عمان ـ «القدس العربي» ـ بسام البدارين: لم يعد الشارع الأردني يذكر رئيس الوزراء الأسبق الدكتور هاني الملقي سلبا أو إيجابا مع نمو الأحداث في الإقليم وبالتوازي مع مناورات الحكومة البديلة بقيادة الرئيس الدكتور عمر الرزاز.
يغيب الملقي تماما عن المشهد ولا يتذكره الرأي العام إلا مؤخرا وبصورة جزئية في سياق مقاربة بقرار حكومة الرزاز رفع أسعار الكهرباء بمعدل سبعة فلوس لكل كيلو واط واحد، الأمر الذي أثار عشرات التعليقات على وسائط التواصل الاجتماعي وهي تحاول التوصل إلى استنتاج يقود إلى ان الرزاز في النهاية لا يختلف عن الملقي عندما يتعلق الأمر برفع الأسعار.
ثمة ركن بارز في الحكومة الجديدة مهتم على الأرجح بتذكير الأردنيين وفي بعض الأحيان تذكير الرزاز نفسه بالواقع الاقتصادي وهو نائب رئيس الوزراء الدكتور رجائي المعشر الذي أغضب غرفة الصناعة المركزية عندما عقد أول اجتماعاته الفنية.
في إطلالته الأولى على الرأي العام حرص المعشر بوضوح على التقدم بإشارات عدة أهمها إحاطته التامة بالملف الاقتصادي واعتباره وزاريا المرجع المعني بالملف بدون نقاش.
الإشارة الثانية الأهم تضمنت محاولة إرجاع الرأي العام إلى التحليق على مستويات منخفضة عبر تقليص التوقعات الاقتصادية من طاقم الرزاز والاستثمار وبذكاء شديد في الشفافية والمصارحة اللتين أوصى بهما الرزاز طاقمه ولكن في اتجاه التحدث بالوقائع من داخل الحكومة.
لم يعرف بعد ما إذا كانت رسائل المعشر هنا تخص الشارع أم رئيسه وبعض زملائه الذين يغازلون الشارع.
على الأرجح تخاطب تلك الإطلالة الطرفين معا ولكن على أساس الاستثمار في قواعد لعبة الصراحة التي قررها أصلا رئيس الحكومة الجديد وعبر التطرق إلى تفاصيل تقول ضمنيا ان حكومة الرزاز ليست انقلابية على وصفات صندوق النقد الدولي، بمعنى انها لا تتبنى موقفا مغايرا لحكومة الملقي.
تلك مفاجأة لا يحبها المتحمسون للحكومة الجديدة، لكن أهميتها منطلقة من انها تصدر عن الرجل الثاني في الحكومة.
بلغة واقعية تحدث المعشر عن معادلة الضريبة ورفع الأسعار وبحذر لم يعد أحدا في المملكة بنهج مختلف هنا قبل تدشين بداية حوار مع فعاليات متعددة بدون «مسودة» جديدة لقانون الضريبة.
وباللهجة الحذرة نفسها دافع عن خفض الضريبة عن قطاع البنوك وتحدث عن الأهلية للاقتراض والتنويع الاقتصادي باعتبارها مرتبطة بتصنيفات صندوق النقد الدولي.
يفعل مخضرم من وزن المعشر ذلك بقصد وبعدما لاحظ خلف الستارة والكواليس وكما أبلغ أحد الوزراء ان الرأي العام يبالغ في توقعاته وان وضع بعض الفرامل مطلوب إلى حد ما حتى لا تغرق الحكومة كلها بأوهام مخاطبة الشارع.
حصل ذلك زمنيا بعد صدور بيان قوى الحراك المسؤولة عن أحداث الدوار الرابع والذي أعلن خمسة شروط لها علاقة بالأجندة الاقتصادية للحكومة حصريا مع مهلة مئة يوم قبل العودة إلى الدوار تحت شعار إسقاط حكومة الرزاز كما حصل مع الملقي.
النشطاء الشباب الذين صاغوا البيان المشار إليه يتصرفون باعتبارهم يمثلون القوة المدنية التي أزاحت الملقي وقفزت بالرزاز.
الجانب التكتيكي في خطاب الوزير المعشر يحاول الإيحاء بان مطبخ وعقل الحكومة لن يتعامل مع أهواء الشارع والحراك على حساب الواقع والوقائع وأن مهمة تدليل وتدليك الحراكات الشعبية مسألة تندرج في باب هوايات رئيس الوزراء أو بعض أعضاء فريقه والمعيار سيختلف عند التعامل مع الواقع.
فعل ذلك المعشر على الأرجح لخدمة الرزاز والحكومة وللانسجام مع متطلبات وظيفته وواجبه كما يفهمه دون أدنى عبارة لها علاقة بالإصلاح السياسي تحديدا يمكن ان تخدم من يترصده أو يتابعه أو يخاصمه باعتباره من رموز الحرس القديم.
جملة المعشر في النهاية واقعية وتغرد بذكاء خارج سرب الرزاز الذي تقصد قبل ذلك وأمام قادة البرلمان وفي اجتماع مغلق، الإيحاء بإن الوزير العجوز الدكتور رجائي المعشر يعمل تحت مظلته وليس شريكه في رئاسة وإدارة الحكومة.
بصرف النظر عن تلك المواجهة التي يفترضها كثيرون بين الرزاز ونائبه داخل جسد الحكومة، يمكن القول عندما يتعلق الأمر بالمربع الاقتصادي تحديدا ان ما يقترحه ويصفه الثاني هو الذي يعبر حتى الآن، فقد جازفت حكومة الرزاز ورفعت أسعار الكهرباء ودافعت عن آلية تسعير المحروقات القديمة، وتراجعت عن ما وعدت به سابقا بخصوص إلغاء الضريبة على سيارات الطاقة الكهربائية الهجينة.
بالتزامن ورغم دخولها الشهر الثاني لم تقدم حكومة الرزاز بعد أي حل يعالج أزمة المزارعين ولا يبدو انها في طريقها لإعلان معادلة جديدة مع صندوق النقد الدولي، الأمر الذي يجعلها في النتيجة والمحصلة حكومة أقرب لصيغة إزالة الاحتقان وتمرير أجندة سياسية بينما لا تتغير المعطيات معها وعبرها عندما يتعلق الأمر بالملف الاقتصادي.
من المرجح ان المعشر هو الركن الأبرز الذي يحاول قول ذلك وبكل اللهجات وعلى أساس ان الرئيس السابق الملقي لم يكن خصما أو عدوا للشعب بقدر ما أخفق في الإدارة وبصورة تظهر ان الأزمة الاقتصادية أعمق من ان تعالجها حكومة الرزاز وبسرعة حيث لا توجد حلول سحرية لأزمة مستعصية كما قال ولي العهد الشاب الأمير الحسين بن عبد الله.
11TAG