… إلى مصطفى محسن بمناسبة تكريمه
لم أنتبه لعمق المسافة الزمنية التي باعدت بيني وبين أخي مصطفى محسن، ولا لغفلة النسيان التي تعاظمت بفعل الوقت والبين وسطوة القلق المتوارث، إلا حين علمت أن هذا المفكر الكبير الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، تجمعني به قرابة العقل والروح ويشكل من وجداني وعقلي جزءا لا يمكن نسيانه أو تناسيه .
كان مصطفى مرشدا لي وسندا لي في مرحلة جد حاسمة من شبابي، مرحلة تميزت بالنبوغ والموهبة والذكاء المبكر. كنّا، أنا وأخوه عبد الله صديق طفولتي، في يفاعة الصبا، طفلين مشاغبين، مدمنين على القراءة الشغوفة والتنابز بالأفكار، نثرثر بما استطعنا فهمه من بطون الكتب والأسفار التي كانت تقع تحت أيدينا، وكان مصطفى الحارس الذي يحدد في إبحارها اتجاه البوصلة وهدفها، يعلمنا كيف نستفيد من القراءة الجيدة بدون إفراط ولا تفريط .
كان يأخذنا إلى الملتقيات الثقافية وندوات دور الشباب بآسفي وأسبوعيات نوادي السينما في مرحلة السبعينيات، حيث شاهدنا أفلاما رائعة مستنبطة من روايات أدبية عظيمة كالحرب والسلم لتولستوي والجريمة لدوستوفسكي والدكتور زيفاغو والغريب لألبير كامي والبؤساء لفكتور هوغو وغيرها من الأعمال الخالدة. وكم كان مصطفى فخورا بمداخلاتنا التي لم تكن تخلو من إثارة وغرابة في الوقت نفسه.
قبل أن ينتقل مصطفى من مدينة آسفي إلى مدينة الرباط، قدم لنا مثالا ناصعا من الصبر والإصرار والعصامية، فورثنا منه تلك الشيم العالية ومشينا على دربه. لقد كان بالنسبة لي مربيا ومعلما ومرشدا في ظروف زمنية تميزت بالتباين والمفارقات، بنت نسبة كبيرة من شخصيتي وأعدت مستقبلي وهيأت طريقي ومنحتني إصرارا واندفاعا وثقة وعنفوانا.
لم أنس أبدا، ذلك الشاب النحيف، المتوسط القامة شريف النفس المتواضع حد الخجل، يعدل من نظارتيه حين يريد الكلام ويقوم أخطاءنا بالنصيحة والمثل ولا يتعإلى علينا أو يتكابر أو يفند أو يسخر أو يتجاهل، بل كان يصحح بقلم المعلم ويقوم برهافة الأب العطوف ويشجع بحس المدرب المحفز. فلسفته في التربية واتجاهه في التعليم دعّما إرادتنا في الحياة ودفعنا لنبحث عن أنفسنا في المعالي. بصريح العبارة كان مصطفى وصيا على مستقبلنا الثقافي وعرابا لتجربتنا المعرفية. نحن أيضا لم نخذله أو نتقاعس
عن طلب العلم والتطلع إلى المعالي، لأننا كنا ندرك جيدا أن السبيل الوحيد لنيل الاحترام هو الحصول على المعرفة. تلك كانت قناعات ومبادئ سامية وفريدة من نوعها عبرت بنا بوابة زمن لم يكن زمننا، فكبرنا توا وشببنا عن الطوق وخرجنا نقفز فوق المراحل الواحدة تلو الأخرى، نفعل كما تفعل خيل الحلبة رافعين أعيننا إلى الأفق المكسو بالضباب متسائلين عن ماهيته وفحواه. مصطفى محسن كان قائد الفرسان الذين قطعوا بنا مفازة التاريخ وعماد التشكيلة الفذة من فرسان المعرفة التي آزرتنا واستمعت إلينا وهذبت لغتنا وأيقظت فكرنا، فصرنا إلى ما صرنا إليه بفضل جهوده وتواضعه وقربه منا وصحبته. كان صاحب فراسة لا تخطئ يميز الممتلئ من الفارغ والغث من السمين وكان يصارحنا بذلك قائلا، أتوسم فيكما ـ ويقصد أنا وعبد الله ـ عقولا تضيف للعلم والمعرفة الكثير. أدرك عن بعد تلك الرغبة الدفينة في قلوبنا، فانشغل بنا وأيقظ فينا أهميتنا في المستقبل القريب أو البعيد.. أما نحن فقد سرت الرسالة بيننا ففهمنا محتواها…وكذلك كان..
ما أكنه لمصطفى من تقدير وإعجاب، هو ما أكنه لكل الواصلين على درب العلم والفكر والمعرفة، لقد آمن بأن طريق العلم ليس مغامرة مبنية على الشك، بل هي رحلة مؤسسة على اليقين التام، والسبيل إليها الجد والعمل المتفاني والحب. والمريد الذي يتقدم نحو تلك الطريق، راكبا كان أم راجلا، لا بد أن يتسلح بتلك القيم العالية كي يصل، ولا بد أن يصل ولو تأخر الركب قليلا عن موعده، وكثيرا ما يتأخر الركب عن موعده، لكن كثيرا ما يصل الركب إلى محله، فالممر نحو الهدف يشبه الرحيل إلى مدن أطلنطا الخيالية، ليس هناك يباس أو قسوة، إنما هو ربيع دائم يانع تتضوع رياحينه وينتشر شذاه في كل مكان، جغرافيا أبدية تترامى حولها الروابي والوديان والبحيرات الجميلة المخضرة التي تأسر العين وتؤبد الروح وتمتلك الجسد وتغويه، فيكون العابر منها في حيرة من أمره؛ أيستمر في السير أم يقف مكتفيا بما رأى وسمع؟ ومصطفى غنم الفرصة بكاملها ففتح رئتيه ليتنفس كل ذلك العبير النقي الطاهر المقبل من اشتغال الأرواح في الأماسي المشبعة بالسكون، وكل تلك المحاصيل المثمرة التي يحصدها العقل المنتشي بالأسئلة الغامضة والأسرار. فكان حقا عالما موسوعيا ومثقفا شاسع الرؤية واسع الأفق. ربحنا فيه قرنا من المعرفة وإشارة إلى المستقبل ستدوم طويلا… رجل تعددت مواهبه ورصيد من الكتب حملت توقيع الأديب الألمعي والشاعر الذواق والفنان البارع وعالم السوسيولوجيا المنظر والمتمكن من أدوات التحليل والنقد المعرفي الممنهج والتنظير العقلاني المؤسس على الحقائق الملموسة.
لا أملك إلا أن أغبط نفسي على حقبة من ذهب، عاصرت فيها هذا الرجل واقتربت منه كثيرا، كنت صغير السن بالمقارنة معه، لكنني جايلت شقيقه أخي وصديقي عبد الله محسن، وكلانا تربى على يديه ونهل من النبع نفسه. وكان منزله بحي المستشفى في مدينة آسفي مزارا بالنسبة لنا، كنا نقضي فيه الساعات الطوال صاخبين بالنقاش المضني والمزعج، مزعج حد الشغب الذي كان يروع هدوء الوالدة، رحمها الله. فما زلت أذكر تلك الحقبة المليئة بالأحلام والسحر والمفاجآت، حقبة السبعينيات التي حبلت بنا أطفالا لميلاد مستحيل، وولدتنا في مهد اليأس والتراجع وكأنما كنا نعيش في مكان ليس لنا وفي زمن ليس زمننا ولأيام ليست لنا..؟ سبرنا كل التناقضات، عرفنا الخيبات والهزائم ولكننا حصدنا النجاح في آخر المطاف.. تعثرنا وقمنا، كبونا ونهضنا وما زلنا نواصل المسير… فيا لها من أيام قاسية ورحيمة في آن! لكن طوبى لها من أيام! فقد كان من صنعها كل تلك الأسماء التي تجلي مظاهر مختلفة من ثقافتنا المعاصرة وتبني صرح المغرب الفكري والعلمي الخالد وتترك وراءها آثار أقدام على الصخر لن تمحي أبدا. ومصطفى محسن أحد هؤلاء الرجال الذين أنجبتهم مدينة آسفي، تلك المدينة الموغلة في التاريخ والحضارة والموغلة أيضا في النسيان والتهميش والخوف من المستقبل. مدينة صنعت ثلث عقول هذه البلاد، ولم تستفد من ريع تلك العقول. مدينة آسرة رغم كل شيء، كلما ابتعدنا عنها نادتنا بأغاريد الرعاة وأهازيج شيوخ العيطة وتلويحات الريح في المساء وصخب الموج المتلاطم على صخور «المرسى الصغير».
نبتعد عنها كما شئنا ونعود لنلجها ليلا أو نهارا، نبحث عن أطياف طفولية مندسة هنا أو هناك…لكن، لا السردين المشوي في الطرقات ولا البحر المنتشي بخفوت الموج في المساء، يقربنا من ذاكرة الماضي كما نشتهي… لكن اسما حفرته الريح على أديم الذاكرة، لن يمحى أبدا من مخيلتنا التي تدربت على الحفاظ على كل الأشياء الجميلة التي تؤثث العقل وترتب فيه آماكن وزوايا شاغرة للمعرفة والاستنارة التي شكلت طريق التحصيل الثقافي والعلمي الذي أفسح لنا طريقه؛ رجل اسمه مصطفى محسن، وهو يعبر بنا محطات التلقي واحدة واحدة حتى سلكنا طريق المعالي ودرجنا سبيل الأمجاد، لقد صار لكل منا اسم يلوح من بعيد… ليس كل شيء.. ولكنه بعض الشيء أو شيء من الأشياء التي تلمع عن بعد وتشد لها الناظرين عن قرب وتترك أثرا على الرمال…
تلك مرحلة انتهت من كرونولوجيا الأزمنة المتعاقبة ولن تعود أبدا.. ولكن الذي كان بيننا لم ولن ينتهي ما دامت أطيافه الماضية ماثلة على برديات منمقة موشاة بالكلام الجميل المغنى وبالنصوص الخالدة التي تؤبد الزمن الذي جمع بيننا سواء في أسفي أو في الرباط، إنه عمل يتجاوزه المحو والنسيان وينحت على صفحة السماء اعترافا بالمحبة والتقدير والفخر والاعتزاز.
…أخي مصطفى، سامح تطفلي وتجاوزي وتقبل ما جادت به مشاعري من فيض الأحاسيس التي زرعتها يوما في مشتل الوجدان الصغير الذي كبر معك ومنك.. وبارك الله في علمك وفي عمرك ومتعك بالصحة والعافية.
أكاديمي مغربي
ميلود العضراوي