أعتقد أن أمين معلوف يهتم في سلسلة رواياته بمشكلة الهوية المركبة. فهو يؤكد أنه لا توجد حقيقة مطلقة في وجودنا العابر. وبتعبير سعد محمد رحيم إنه يصور لنا الحقيقة على أنها ما نراه ونلمسه في الشروخ النفسية المؤلمة، سواء على مستوى الوعي أو العقائد٭. وقل الشيء نفسه عن معنى الانتماء. فهو كإنسان كوزموبوليتاني يصعب عليه أن يحدد موقعه في وجوده. وينسحب هذا الالتباس على شكل الرواية التي يكتبها. فهي ظاهريا تنتمي للأعمال التاريخية، لكنها في الواقع تهتم بمشكلة الذات. ماذا تعني وكيف نعزل الحقيقي عن المزيف؟ وفي رأيي أن معلوف يعاني من الشك في نفسه، ويسأل ذاته: لأي حضارة هو ينتمي؟ إلى اللغة التي يكتب ويتكلم بها، أم إلى الشخصيات التي يتعايش معها في الخيال؟.
وأراهن أن هذا القلق هو الذي يمنع الشخصيات من الاستقرار، ويدفعها للتنقل في أرجاء العالم. فمحور أعماله هو شخصية البطل المغامر وجواب الآفاق. ولنأخذ (ليون الأفريقي) على سبيل المثال. إن بطلها حسن الوزان المعروف بلقب ليون ينطلق من الأندلس ويقع أسيرا بيد بحارة من روما ويضطر لاعتناق المسيحية. وضمن هذه المعاناة لا يكف عن مواجهة نفسه بأسئلة متتالية عن الحقيقة. ما هو مصدرها؟ ومتى تتخلى عن معناها التجريدي وتتحول إلى حكمة ذات معنى؟
وعن ذلك يقول: من السهل أن تختار بين اثنين، لكن في الحياة أنت مضطر لاختيار طور واحد من الشيء نفسه.
ويمر بطل رواية (سمرقند)، وهو الشاعر المعروف عمر الخيام، بالمشكلة نفسها. إنما صراع ليون مع الذات يتحول عند الخيام إلى صراع مع الواقع، ويجد الحل في اللجوء للشعر وعلم الفلك. بمعنى أنه يجد الخلاص في الهرب من الواقع إلى الأبراج السماوية والتنجيم. وبهذا السياق يقول في مناجاة مع نفسه: إن الحقيقة محجوبة، ونحن نقف وراء الحجاب، وحينما يسقط لا نكون في هذه الدنيا.
ثم يقول فيما بعد: في كل خطوة ترتدي دنيانا وجها خفيا آخر.
وإذا كان هذا الحل لا يضمن لروحه حرياتها المفقودة، فهو على الأقل يحرر المكبوت. إن التنقل بين أمكنة متعددة من الخصال الأساسية في أعمال أمين معلوف. وهي توفر له معاينة فساد الواقع، ومواجهة مصادر الألم والمأساة. وبتعبير آخر: إن تجوال أبطال أعماله بين الشرق والغرب يوفر له مرايا متعاكسة تتبادل محاكاة صورته، لكنه لا يكتشف بها شيئا من وعيه الباطن. وهذا بحد ذاته مصدر للشقاء ولتوالد أسئلة لامتناهية. وربما كانت رحلة بطل روايته المهاجرة (البدايات) من الحاضر الراهن إلى ماضي أسلافه، هي الآلية التي نقلته من إحساس بهوية تضمحل إلى هوية مجهولة. ولذلك كانت هي المحرك الذي يحرضه على تطوير وعي هذه الشخصيات وتوسيع المساحة التي نعزوها للشك. حتى أنه يعترف في أكثر من موضع أن الهوية من الكلمات المضللة (وهذا التعبير لسعد لرحيم أيضا)، وأنه لا يوجد إنسان له بعد واحد، ونحن مكتوب علينا أن نكون من أجزاء متداخلة ومتباينة. وأغلب الظن أن هذه الحالة هي التي تعذب ضمير أبطاله، وتضطرهم للقيام بدورة واسعة حول أنفسهم، سواء ما له علاقة بالبراكسيس (خبرات الماضي الحي والذي يستيقظ من سباته)، وما له علاقة بالحاضر (مصدر الضلال النفسي والانحرافات وتراكم الألغاز).
لكن رموز الرحلة في أدب معلوف ليست مباشرة، وتأتي تحت ركام من الحقائق والأحداث.
ففي حالة (ليون الأفريقي)، على سبيل الذكر لا الحصر، واكب عبوره من الأندلس إلى روما عبور آخر من الماهية إلى التجسيد، أو من الإسلام إلى النصرانية. ومثل هذا الاختراق لجدار الأديان والثقافات ترافق مع انتقال بين حضارتين.. شرقية مهاجرة، وغربية مستوطنة. بلغة أوضح: لقد قاده البحث عن ذاته لاكتشاف الجذور الأصلية للمكان المضيف. وطرأ هنا تحويل فرويدي لموضوع الرغبة. فالمهاجر يتخلى عن نفسه لمصلحة الأرض وأسلوب إدراك المعرفة أو الحقيقة.
ولدينا في الأدب الحديث أمثلة متعددة تحمل الدلالة نفسها، ومنها رحلة نجيب محفوظ الرمزية خلال البحث عن إلهه. لقد استنفد جورج طرابيشي هذا الموضوع في كتابه الريادي عن رموز الله في الرواية، وإسقاطات صور الأب، والعقدة الأوديبية التي تجبر الابن على ارتكاب جريمته الشنيعة وتحرير المكبوت.
وأعتقد أن هذا السيناريو الدموي، والذي لا يخلو من عنف وطقوس تضحية برموز القهر والتسلط من الأب وحتى الإله، يجد أفضل تعبير عنه في رواية (المونسنيور كيشوت) لغراهام غرين.
تتابع هذه الرواية تفاصيل رحلة مشتركة لسياسي شيوعي وقس كاثوليكي. وإبان التنقل في أرجاء أوروبا ينشب بينهما حوار معقد عن دور الدين في إضفاء معنى على الحياة، ودور الإنسان في صناعة الحقيقة. ويحاول غرين جهده لتعويم الطبائع والأفكار دون مقابل في الأحداث. ويحول عمله لبورتريه عن حوار المعتقدات والمواقف (و ذلك داخل هيكل سيارة هي على الأرجح رمز لعربة التاريخ أو تعاقب الأزمنة). وبعد حادث مؤسف يحمل الراهب صديقه الكافر ويودعه في مصلى كنيسة. وهناك يلفظ روحه أمام أيقونة العذراء. ومع ذلك لا يتم إجراء أي مصالحة بين الطرفين، ولا حتى تأييد طرف على حساب الآخر. ولكنه يدعونا للاعتقاد أن الإنسان هو إله نفسه إسوة بالسيد المسيح. فهو الذي يقترف المعاصي، وفي الوقت نفسه هو الذي يطهر نفسه منها بالعذاب والشك. أو إنه يحاسب نفسه أمام وعيه المتأخر، (وهو ما يسميه دريدا بالاختلاف المؤجل). ويبدو لي أن تأخير الوعي بالأخطاء جزء من شرور المعرفة وليس جزءا من الفطرة أو البداهة. وربما كان تبديل وجهات نظرنا حيال الواقع هو المسؤول عن تجريم الإنسان على فعل شائن. فما كان مقبولا لنا في الماضي يدينه الحاضر بلا أي تردد. وهذه مشكلة وجودية تحرض الأجيال على الاختلاف والصراع، وعلى القطيعة المعرفية التي تبني ما بعد الحداثة كل فلسفتها عليها.
في النتيجة لا أعتقد أن روايات أمين معلوف تاريخية بالمعنى الحقيقي للكلمة. وهي تختلف عن أعمال جرجي زيدان وميشال زيفاكو وألكسندر دوما الأب وسواهم، ممن استثمر أحداث الماضي بهدف إحيائها وإعادة تركيبها. وإن شئت الحقيقة إنه كاتب مغامرات تاريخية لإنسان ينفصل عن وجوده ويشعر بالحاجة الماسة لأن يعرف من هو وماذا جنت يداه.
٭ كاتب سوري
صالح الرزوق