفات الشوهاء التي احتكرت قيادته فيما بعد. والواقع أن محركات الربيع الشعارية الأولى لم تكن مهملة للأهداف المدنية، فتلك العبارة: (الشعب يريد إسقاط النظام) كانت في حد ذاتها غنية عن التفاصيل التي تتضمنها، فلماذا إسقاط النظام؟ إن لم يكن مداناً بالشرين الأكبرين وهما الاستبداد والفساد. فأصل الغضب الجماهيري، بسبب ما يسلبه من أموال المجتمع وسلامه فحسب، بل يجرده من كرامته الإنسانية. ما يفعله الإستبداد هو أنه يحرم ضحاياه من سيادتها على ذاتها ويجعلها عبدة لسواها. ما يعني أن الاستبداد هو حرمان الناس من إنسانيتهم. والسؤال لماذا هذا الحرمان، وجوابه المباشر هو أن الإنسان المقموع هو المحروم من قدرته على الدفاع عن ذاته. نظام القمع يجرد المجتمع من حقوقه المدنية، يستلّ منه كائنه الإنساني مبقياً له بقايا كائنه الحيواني.
مئات وعشرات من سنوات القهر والحرمان قد تنقضي كأحداث، لكنها باقية كنتائج وأخطرها قد يشعل ثورات. وحينها تتفجر الأحقاد الأهلوية في كل اتجاه. فالفظاعات التي أذهلت الجميع، وكان معظم مرتكبيها من علية هذا المجتمع ومن بعض أسياده القدامى والجدد. لم تكن وليدة الصدف المجهولة العابرة، فهي بعض المخزون في اللاوعي الجمعي للمجتمع نفسه. لكنها لم تُتْرك لطبيعتها، بل فُرضت كتوظيفات لأرباب الثورات المضادة، وهؤلاء يشكلون حتى اليوم الغالبيات الناشطة في مجتمعات التخلف العربي العتيد. فكل حراك عام إيجابي يُبتلى سريعاً بالشبيه المضاد لمشروعه. فالفساد العربي تجاوز نوعيته الأولى كفساد اقتصادي، لم يعد محصوراً بسرقات الأموال العامة للدولة فحسب. لقد تغلغلت أوبئته نحو جذور السياسة للحكام والمحكومين معاً. وبذلك يحصل الطاعون الأسود على وسائل حمايته الموضوعية القانونية، إذ يغدو الفساد، والسلطة حليفين موضوعياً وعملياً. هذا لا يحتم أن كل حاكم فاسد، لكنه بما أنه يشغل مركزاً في صفوفها فهو مشمول بواقعها الأخلاقي وسمعتها. وبالتالي فإن شعار (إسقاط النظام) لا يميز بين رجاله، من هو الصالح أو الطالح في عداده.
إن إطلاق شعار إسقاط النظام وانطلاقته كالنار في الهشيم بين مختلف مكونات الشعوب العربية لم يكن ذلك مجرد دعوة شعبوية لتغيير الهيئات الحاكمة. لم تكن المسألة مجرد معارضة موجهة ضد شخص أو أشخاص السلطة. حتى أنها لم تكن حركة ديمقراطية ضد ديكتاتورية حاكمة، وإن كانت هذه من أحوالها المباشرة. لكنها تغطية كاملة لمعانيها. ذلك أن التاريخ السياسي المعاصر لمختلف الدول العربية، كان ولا يزال حافلاً بكل الصيغ الممكنة للمعارضة، ولكنها قلما أتت أو داهمت صحاريها ببراكين لها حجم وهول «الربيع العربي» الراهن. فالربيع ليس حدثاً قد يوصف بالأهمية غير المسبوقة، ثم تنتظم أموره بين أحداث أخرى، إنه باعث نوع تلك الاضطرابات العميقة الجذور الصاعدة من جيولوجيا امكنتها الاجتماعية غير المنظورة غالباً، ولذلك تناقضت التعريفات التي حاولت تفسيره مستندة إلى نظريات شتى،منها الماركسية والفرويدية وما بعد الحداثية. فأغرب ما تبدَّى به هذا الربيع هو تحوله إلى ظاهرة لا حدود لمساحة فعلها أو تفاعلها. وقد تبدو أحياناً أنها لا نهاية لها. فأصعب ما يلاقيه الفكر المراقب لوقائع الربيع هو قدرته السحرية على تفجير كل ما يضاد معانيه الإيجابية ودعواته التحريرية، ويجعلها سباقة ومتقدمة على كل ما من شأنه إصلاح عوراته، إلى درجة تُدخل اليأسَ إلى عزائم روّاد التغيير، فمحصول هؤلاء من توالي ثورات الربيع المغدورة يكاد يسد آفاق الآمال مبدداً أضواءها الأولى. محيلاً إياها إلى رماد متطاير مع عصف رياح الصحارى الهوجاء.
إذا كان الفساد استطاع أن يطيح بمعظم ثورات الربيع واحدة تلو الأخرى، إلا أن الربيع لم يفقد بعد جذوة حيويته، ها هو يتنبه إلى عدوه الدائم، إلى الفساد في عينه. فالمجتمع العربي كأنه استنفد صراعه مع أقنعة الفساد أخيراً كيما يلتفت إلى جسدية الفساد نفسه. إلى لحمه وعظمه عاريين من كل حواجب حقيقته. فالحالة الراهنة المفعمة بفظائع الهمجيات اللاتاريخية سوف تعلن الحرب في النهاية على صانعي الفساد، وليس على ممثليه أو أدواته فحسب، لن يطول البحث عن هؤلاء الصنّاع. هم موجودون في كل مكان. لهم أعشاشهم ومستعمراتهم وراء كل ما هو قائم في المجال العام. لم يعد يصح تسمية الفاسدين بغير أفعالهم الحقيقية. ليس ثمة لقب عظيم أو وزير أو قائد يشكل حصناً دفاعياً عن أخطبوطه المختفي وراء قشرته. فَلْيقُلْها كل لسان صريح أن هزائم تاريخنا المعاصر كان لها علة واحدة كبرى هي الفساد. ليست هي الأفكار أو العقائد الضالة. ولكن هم الفاسدون الذين لا ندري بهم إلا فجأة عندما يحتلون مراكز القرارات المصيرية؛ تلك هي اللصوصية الفردية. ومن ثم هي الفئوية؛ إنها سارقة آمال الأجيال. فليس ثمة كارثة وطنية إلا وكان وراءها لص بقناع حاكم أو سيد ما.
يقظةُ الشبيبة، هي علامة صحو. وقد يصير الصحو مهدداً بعاصفة رملية هوجاء، إن لم يُعد الربيع ولادته نقياً خالصاً من تجاره وسماسرته. فالحراك العام غداً يلوح بإنتاج منعطف يمكن وصفه بالتاريخي حقاً، عندما يتجاوز الربيع مرحلة الفوران، مانعاً كل يد مشبوهة من الامتداد إلى حمولته الإنسانية. سوف يولد الربيع حقيقياً، مستحقاً محبة الشبيبة المؤمنة به رغم كل استغلال فوضوي لإنجازاته النادرة.
لم تتحدث المذاهب التقدمية عن ثورات ضد الفساد برموزها المباشرة، بقدر ما كانت تناوشها من خلال مفاهيم اجتماعية أخرى لها طابع حركي محدود. ذلك أن المواجهة الثورية ضد الفساد تتطلب ما يشبه مراجعة شاملة للحراك الاجتماعي بكلية مفاصله وآلياته. وهي استراتيجية قصرّت عن استيعابها معرفياً أجهزةَ التواصل المعتادة. فهل هي أمست مهمة جديدة ملقاة على عاتق الربيع العربي لكي يبنيها ويتجسَّدها واقعياً أولاً، لكي يصار إلى فهمها وتحليلها معرفياً فيما بعد، ويكون للربيع هكذا ثمة فتوحات ثقافية قد تصحح تعرجاته العملية العقيمة…وذلك سؤال نخشى الإجابة عنه منذ الآن.

٭ مفكر عربي مقيم في باريس

مطاع صفدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية