الرحيل النبيل

أفرد صادق العظم جناحيه للريح وطار إلى حيث عدم الجسد الأبدي، وترك لنا عقله الجسور مضيئاً في عالم يريده الطغاة معتماً وطار. رحل الذي لم يفكر يوماً إلا بما يجب أن تكون عليه الحياة، بما يجب أن تكون عليه الأوطان والإنسان.
أجل صادق مفكر الممكن بامتياز، ولهذا ظلت عيناه نحو المستقبل، وظلت روحه مفعمة بالأمل. ولهذا اختار عين الناقد لما هو كائن، نقد الواقع ونقد الوعي منحازاً دون تردد إلى الحقيقة كما يراها وبارتباط بمصير الكائن. فحق القول إنه مفكر الاختلاف مع الواقع ومع الوعي الذي لا يراه خارج المايجب أن يكون.
رحل الصديق صادق الذي خضنا معاً أشرس معارك الفكر ضد النكوص والاستبداد، واختلفنا في الما يجب، ولم يزدنا الاختلاف إلا صداقة وحميمة معشرية ووحدة في الخطوط الكبرى.
عرفته زميلاً في قسم الفلسفة، ورئيساً له، فكان نبيلاً في سلوكه العلمي والإداري وحين أحيل إلى التقاعد خسر قسم الفلسفة أحد أهم أساتذته الكبار. منذ أن اندلعت ثورة تونس أعلن انحيازه لهدم هذا الواقع الفج والمخيف والمعادي للإنسان. انحاز إلى الساحة ضد القصر وكم كان سعيداً بمقالي «الساحة والقصر» وهتف لي من بيروت يومها وقال لي: أجل يا أحمد هي المعركة بين الساحة والقصر. وحين فجر السوري ثورته زود نار الثورة بوقودها الفكري والعاطفي بأعلى درجات الراديكالية النبيلة.
والراديكالية في الانتماء والقول والتعبير الثورية ضد الاستبداد والوسخ التاريخي، هي بالنسبة للفلسفة الأمر المطابق لها والموقف الذي يليق بها، ولهذا فليس أمام الفيلسوف إلا الانتماء إلى ثورة الحرية لأن في ذلك انتماء إلى ذاته وإلى روح الفلسفة. ولهذا كان رحيله رحيلاً نبيلاً. أجل رحل صادق في ذروة أنواره.
وداعاً يا صديقي وداعاً يا صديقي.

٭ أستاذ الفلسفة في جامعة دمشق

الرحيل النبيل

أحمد برقاوي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية