الرجل الذي يقتل الوقت ليربح نفسه

حجم الخط
0

لم يكن مهما عند نفسه..
كما كان يبدو لهم وهو يمشي..
يتأبط كتبا أو لفيفا من جرائد..
ينظر أمامه دون انتباه..
أحيانا يتعثر في حجر ..
أو يطأ بركة ماء جاد بها المطر..
أو يصطدم بكتف عابر مسرع.
كان ينظر إلى داخله ..
أكثر مما ينظر إلى الناس من حوله..
عادة يقف قبل مقهاه المعتادة..
يفتش في جيبه عن قطعة نقدية..
يضعها بإهمال بين يدي المتسول الأعمى
الذي يربض هناك منذ زمان..
ملتصقا بالحائط المجاور لدكان السجائر…
مثل لوحة إشهار تجسد بؤس العالم..
ثم يدخل إلى المقهى يتأمل الزبائن ..
ويركن الى طاولته المعروفة..
يتصفح جرائده أو يفتح كتابا..
يأتيه النادل بقهوته دون أن يطلبها..
الروتين يؤدي وظيفته كما العادة.
يشعل سيجارته، يضع الكتاب جانبا..
أو يطوي صفحات الجريدة على أربع..
هو رجل مهم كما يعتقدون..
لا يخلط بين لذة القراءة والتدخين..
ودقيق في مواعيده منذ عهد قديم..
وقت للدخول من البوابة الزجاجية للمقهى..
وقت للخروج منها نحو الشارع…
وقت للمشي قليلا وسط ضجيج المارة..
ووقت للعودة إلى البيت قبل نزول الظلام..
أحيانا يغيب الرجل المهم لدى الآخرين..
يفتقده النادل المسائي يتأمل طاولته الفارغة..
ينظر حوله، يهز رأسه عجبا ..
ثم ينصرف إلى أحواله المكرورة..
قهوة هناك، عصير هنا وشاي للآخرين…
وفي الخارج قرب الجدار الممتد
من دكانة بيع السجائر …
يتحسس المتسول كفه الفارغة …
ينتظر أن تسقط فيها قطعة نقدية باردة..
من يد لا مبالية لرجل مهم يعرفه
من رائحة عطره التي لم تتغير منذ سنين..
تكر الأيام كما حبات مسبحة قديمة…
يظهر الرجل المهم في بداية الشارع..
يتأبط جرائده وكتبه وابتسامته المعهودة..
قد يتعثر في حجر أو يطأ بركة ماء..
أو يصطدم بكتف الخلائق العابرة..
يضع قطعة نقدية في كف فارغة…
يشتري نفس السجائر من نفس الدكان..
يدلف الى المقهى نفسه في التوقيت نفسه..
تأتيه قهوته كما العادة دون أن يطلبها..
يفتح الجرائد ، يتصفحها ، ويطويها…
ينزع نظارته الطبية يمسحها بمنديل ورقي …
يقلب في الكتاب عن الصفحة التي
توقف عندها في الموعد القراءة الأخير …
يقرأ قليلا ثم يخرج علبة سجائره ..
يضع الكتاب جانبا ،يفتش ببطء..
عن الولاعة في جيب معطفه…
يدخن بتلذذ سجين لفظته زنزانة…
ثم يعود ليسقط في دواخل عقله..
محاولا أن يقيس مدى نجاحه
وهو يجاهد منذ آماد وحين..
أن يقتل الوقت ليربح نفسه.

٭ شاعر من المغرب

الرجل الذي يقتل الوقت ليربح نفسه

علي الزحاف

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية